يوميات الملتقى الدولي الخامس عشر للرواية في الجزائر
إبن هدوقة يتصدّر كتّاب الرواية العربية
انعقد في دار الثقافة محمد بو ضياف في مدينة (برج بوعريريج) الملتقى الخامس عشر للرواية الجزائريّة: عبد الحميد بن هدوقة للمدة من 8 إلى 10 تشرين الثاني 2016 بحضور عدد من الوفود الآتية من العراق، والمغرب، وتونس، ولبنان، وفرنسا ، و أسبانيا ، فضلا عن وفود الجامعات الجزائريّة، وقد افتتح الملتقى بحضور وزير الثقافة الشاعر عزالدين ميهوبي بمشاركة والي ولاية برج بو عريريج عبد السميع سعيدون، وجمع من العاملين في ثقافة الولاية ،وأدبائها و فنّانيها ،وبدعم مادي من مؤسسة كندور الجزائريّة.
وعبد الحميد بن هدوقة -رحمه الله-الذي انعقد الملتقى تكريما لمسيرته الحافلة بالإبداع علمٌ من أعلام الثقافة، والفكر، والأدب، والترجمة في الجزائر، وُلد في العام 1925 بقرية الحمراء بولاية برج بوعريريج في عائلة فلاحيّة عُرفت بحبها للعلم والمعرفة، كان قد تلقّى مبادئ القراءة والكتابة على يد والده الذي أخذ العلم في جامعة القرويين في فاس المغربيّة.
التحق بن هدوقة في جامع الزيتونة في تونس سنة 1949 فكانت دراسته إضافة معرفيّة كبيرة تكلّلت بحصوله على الشهادة العالميّة في الأدب، وقد توازت مع سعي أخر كان بن هدوقة توّاقا إلى اكتسابه أعني: التحاقه في معهد فنون الدراما الذي درس فيه أربع سنوات توّجت بحصوله على شهادة فنون الدراما التونسيّة.
صدرت لابن هدوقة في العام 1971 أوّل رواية جزائريّة مكتوبة بالعربيّة هي (ريح الجنوب) التي ترجمت إلى الفرنسيّة ،وعشرين لغة حيّة أخرى، وبهذا الإصدار عُدّ بن هدوقة الرائد الفنيّ للرواية الجزائريّة بلسانها العربي الدقيق، وكان هدفه من كتابتها تمثيل المجتمع الجزائري في حاضره، ومستقبله فنجح في ذلك معتمدا على ثقافته ، واستعداده الخاص لأن يخوض تجربة جديدة في الإبداع، ثمّ أسهم في كتابة عدد كبير من التمثيليّات الإذاعيّة ، والمقالات المختلفة، والقصص القصيرة ،والكتب المختلفة، والشعر، والروايات، والترجمات ليؤسّس عبد الحميد بعد تحرير الجزائر الفرقة الفنيّة التابعة للإذاعة والتلفزيون، فضلا عن عضويته في اتحاد الكتّاب الجزائريين، حتى صار رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة في الجزائر، وقد توفاه الله تعالى في العام 1969.
براهن الابداع
انطلق الملتقى في فعّالياته ومداخلاته مقتفيا إشكاليّة تتعلق براهن الإبداع الروائي وآفاقه في الجزائر ليكون فرصة للّقاء بين مختلف الأجيال، والتجارب بين الروائيين أنفسهم ،وبين النقاد أيضا، وهم يناقشون جملة من الظواهر لعلّ من أهمها: ظاهرة التجديد الدائم ،والتطوّر المتنامي للنوع الروائي الناهض في الجزائر الذي انفتحت بنيته الحكائيّة على مختلف الفنون، والأجناس الأدبيّة ليشكّل توليفة إبداعيّة نامية هي الرواية الجديدة التي خلخلت الكثير من المفاهيم، والتصوّرات النقديّة فصار لزاما الوقوف عندها، وقراءة متنها، فضلا عن أنّ الملتقى وقف أمام سؤالات جديدة مؤداها: هل النقد أمام أنواع إبداعيّة وتنويعات، وتلوينات روائيّة جديدة؟ وهل تسلم الرواية من الهجنة وهي تستقبل عناصر جديدة في نصّها؟ وهل التداخل فيها أضحى تقليدا عصريّا مسوّغا للانفلات من المعايير والضوابط؟ بهذه السؤالات المشروعة وبغيرها دخل الملتقى متن الحوار، وتفاصيله فكان فرصة لتبادل الرأي والوقوف عند الخلل وآفاق التغيير، وقد اشتمل على أربعة محاور وورش نقديّة هي:
المحور الأول / جماليات الرواية الجزائرية: دراسات في أعمال الرواد وتجارب
جيل الشباب وتضمن الدراسات الآتية:
1- عنف المتخيّل في الرواية الجزائريّة للدكتورة والروائية منى بشلم من جامعة قسنطينة الثالثة.
