الباب المفتوح وحكومة الأبواب المغلقة
عبدالستار رمضان
في بلادنا يعيش الناس في عالم ويعيش المسؤولون في عالم آخر، ويكفي ان تسأل واحداً من عشرات الآلاف ممن يطلق عليهم الناس ويعرفهم بعنوان مسؤول سؤالاً بسيطاً ماذا تعرف عن سعر الصمون او قنينة الغاز او اسباب ارتفاع ايجار البيوت، والعشرات من الحاجات الصغيرة والبسيطة التي يستعملها كل انسان في حياته؟
لتعرف حقيقة هذا المسؤول الذي لا يحمل الاّ الاسم فقط، فهولا يعرف شيئأ عما يجري في بيته وبين اهله وشعبه، لأنه منذ اليوم الاول الذي يصل فيه الى المنصب او الكرسي يحاول قطع كل العلاقات والارتباطات مع يعرفهم او كانت لهم معهم وقائع وذكريات عن ايام النضال السلبي والايام الماضية .
المسؤول في بلادنا يتحول الى انسان جديد تماماً في كل شئ.. في شكله وصفاته وعلاقاته وهواياته وحتى بزوجاته ..واهتماماته وصداقاته التي يحاول ان يبتعد فيها عن كل يربطه بالماضي ، رغم ان ما وصل اليه اليوم يعود بشكل او آخر الى الماضي الذي غالباً ما يشوبه الغموض والضباب والسرية، ويصبح هم المسؤول ان يحيط نفسه او يحيطه اقل الناس علماً وفهماً حتى يجد تميزه وتفوقه الموهوم.
كما ينجذب اليه بارادته او ربما من غير ارادته الكثير من الاشخاص الانتهازيين والوصوليين الذين لا يهمهم هوية الشخص او المسؤول بقدر ماتهمهم المنافع والمزايا والسلطه التي تبدأ بالتحول والانتقال اليهم تدريجياً بعد ان يحكم المسؤول غلق كل الابواب التي تربطه بالآخرين.
وهكذا يصبح لقاء السيد المسؤول او الدخول على المدير الفلاني امنية او امتياز لا يحظى به الا القليلين الذين يتوجبب عليهم الانتظار طويلاً في غرف الاستعلامات والسكرتارية ،والتي كلما زادت كلما اوحت بأهمية وكثرة اشغال المسؤول المنهك بشؤون وشجون البلاد والعباد ، والذي قد لا تنجح المراجعة الاولى والثانية و..وربما العاشرة والتي قد لا يتمكن المواطن العادي خلالها من لقاء المسؤول بحجة انشغالاته وكثرة اجتماعاته ومواعيده التي لا تخلص ولا تنتهي.
رغم ان الموضوع اوالمشكلة التي تشغل هم المواطن او طالب المقابلة واللقاء مع المسؤول ربما تكون بسيطة لا تحتاج الّا لـتأشير بسيط او توقيع من السيد المسؤول الفلاني ..لكن المراجع أو صاحب المعاملة قد يضطر للانتظار أياماً وشهوراً ليتمكن من مقابلة المسؤول وشرح معاناته، وهذا بخلاف ما يفرضه العقل والمنطق وما يقرره القانون بان اي مسؤول او مدير انما هواولاً خادم يخدم مصالح وشؤون الناس ، وهو مسؤول فعلا عن اي تلكؤ او تاخير يحصل للمواطنين وهم في دائرته او ضمن صلاحياته ومسؤولياته.
ان ما نجده لدى العديد من الوزارات والدوائر من تخصيص بعض المسؤولين ليوم واحد في الأسبوع يقابلون فيه المواطنين او منتسبي الوزارة او الدائرة التي يعملون بها، الى جانب تخصيص صناديق وارقام هواتف عديدة لكي يقدم المواطنون شكاواهم او ملاحظاتهم عن تلك الدوائر والمؤسسات، هي صورة ايجابية وجيدة لخلق علاقة تواصل بين المواطن والمسؤول، لانها تمثل ما يعرف بسياسة الباب المفتوح الذي يطل من خلاله المسؤول على معاناة الناس وهمومهم كما يبين له مواضع التقصير والاهمال في دائرته.
ولكن السؤال المطروح اليوم ترى هل حقاً يتابع المسؤولون شكاوى وهموم المواطنين؟ وهل سمعتم او يمكنكم ان تعلمونا عن مسؤول او موظف بدرجه عالية او خاصة تمت اقالته او طرده من الوظيفة بناءاً على تلك الشكاوى؟
اننا نريد من كافة المسؤولين أن يعيدوا النظر في علاقتهم مع المواطنين وان لا تكون علاقتهم فقط قبل مواسم الانتخابات او الترشيحات للمناصب والمواقع الحزبية والحكومية، كما نتمنى ان تقل حلقات الروتين وعدد التواقيع المطلوبة على كل معاملة مهما كانت سهلة او بسيطة، فالمراجع والمواطن البسيط عليه ان يتحول الى ما يشبه المتسول على ابواب الموظفين والمسؤولين من اجل هذا التوقيع او تلك الاشارة على معاملته المسكينة
ان شكاوى المواطنين كثيرة وهو ما يفسر انتشار الواسطات والبحث عن المعارف والاقارب في كل دائرة او مؤسسة يراجعها حتى تحولت الكثير من دوائرنا مع الاسف الى دوائر علاقات عائلية بامتياز نظراً للمحسوبية والعلاقات التي تجمع بين افراد الدائرة الواحدة المغلقة على اسماء وعائلات معينة ترتبط بهذا او ذاك المسؤول.
وهنا لا بد لنا من تسجيل مفارقة غريبة وهي انه في زمن النظام السابق كانت الحكومة قد كممت واغلقت افواه الناس الذين كان محرما عليهم الكلام ويصعب عليهم التصريح بما في نفوسهم حتى لأقرب الناس وفرضت عليهم ما يسمح لهم بسماعه ورؤيته وقرائته لان الحكومة كانت تراقب وترى وتحاسب الجميع، اما اليوم فقد وصلنا الى حال الديمقراطية العراقية التي سمحت لنا بأن نرى ونسمع ونتكلم بما نريد ولكن مع الأسف الحكومة لا ترى ولا تسمع ولا تهتم باي شئ مما يقال لانها حكومة الابواب والعقول المغلقة .
القاضي»نائب المدعي العام
/8/2012 Issue 4268 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4268 التاريخ 4»8»2012
AZP07


















