فرويد .. في عيادة الحاج مهاوي

 

 

فرويد .. في عيادة الحاج مهاوي

عبد الحسن علي الغرابي

ر منجز للكاتب حسن العاني روايته الموسومة عيادة الحاج مهاوي  الصادرة عن دار نشر ( سلسلة نخيل عراقي ) طبعة انيقة بحجم متوسط احتوت على 238  صفحة وعلى عتبة الرواية لوحة فنية من يتأملها ترمز بشكل واضح الى ما ترمي اليه الرواية التي تبوبت بخمسة فصول اراد لها المؤلف أن يأخذ القارىء ويقف به على تجارب وأمكنة وشخصيات وضروب من الكتابة قلّ من عُني بها ، لقد اراد لها ان تعالج قضايا إنسانية واجتماعية في وسط الريف ، وللقرى اعراف وتقاليد تختلف في البعض منها عن الحياة المدنية في العاصمة بغداد التي ولد بطل الرواية وترعرع وأكمل دراسته فيها بتفوق متميز لم يشفع له في التعيين داخل حدود العاصمة ، ويغبن حقه ، ويحظى من حظى بالواسطة والمحسوبية ، وهذا ديدن الجهاز الإداري لا ينصف المتميزين أحياناً. صدر الأمر الإداري بتعيين الراوي في احدى القرى النائية في لواء الكوت ، قرية الشيخ عيدان التي كانت مسرح كل فصول الرواية الجنسية في عيادة الحاج مهاوي الذي استضاف شاباً بعمر 21 سنه في منزل احدى زوجاته ، فضيلة ، وهي في التاسعة والأربعين من العمر وأبنتها زكيه التي يدللونها بأسم (زكو ) ارملة في مقتبل العمر ، منزل السيدة التي هي واحدة من زوجات الحاج مهاوي رحبت بفكرة ان يكون هذا الشاب الذي يلقبونه بالدكتور جزافاً ، وهو موظف صحي وجد مأوى ولبى رغبة الحاج مهاوي بتأسيس عيادة تستقبل بعض الحالات المرضية بالإضافة الى الدوام الرسمي المعتاد في المركز الصحي المنسب إليه كموظف تحت اشراف طبيب في مركز الناحية التي لا تبعد كثيرا عن مكان سكنه في القرية ، وبعد أن انتظمت الحياة باستقرار وتعايش  وانسجام بأداء عمل انساني مهم ، وبمثابرة  نال استحسان الحاج مهاوي ، وعرب الشيخ عيدان ، وما نال رضاه ايضاً، سكن ، ماء ، طعام ، فانوس ، ادوية ومستلزمات العلاج ،و الاسعافات الاولية ، ومعينتا خدمة كلها توفرت بالمجان لتؤمن له حياة مستقرة هادئة لإدارة العيادة ، إلا ان اهم ما يشكل مضمون ومفاصل الرواية الجنس وممارسة الحب على فراش وثير لا يعرف معنى التقديس ، وفي هذا البيت الطيني الذي يحتوي على غرفتين متجاورتين افرزالحاج مهاوي واحدة للنوم والاخرى كعيادة تستقبل المرضى ، وبقدر حاجة الانسان للطعام هناك نداءات للجسد لها قدر كبير من الاهمية في تلبية الدافع الجنسي ، وبتوافق وتواؤم نفسي يبدأ التشابك  تحت غطاء الود والكتمان ، وبتلصص  بين زكو وماما فضيلة اللتين ابتسم لهما الحظ بما لم يكن في الحسبان شاب في مقتبل العمر، جميل متعلم ما كان عليه إلا ان يستجيب لما ينعش ويروي العطش الجنسي ، بحب ولهفة الأرض المتصحرة للماء ، ونحيب دموع ماما فضيلة بعد كل مضاجعة وارتواء لما اصابها من جفاف وحرمان، هنا تنفتح نافذة يدخل منها ( سيجموند فرويد ) مؤسس مدرسة التحليل النفسي ليقول : الجنس اصل الشرور .  ص 160 ” ــ عرفت ونحن نحتسي الشاي بأن بيت  ( مغامس ) قتلوا ( جدوع ) ـ شاب لم يتخط الثالثة والعشرين من العمر ، وكما فهمت لأنه ( تحرش ) بابنة مغامس وهي في المزرعة …