2- الروائي الجزائري علي بو مهدي والذاكرة الجماعية لسكان البرواقيّة للأستاذ الطيب ولد العروسي من فرنسا.
3- تجلّيات الشعري في السردي رواية أحمد أبو سليم (الحاسّة صفر) مثالا للدكتورة بشرى البستاني من العراق مقيمة في الأردن.
4- السرد الذاتي وشعريّة اللغة في رواية (تواشيح الأرض) للأستاذ الدكتور سمير الخليل من الجامعة المستنصرية: العراق.
5- أسئلة المثقف ورهانات المواطنة في روايات مرزاق بقطاش – بحث في الثقافة والهوية والتاريخ للدكتورة أحلام بن الشيخ جامعة ورقلة.
6- استراتيجية التجريب في روايات عز الدين جلاوجي للدكتورة طانية حطاب من جامعة مستغانمي.
7- جمالية التفاصيل في رواية (حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر) لعز الدين جلاوجي للدكتور عبد الحميد هيمة من جامعة ورقلة.
8- البنية الزمنيّة في رواية (قبل البدء حتى) لمحمد بو رحلة للدكتور صادق خشاب من جامعة المدية.
9- البعد العجائبي في رواية (الغيث) لمحمد ساري للدكتورة حكيمة بو قرومة من جامعة المسيلة.
10- فوضى الخطاب في رواية شموس الغجر لحيدر حيدر المنطق والدلالة للدكتورة بديعة الطاهري من المغرب.
المحور الثاني/ أهم تجليات الانفتاح على الفنون الأخرى: الشعر، والسينما، والمسرح، والرسم في تجارب ،وتضمن الدراسات الآتية:
1- رواية (أهداب الخشية) لمنى بشلم من المحاكاة الافتراضيّة إلى التداخل الأنواعي للدكتور فاضل التميمي من جامعة ديالى: العراق.
2- السرد في رواية مملكة الزيوان للصديق حاج أحمد للدكتور علاوة كوسة من جامعة ميلة.
3- تمثلات انفتاح الرواية على الفنون الأخرى قراءة في روايات واسيني الأعرج للدكتورة إيمان هنشيري من جامعة عنابة.
4- التفاعل الثقافي للفنون وتحاورها في رواية بلقيس – بكائيّة آخر الليل – لعلاوي كوسة للدكتورة نسيمة كريبع من جامعة ميلة.
المحور الثالث/ الحركة النقديّة الأدبيّة أي دور وأي أثر؟ وتضمن الدراسات الآتية:
1- واقع الرواية والروائيين الجزائريين في الكتابات الأجنبيّة (الاسبانية أنموذجا) أ. مراد قاسمي من أسبانيا.
2- الهجرة العثمانيّة وآثارها على الخصوصيّات التشيليّة للدكتورة مارتا استر من اشيلي.
3- أدب الجزائر والفلبين في سياق الهندسة الثقافية الكولونيالية للدكتور إسحاق دونوسو من اسبانيا.
المحور الرابع : الرواية الجزائرية في علاقتها مع الآخر وتضمن الدراسات الاتية:
1- أزمة الهوية في الرواية الجزائريّة وجماليّاتها الفنيّة للدكتورة فتحية شفيري من جامعة بو مرداس.
2- مساءلة حركة الخطاب النقدي ضمن اتجاهين: الأهميّة والأثر للدكتور صالح هويدي عراقي مقيم في الشارقة.
3- نقد الرواية في الاكاديمية العربية للدكتور مصطفى الضبع من مصر.
4- الممارسة النقديّة في الرواية الجزائريّة بين الذاتيّة والموضوعيّة قراءة في نماذج فنيّة للدكتور إبراهيم عبد النور من جامعة بشار.
5- نقد الرواية العربية بين الامتهان والإبداع قراءة في دراسات نقديّة للدكتورة مها خير بك من لبنان.
وقد شهد الملتقى انعقاد الورشات النقديّة الآتية:
أ- ورشة المحور الأول (جماليّات الرواية الجزائريّة) وقد تضمّن الدراسات الآتية:
1- جماليّات التداخل النصيّ في رواية غدا يوم جديد لعبد الحميد بن هدوقة آليات الاستدعاء وفنيات الحضور للأستاذة سماح بن خروف من جامعة برج بو عريريج.
