يا ملحَ أرغفة الوجوه – شعر: وجيه عباس

يا ملحَ أرغفة الوجوه – شعر: وجيه عباس

تقويم: حسن العلوي

وإلى متى الأيّامُ….والأيّامُ

أيقظتَ ليلَكَ، والجميعُ نيامُ

عمَّن أراكَ مُسائِلاً؟ أرأيتَ ثمَّ

غُيابةٍ في مقلتيك تُقامُ؟

دعْ “يوسفَ الصدّيق” يبحثُ عن غدٍ

ستقيمُ دولتَهُ بها الأحلامُ

الحزنُ في “يعقوبَ” كان نبوَّةً

وكتابُهُ في مقلتيهِ إمامُ

الحزنُ مادون الخيام مؤذِّنٌ

وصلاةُ مابعد الخيامِ…خيامُ

ولنا بلادٌ في البلادةِ أيها

المحزونُ والمتعبِّدُ الصوّامُ

{ { {

اللهُ ياوطن الغياب، تساقطتْ

أسماؤنا، والعدُّ، والأرقامُ

كان الغيابُ كتابَ عمرِكَ كلِّهِ

فمحوتنا، وكَأنَّنا أوهامُ

وأراك مملكةَ الرمالِ فان مشتْ

قدماكَ، تسقطُنا ونحن قيامُ

الماءُ نسبتُنا، ورملُكَ عاطشٌ

يا أين يسعى البحرُ وهو مُضامُ؟

يا أين هذا التِيهُ في سينائهِ؟

الأربعون ضلالةٌ وأوامُ

كلُّ الجهاتِ تشابهتْ، فمشارقٌ

ومغاربٌ، لكننا أيتامُ

وعصاك تجلدُنا، ونكظمُ، أيُّها

الجلاّدُ والمتجبِّرُ الشتّامُ

ولفرطَ ما أوجعتَ كلَّ جلودِنا

كانت فدى نعليك حين تُلامُ

قف أيها الوطنُ المُباحُ دماً بنا

الكأس كأسُكَ، والدماءُ مُدامُ

بقياكَ قارعةٌ وصوتُكَ محشرٌ

وصداك لا التأريخُ والأعوامُ

ويداك تحصدُ بالكؤوس غِلالةً

وهناك مملكةُ الرؤوس تُقامُ

وبنوكَ نقدُكَ إذْ تكونُ خسارةً

والربحُ للغرباء فيك وِسامُ

وبأنَّنا اللاشيءَ دونَكَ ذِلَّةً

وعلى عواتقنا بهنَّ لِجامُ

المتخمونَ وكلُّ حزبٍ قانعٍ

أنَّ القناعةَ  في يديك خصامُ

وبأنَّ عدلَكَ أن تكون كما ترى

لا ما تكون عدالةٌ ونظامُ

وبأنْ تُعاتَبَ في الحقوقِ خيانةٌ

وإذا ظلمتَ، فواجبٌ ولزامُ

هل غيرُ كأسِكَ من تبيحُ دماءنا؟

أو غيرُ كفِّكَ من تطيعُ الجامُ؟

{ { {

يهنيكَ ما اعتزلت يداك نفوسَهم

وبرءت مما تورثُ الأصنامُ

وعلوتَ فيما انحطَّ من أقدارِها

جثث تطولُ وحسبُها الأجسامُ

ما ضرَّ عزلتَكَ الغريبةَ إنَّها

مما أُحيطَ بوجهها تنضامُ

أو أّنها كالظلِّ يقبضُ خطوَهُ

ووراؤُهُ لا يستطيلُ أمامُ

هي ما وجدتَ، ولستَ تُعدمُ عارفاً

خبرَ اليقينَ كأنَّهُ علاّمُ

ويداك أورثتاك كوناً لم تزلْ

فيهِ تنقَّلُ جمرةٌ وضِرامُ

أو راح يسألُ عنكَ عُميَ عيونِها

وضميرُ ما يخفى هناك ذَمامُ

ما أنكروك وإنَّما بك أنكروا