اعراف قرية

 فأسرة جدوع لا يحق لها المطالبة بأي شيء  ( اعراف القرية اقوى من قوانين المدن ) ” مثل هذه الأحداث كانت تخلق قلق وهواجس الراوي وهو كديك بين دجاجتين يخشى ان يكون الجنس اصل الشرورفي مجتمع الريف المحافظ ، الذي يعد الجنس مقياس الشرف ويخضع لأعراف القرية الصارمة ، أن هذا السرد المتميز بالوصف الدقيق للإرهاصات الجنسية توحي بأيمان الراوي بما آمن به ” فرويد ” بأن الحياة تدور حول التوتر واللذة ، وان التوتر الذي يعاني منه الإنسان خلال مراحل حياته سببه الطاقة الجنسية ، وان الشعور باللذة ينتج عن تفريغ هذه الطاقة ” للديك قدرة على القفز والطيران وتجاوز الجدران وبحكم المهنة يحل على زوجة الشيخ جاسم (صبحه ) التي تحتاج الى علاج دمامل في ساقيها وفخذيها مما تتيح للديك الوصول الى مكمن الاثارة وتتعلق السيدة زوج الشيخ المسن ،وهي من اكدت عجزه الجنسي في حديث مع البطل بعد أن تبلغ ذروة الجماع  معه  وتسعد بزيارات العلاج لتروي غليلها هي الاخرى ، اصابها العطش كحال الخالة فضيلة ، ـ في ص 82  ان ظاهرة تعدد الزوجات في عموم القرى العراقية ، وتفاوت الأعمار الكبير بين الرجال والنساء تعود الى سببين الاول هو القدرات الجنسية الهائلة بحكم طبيعة اعمالهم التي تقترب من (الرياضة ) غير المقصودة ، مع طبيعة أطعمتهم الصحية على بساطتها ، هنا غير الراحة النفسية والفكرية ، والهواء الذي لم تلوثه حضارة المدن . تقاليد قرية

الكاتب عرض سبب العلل الاجتماعية الملازمة لتقاليد القرية ، وتنمط الجميع على هذه الاعراف والتقاليد ، من دون ان تخضع لقانون ينظم الحياة ويحد من التفاوت الكبير بين اعمار الذكور والإناث ، لذا اتسع فضاء السرد للدافع الجنسي وما له من أهمية في حياة الانسان بصور ومشاهد اتقن الكاتب في عرضها بحبكة وخيال خصب يمتزج مع الواقع، ويشد القارىء بلغة حكائية ممتعة ، وبقدرة متمكن وفق في بناء جنس ادبي كان اشد اغراء وأكثر امتلاء في سعيه وراء ألاثارات الجنسيه فكان أكثر عمقاً واشد هوساً بالمهيجات الذهنية والجسدية ، وللأسف وبعد الغرام والإقتران بالشيخه (وضحة ) نفجع بنهاية محزنة مؤلمة باغتيال البطل الدكتور آدم وانتحار فضيلة ، ثمة ما يوجب الانتباه أخيراً ، فالقارىء ، الذي يدخل عيادة مهاوي لا يخرج خالي الوفاض لابد أن تستوقفه العديد من الدلالات ، في مقدمتها ( الظاهر والخفي ) وقد تلمسنا صورتها في إشكالية الفارق غير المقبول في العمر بين الزوجين وإنعكاسه على ( الفراش ) كما سبقت الإشارة ، حيث كان الجنس ـ وهو الظاهر ـ مجرد وسيلة للوصول الى (الخف ) متمثلاً بإدانة تلك الفوارق .. وفي مقدمة الدلالات كذلك ، الإشكالية الرمزية في اسم البطل ( آدم ) الذي لا نتعرف عليه إلا في آخر سطر من الرواية ، وهو لم يأتِ مصادفة كونه مرتبطاً باسم أبي البشرية آدم .. ما يعنينا هنا ، هي لعبة (الظاهر والخفي ) وحكاية آدم لا تبتعد من حكاية الفوارق ، إلا انها تتمتع برمزية أكثر إتقاناً مع شيء من ارباك القارىء ، الذي ربما لم ينتبه الى المضمر ، فالجانب الخفي في عيادة مهاوي يقول لنا : مغامرات آدم الجنسية كانت مؤطرة بثلاث نساء فقط ، وبمنتهى الكتمان والسرية ، يقابل ذلك جانب ايجابي في سيرة آدم ، فقد اشاع بين سكان القرية ثقافة أخلاقية وصحية كان لها بالغ الاثر على حياتهم .

مشاركة