2- صناعة الخطاب الروائي في الأدب الجزائري الحديث (وطن من زجاج) ليسمينة صالح أنموذجا للدكتور عبد الستار الجامعي من تونس.
3-جماليات تماهي المرأة مع تيمتي الأرض والحرية في روايات الرواد عبد الحميد بن هدوقة وكاتب ياسين أنموذجا للأستاذة فريدة بعيرة من جامعة باتنة الاولى.
4-بلاغة التفاصيل في رواية (في الجبة لا أحد) لزهرة ديك للدكتورة نجلاء نجاحي من جامعة ورقلة.
5-ملامح التمرّد في الرواية النسائيّة الجزائرية رواية (الممنوعات) لمليكة مقدم أنموذجا للأستاذة سعاد ارفيس من جامعة المسيلة.
6-جماليات الزمن في رواية (فوضى الأشياء) للروائي رشيد بو جدرة للدكتور أحمد حفيدي من جامعة تمنراست.
ب- ورشة المحور الثاني (أهم تجلّيات الانفتاح على الفنون) وقد تضمّن الدراسات الآتية:
1- المتغير اللوني تجدّد روح الإبداع قراءة في رواية أنثى السراب لواسيني الاعرج للأستاذة إيمان توهامي من جامعة بسكرة.
2- انفتاح النص المسرحي على السرد الروائي (مسرديات عز الدين جلاوجي أنموذجا) للأستاذة زبيدة بوغواص من جامعة قسنطينة.
3- تجلّيات حضور القارئ في رواية (سرادق الحلم والفجيعة) لعز الدين جلاوجي للأستاذ محمد بن بابا علي من جامعة المدية.
ت – ورشة المحور الثالث (الحركة النقديّة الأدبيّة أيّ دور وأيّ أثر) وقد تضمن الدراسات الآتية:
1-النقد الروائي في الجزائر بين خصوصيّة وغرابة المنهج قراءة في ظل مقولة المطابقة والاختلاف للدكتورة وسواس نجاة من جامعة سيدي بلعباس.
2-الحركة النقديّة من السياقية إلى النسقية للأستاذة نورة تواتي من جامعة بوعريريج.
3-التنظير النقدي للعمل الروائي عند عبد الملك مرتاض الجزائري للأستاذ عميرات أسامة من جامعة باتنة.
4-مأزق الحركة النقديّة الأدبيّة العربيّة إشكاليّة التجريب الروائي نموذجا للأستاذ محمد كاديك من جامعة الجزائر2.
لقد كانت ألدراسات النقديّة التي قُدّمت في الملتقى تتساوق والنهضة الروائيّة الجديدة التي شهدتها الجزائر ممثّلة بميلاد عدد كبير من الروائيين الذين يحملون همّ الفن الروائي والإخلاص للأرض التي أنجبت الانسان هناك، ودفعت الفن الروائي لأن يقول كلمته في الإشكالات التي مرّ بها المجتمع الجزائري في مرحلتي حرب التحرير، والاستقلال وما بعده؛ ولهذا تعدّدت زوايا نظر الإنتاج الأدبي الثقافي في المرحلتين لتتماس وحاجة المجتمع إلى التمثيل الدقيق للواقع بعيدا عن التهويم المتعالي على الذات والمجتمع نفسه. لقد التفتت الرواية الجزائرية اليوم إلى التاريخ، والى الحاضر، والى مجمل حاجات المجتمع؛ ولهذا كان النقد كاشفا لأساليب بنائها، وتشكيل التقانات الفنيّة فيها تلك التي يتعامل بها النقد الحديث بوصفها جزءا من ثقافة الروائي والناقد معا، وراحت الرواية بوعي دقيق من مبدعها تتعامل مع الإنسان الجزائري كونه غاية الفن ورأس ماله الذي لا ينضب، من هنا قرأ الملتقى الرواية الجزائريّة من زوايا العنف ،والذاكرة، والشعريّة، والتجريب، والخطاب، والجماليّات، والزمن، والمكان، والعجائبي، والتداخل الأنواعي وجماليّاته، والانفتاح النصي، والتفاعل الثقافي، وواقع النقد الروائي، وصناعة الخطاب و حركيّته ، وبلاغة التفاصيل الروائيّة، والقارئ في الرواية.
أقيمت على هامش الملتقى فعّاليات مهمّة له من أبرزها:
1- إقامة معرض لنتاجات المسهمين في الملتقى عُرضت فيه مؤلفاتهم، وكان لنا أن عرضنا أيضا أعدادا من مجلتي (الأقلام)، و(المورد) التي حظيت بإعجاب الحاضرين من الملتقين، وأصدقائهم الذي كانوا في يوم من الأيام قرّاء للمجلتين المذكورتين.
