الحسني يختار المقامة في تناول المشهد الراهن
إستعادة معاصرة لجنس قديم – اضواء – يوسف عبود جويعد
لا أحد ينكر أهمية فن المقامة، ودورها المهم في المساهمة في التوعية الثقافية، لأنها تتضمن نقداً لاذعاً وساخراً، كما أنها استطاعت في حقبة زمنية أن تكون من أهم الأجناس الأدبية، التي واجهت كل ماهو شاذ وغريب وخارج عن سياق المنطق، ويعكر صفو الحياة، وكان الجميع ينتظر بكل شغف مقامات الاستاذ مدني صالح، التي كانت في كل يوم تضع أمامنا نمطاً من الانماط الحياتية المرفوضة بنقد لاذع وساخر وحاد يصل حد تصحيح الاعوجاج، وكانت هذه المقامات مؤثرة جداً ولها دور كبير في مواجهة اي ظاهرة خارجة عن النظم الحياتية، بكل اشكالها، الاجتماعية، السياسية، الثقافية، وكان الجميع يهتم بهذا الجنس الادبي، لأنه ملتصق التصاق صميمي وحميمي بواقع حياة المواطن، وهو الذي ينوب عنه في مواجهة أي ظاهرة من شأنها أن تخلق نوعاً من أنواع الانحراف، ونتذكر ايضاً مقامته الشهيرة الناقدة اللاذعة الساخرة، وهويقول: لقد ابتعت مجموعة من الكتب من وزارة الثقافة والاعلام، لا لأجل قراءتها، وإنما لتصحيح الوضع المائل (للمبردة) بوضعها تحت المبردة، وقد أثارت هذه المقامة ضجة كبيرة في الاوساط الثقافية، واهتمت وزارة الثقافة بنوع الكتاب المطبوع حينذاك، وبعد توقف الاستاذ مدني صالح عن كتابة هذه الجنس المهم في الصحف والمجلات، لم ينبرِأحد من الأدباء ليسد هذا الفراغ، وما أن قرأت مقامات الحسني، للكاتب جبار منعم الحسني، حتى استبشرت خيراً في عودة فن المقامة والتحاقها ببقية الاجناس الادبية الاخرى، للقيام بدورها الريادي في حركة الثقافة والادب، لأنه استطاع أن يقدمها كما هي، وضمن اصولها وسياقها الفني، حنى تكاد أن تلمس وجه التميز والفرادة والاختلاف بين الاجناس الاخرى، ولكونها لم تكن وليدة عصرنا، بل إنها موغلة في القدم، وأنها ثراث مهم من تراث العرب، وهي خيط متصل من مقامات الحريري والهمذاني، وفي توضيح وتعريف عن هذا الفن يشير الكاتب في مستهل المقامات (التمهيد) ((كما تمتاز المقامة بمزاوجتها بين الجد والهزل، وتعتمد السخرية والعبارة اللاذعة التي تقتفي الاثر اينما وجد، كونها نصوصاً حكائية تروي على ألسنة شخصيات وأبطال مبتدعة تجول في الأنحاء لتسجل سخرية هنا ونقداً هناك وترصد ملاحة قول هنا وهجاءًذاع في الأفلاك.. فهي مرويات ناقدة، وحكايا ساخرة راشدة، تتصاعد مع المتغيرات، وغرائب الحكايات.. ايحاءً وتضميناً، وادباً متيناً، يجمع بين النثر والشعر، والمرسل والمنظوم على حد سواء… )) ص13.
كما ان الكاتب جبار منعم الحسني اختار لمقاماته موضوعات معاصرة تترجم المشهد العراقي السياسي والاجتماعي، وموضوعات اخرى جديرة بالطرح والتناول، معتمداً على نفس أسلوب المقامة في تسجيل كل شاردة وواردة باسلوب ساخر لاذع، واعتمد ايضاً على راو موثوق به،وقد عدّه شاهد عصر، لكي يعطي للمقامة صدقها وجديتها في زمن الكذب والخداع، فإنه يستهل كل مقامة بعبارة: (( حدثنا من نثق بمقالته )) كما أنها تحيلك إلى قواف منتظمة ونهايات مسجعة تحاكي نظم القريض الذي يتربع علامة فارقة تفرد بها أدبنا العربي الخالد دون سائر الاداب، وهذا السجع في كل مقامة وجزء من بنائها، ولكي نكتشف التنوع في تناول مجالات الحياة نورد عناوين المقامات ((المقامة الاستكبارية، المقامة التحري… احتلالية، المقامة العراقية، المقامة الارهابية، المقامة الاربعانية، المقامة الحسينية، المقامة الزرقاوية، المقامة الجعفرية، المقامة الجعفرية، المقامة الدستورية، المقامة الانتخابية، المقامة التوافقية، المقامة الكهر… مائية… المقامة الجوارية، المقامة التمونية، المقامة البحرينية، المقامة الحكومية، المقامة القذافية، المقامة الكردستانية، المقامة الكويتية، المقامة الشعبانية، المقامة الرمضانية، المقامة الداعشية)). إن مقامات الحسني للكاتب جبار منعم الحسني تفتح الافق من جديد، لإعادة هذا الجنس الادبي إلى مكانه الصحيح، ليساهم في عملية بناء الانسان من جديد، وانني على ثقة تامة بأن عودة المقامة إلى الساحة الادبية، ضرورة تفرضها المحنة الحالية للبلاد، ويجب ان تقوم بمهامها، ومن خلال مطالعتي لهذه المقامات فأنني أدعو إلى الاهتمام بهذا الفن واحيائه لانه سوف يساهم في مواجهة حالة الانحلال والفوضى التي عمت البلاد، ويساهم ايضاً في عملية تقويم الاعوجاج وملاحقة الظواهر المنبوذة ورفضها اينما وجدت.
























