الفلسفة وأدب الروايات – نصوص – آلاء الخيرو

الفلسفة وأدب الروايات  – نصوص –  آلاء الخيرو

لماذا لا يستطيع الروائي أن يكتب رواية فلسفية، في أكثر الأحيان ، وهذا ما بينه أكثر الروائيين انغماسا في الفلسفة. وهذا ماأكدته الفيلسوفة (أبرا مردوخ) المؤلفة لعدد من الروايات.وتحمل في كتاباتها مواضيع مثل الضمير والفضيلة ولها رأي يقول: أن الفلسفة والأدب نقيضان لايلتقيان ، فالفلسفة تتطلب تحليلاً فكرياً لحل المشاكل المتعلقة بالمفاهيم على نحو صريح ونزيه وغير أناني في حين أن الأدب يبحث في الخيال ليعبر عن الأشياء الغامضة والمهمة من حولنا . وتضيف مردوخ (أن أي ظهور لأفكار فلسفية في رواياتي هو أنعكاس غير مقصود فعلى سبيل المثال اذا عرفت شيئاً عن السفن ، وكوني روائية سأتعلمه عن الفلسفة ).

ويستذكر بعض الروائيين ممن يمتلكون خلفية فلسفية مشرقة شعورهم حينما اصطدموا للمرة الأولى بالرأي اللاذع والنقد القاسي لسماعهم وجهة نظري القاسية ، إذ تذكر (ربيكا نيوبركر) إحباطها وارتباكها عندما كتبت روايتها الأولى(THE MIND_BODY PROBLEM))، عام 1983. التي نشرتها بعد حصولها على شهادة الماجستير في الفلسفة من جامعة برنستون ، إذ تقول :”أن رأي مردوخ لا يبدو صائباً ،وكيف لها أن لا تكون صادقة حيال ميزة كهذه مهمة لفكرها وحياتها الفنية؟.” ومن جهة ثانية لايزال روائيون وفلاسفة أخرون أمثال(كولدشين وديفيد فوستير وكلانسي مارتن) يواجهون صراعاً من جراء العلاقة بين مردوخ وكولدشين ، إذ تبحث كلاهما عن إثارة أسئلة كبيرة لوصف الحقائق العميقة وتشكيل شئ ما منظم من عالم مشوش وغير منظم ، ولكن هل هما في منافسة -الخيال الفكـــــري بالضد من العقل المنطــــقي -أم همــــــا زميلتان تعالجان القضايا نفسها ولـــــكن من زوايا مختلـــــــفة. لطالما تنـــــــظر الفلسفة الى الأدب نظرة مشــــــــوبة بغموض مريب.

فقد كان (أفلاطون ) يدين بالعداء للأدب والفن متوجهاً من أمكانية الفن على تقديم الخداع والزيف بطريقة عاطفية منمقة وهذا سيربك البحث عما هو حقيقي وواقعي. أن وجهة نظر (أفلاطون) متطرفة جدا ، إذ أنه يعتزم أن يمنع الكتاب المسرحيين من أتباع نموذجه، ولكنه ليس مجنوناً ليقترح بأن لكل من الأدب والفلسفة أجندات متنافرة. وإذا ما قارنا الفلسفة والأدب ، فأن الأول يخاطب فئة معينة من القراء ويهتم أيضاً بالأمور العامة والمثالية ، في حين يخاطب الأدب قراء كثيرين وله خصوصييته ، وكذلك تضم الفلسفة الأوهـــــــام . يتصف أغلب الفلاسفة بالحذر من الجدل الجمالي الداخلي . وبلا شك فأن التعامل مع مثل هذه التناقضات ليس بهذه البساطة ، فأن (أفلاطون ) كان مناقضاً لنفسه وهو في الوقت ذاته أديب وفنان لامع فيما يكتب .

يكتب (نيتشه وشوبنهور وكير كيكارد) أعمالاً أدبية رائعة إضافة الى قدرتهم الفلسفية هنالك فلاسفة أمثال (جان بول وسارتر وجورج سانتايا) كتبوا روايات مهمة وهنالك أيضاً روائيون أمثال (ثوما سمان وروبرت موزل) برعوا في كتابة قصص ممزوجة بالخيال الفلسفي . ويذهب البعض من باب المزاح والدعابة ليس إلا وصف أن الأخوين وليم الروائي وهنري جيمس الفيلسوف ، بأن الأول روائي قبل أن يكون فيلسوف والثاني فيلسوف قبل أن يكون روائياً . ويضيفون ، إذا كان وليم قد عد روائياً فلأنه يكتب بشكل جيد وهذا أيضاً أمر مشكوك فيه ، في حين يقول جيري فورد أن هنري فيلسوفاً لأنه كان يكتب بشكل سئ وأيضاً هذا أمر مشكوك فيه. وأهتم ديفيد فوستر برسالته في الدكتوراه عن الفلسفة من جامعة هارفارد والتي طبعت في جامعة كولومبيا بعنوان (القدر والزمان واللغة). وقد أعرب فيها عن اعتقاده بأن القصة تمهد الطريق للمزج بين العاطفة والعمل الفلسفي، كما أنه أوضح في مقال، بعنوان (مراجعة القصة المعاصرة ) أن القصة لم تحظ بأي قبول فلسفي ومعنوي ، ومن جانبه صرح (وولس) عن روايته الفلسفية التي تحمل عنوان