2- توزيع جوائز مسابقة الكتابة الروائيّة التي كان قد أعلن عنها قبل انعقاد الملتقى بشهور.
3- زيارة القلعة التاريخية في مدينة برج أبو عريريج.
4- تكريم الروائية هجيرة قويدري لجهودها الأدبية والثقافية. لقد كان الملتقى ناجحا بكلّ مقاييس النجاح ،وإذا كانت الجامعات بمؤتمراتها، وأساتذتها، وباحثيها ،ومستلزماتها أيضا، فإن الملتقيات التي تعقد بعيدا عن إطاراتها وإن كانت لا تستغني عن أساتذتها وباحثيها تكون بالتأكيد موازية لها في ما تهدف وتريد ،لقد مضى زمن الجامعة التي تكتفي بالـ(المحاضرة) فحسب دون أن تعير وزنا للنشاطات الأخرى التي تمنح المؤسّسة الجامعيّة وزنا ثقافيّا ،وبعدا بحثيّا ، وعلامة فارقة موازية لتأريخ ميلادها سواء بنشاطاتها هي أم بالمشاركة مع المؤسسات الثقافية الأخرى ،وهذا ما وجدناه في الملتقى الذي أقامته مديرية الثقافة في ولاية برج أبو عريريج ولكن روح الملتقى وجماله كانت بيد أساتذة من مختلف الجامعات هناك، وهذا سبب من أسباب نجاحه. وعلى الرغم من قلّة إمكانات مديرية الثقافة، وقلة عدد العاملين فيها قياسا بالمؤسسات الأخرى إلا أنها أي مديريّة الثقافة استطاعت أن تلمّ جهودها الإدارية ، والثقافية، والبشريّة ،وأن تصهرها في بودقة الملتقى ليصير منظومة عمل ثقافيّ مميّز يشير إلى تلك المؤسّسة التي فرضت وجودها البهي على الباحثين الذين لبوّا نداء الملتقى على الرغم من بعد المسافات ،وطول السفر فقد أبوا إلا أن يشاركوا في هذه التظاهرة الثقافيّة انتصارا للرواية وهي تعيش تحولاتها في الشكل والمحتوى. لقد سرني ما رأيت، لاسيّما مرأى أجيال الباحثين الذي يشير إلى حضور الأستاذ، وتلميذه الذي صار أكاديميّا يترسم خطى شيخه، ولي أن أقول في هذه المناسبة :إنّ المؤسسات الثقافيّة، والجامعات لا تبنى بالأوامر الإداريّة، ولا بالمركزيّات الخانقة، ولا بمظاهر الكذب المنافق التي تتوسل بآليات التحسين ،والتجميل الزائف، وإنّما بالعمل المثر الجاد، ونكران الذات، والتعالي على الصغائر، والايمان المطلق بالوصول إلى الأهداف، لقد سألني أحّد زملائي عن الملتقى فقلت بصريح العبارة :كان المؤتمر ناجحا بكل معاني النجاح ذلك لأنّ:
1- الملتقى لم يتبنّ أسلوب الخطاب الدعائي، ومظاهر الإعلام الخادع .
2- العاملون في الملتقى آثروا على أنفسهم أن يكونوا يدا واحدة فاعلة في كلّ شيء ، ومجرّدة من حدود التزلّف ،والاتّكاليّة، وقد تميّز فيهم بشكل واضح كلّ من: د. سعيد بوطاجين رئيس الملتقى الذي ينتسب إلى جامعة مستغانم ، و د. قدور رحماني من جامعة المسيلة، والسيد ميلود بلحنيش مدير الثقافة في البرج ، والأستاذ محمد بو كرّاس من جامعة المدية ، ود. وحيد بن بو عزيز من جامعة الجزائر الثانية.
3- انعقاد جلسات الملتقى في قاعات مهيّأة سلفا مع إدامة متواصلة للاحتياجات.
4- بساطة القائمين على المؤتمر بدءا من وزير الثقافة، والوالي حتى الموظف البسيط.
5- استجابة الباحثين لروح المشاركة الفعليّة خدمة لرسالة العلم، والبحث الأكاديمي والثقافي. وقد ختم الملتقى بتوصيات مهمّة رأت أنّ الرواية نوعٌ أدبيٌّ يشكل اليوم متنا جادّا يسهم في صناعة حياة جديدة من خلال جملة التمثيلات التي تعنى بالماضي، والحاضر والمستقبل؛ ولهذا رأى الملتقى ضرورة عناية المؤسّسات الحكوميّة، والجامعيّة، بالرواية التي تعد الآن ديوان العرب الجديد.



