 (THE BROOM THE OF SYSTEM)

التي دمج فيها أفكاره و(لودنك وتجنستين) بأنها سجلت فشلاً في هذا المجال، لكن ذلك لايعني أن أخرين لم ينجحوا في الكتابة الفلسفية وخاصة ديفيد ماركسون الذي كتب روايته الفريدة (سيدة ويتجنستين) وفيها يثنى على أستشارة الشعور الفريد والمعنوي والكئيب لأعماله وتجينستين المبكرة . ومن الأعمال المفضلة لدى وولس رواية (OMENSE HERS) التي كتبها البروفيسور وليم ج. كاس الحاصلة على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة واشنطون ، ففي مقابلة أجرتها معه مجلة (THE PARIS REDIEW) الأدبية أعترف بشعوره القوي في مقاومة التحليل القاسي لتعليمه الأكاديمي بقوله (أنا أكره هذا بطرق عدة ) ، رغم أنه في النهاية ثمن هذا العمل على أنه تمرين لتقوية ذهنية، مثل مردوخ التي زعمت بأن تأثير تعليمها الفلسفي على قصتها قد أهمل . يقول وولس :” بأستطاعتي أن أعالج القضايا ذات المضمون الفلسفي ، وأنا سعيد بكوني عارفاً كم هي معقدة ، وكم هي بعيدة عن متناول الكثيرين ،” وعلى العكس من مردوخ فأن كل من كأس وولس وربيكا نيوبير التي كانت آخر رواياتهم(36 مجادلة بشأن وجود الله )، التي تعالج أسئلة فلسفية بشكل صريح لايخلو من الخجل في رواياتها وغالباً ماتبرز الجدالات أوالحوارات ما بين شخصياتها الذين هم أنفسهم فلاسفة أوفيزيائيون أو مهتمون بعلم الحساب ، ومازالت تقول بأن جزءاً منها يتعاطف مع رغبة مردوخ في حفظ الموضوعية المفقودة للرواية وفي بحث الفيلسوف عن الحقيقة ، وتضيف :” أنها مصدر لتغذية الصراع الداخلي ، وأنا جئت من خلفية تحليلية صعبة للغاية مثل فلسفة العلم ومنطق الحساب وأنا لا أومن بالموضوعية المثالية “. بيد أنها بمرور السنين أصبحت مقنعة من ناحية معالجتها للمشاكل الفكرية القائمة على النقد وعلى المزاج بوصفه إدراكاً. فأن طمس الجدل الفلسفي بقصص غنية بالخيال الخصب للأنسان تنقل صورة رئيسية عن الحياة الفكرية إذ ترى أنها :”لا تستوعب المشاكل القائمة على الفهم فحسب، بل تشعر بالمشكلة نفسها”. وإذا لم تكن راغباً في الأعلان عن المشاكل الفلسفية في روايتك فسترى كيف أنك مراوغ حيالها قبل أن تفقد تأثيرها ، تتحدث الرواية الأولى لـ(كلانسي مارتن) التي تحمل عنوان (كيف تبيع(  التي نشرت عام 2009عن طالب ثانوية منقطع عن الدراسة يعمل شقيقه الأكبر في صياغة المجوهرات .وقد احتفى النقاد بهذه الرواية كثيراً من كل ثيماتها مثل الجنس والعقاقير إلا الجانب الفلسفي الذي تضمنته الرواية ، غير أن بروفسور الفلسفة في جامعة ميسوري في مدينة كانساس كان قد سبر أغوار الرواية ووجد في عمقها أشكالاً من الخداع وهذا مايعرفه أرسطو في أربعة أنواع من الكذب ونظرية( نيتشه ) في الخداع وهي أطروحة الدكتوراه لمارتن، لكن السؤال المهم يبقى قائماً: هل من الممكن لأي كاتب غير ملم بالفلسفة أن يكتب رواية فلسفية.