مرقى يديكَ ودونكَ الإكرامُ

ياملحَ أرغفةِ الوجوهِ طلاقةً

مَسُخَ الطعامُ، فما هناك طعامُ

حتى الذين بلوتهم، ووجدتهم

غابوا، كأنْ  لَفَظَتْهُمُ الأقدامُ

خلدوا إلى الأرض اليبابِ كأنَّما

سجدَ الترابُ على الوجوهِ، فناموا

لكنَّما قدرُ الحليمِ كنايةً

أن تصطفيه بلونها الأحلامُ

{ { {

ماذا تريدُ الناسُ منكَ وحسبُهم

أنَّ الذي يبغونه لَحُطامُ

ما أنت والتربُ المهينُ بصائِرٍ

وغدا قيامتُه عليك تُقامُ

ما كان ملكُ الريِّ دونكَ مغنماً

ودمُ “الحسينِ” على السيوفِ حرامُ

أنا بعضُ ماتركتْ خطاهُ على الثرى

وكأنَّما تسعى به الأقلامُ

وأكادُ أبصرُ أيَّ كونٍ باذخٍ

كانت يداهُ، وظلُّهُ، والهامُ

ما بيننا حتى الترابُ وشيجةٌ

والطينُ والأصلابُ والأرحامُ

لتشدَّني فيه إليه ترائبٌ

بعضُ التراب رضاعةٌ وفطامُ

نسبٌ أكادُ أجسُّ بعض نجومِهِ

ويميل تيهاً ضوعُهُ البسّامُ

فعلام تسكنُكَ الغرابةُ موطناً

الحزنُ كأن أباهُ وهو غلامُ

كان الوجودَ، وكنت بين أكفِّهِ

قلقٌ يُضامُ وغربةٌ تنضامُ

هم بايعوهُ خليفةً وتبرَّأوا

وكأنَّ بيعتَهم لهُ إحرامُ

وعدوا عليه يدركون بثارِهم

مالم يُنزِّلُ دونه الإسلامُ

يستكثرون عليه خبزَ عيالِهِ

حسداً به، وكأنَّهم حُكّامُ

{ { {

دون التراب مهيلُ خطوِكَ في غدٍ  وعلى الترابِ من التراب ذمامُ

وَاُضيعَ عمرُك بين تلكَ وهذهِ

فإلامَ هذا التِيهُ والإيهامُ؟

وإلامَ تسعى؟ إنَّ دربَكَ موحشٌ

والناسُ فيهِ ضيعةٌ وركامُ

يا آدمُ: الغرباتُ فيك مواطنٌ

والنادباتُ صدورُهنَّ حطامُ

ولشدَّ ما اخْتُصِرتْ حياةٌ إنَّها

دون الحقائق يقظةٌ ومنامُ

الطفلُ والقلقُ المشيبُ تعانقا

فعليهما من مقلتيك سلامُ

لا الطفلُ يتعبُ وهو يعثرُ في الخطى

والشيبُ يجري، والخطى تلتامُ

صنوان ما افترقا كأنَّهما يدٌ

لكن تشابهَ فيهما الإبهامُ

الآنْ قفْ ما بين طفلِكَ حاسراً

الليلُ فيك ظليمةٌ، وظلامُ

الظلُّ ظلُّكَ وهو يبحث عن فمٍ

غنّاك ثم سقطتَ، والأنغامُ

ذهبَ الزمانُ ببعضِ عمرِكَ نادباً

وأراك وحدَكَ دونه تستامُ

كانت يتيماتٍ لياليك التي

أفنيتَ، والبُقيا صدى، وصيامُ

لكنَّها في الغابرين محاسنٌ

الشعرُ بدؤُكَ فيهما وختامُ

هي من أرتك الآن سقطَ متاعِها

وأرتكَ إنَّ الحاكمين لئامُ

وبأنَّ أقنعةَ التقاة إذا بدتْ

زورٌ وبهتانٌ بها، وأثامُ

القاسطون كما الخوارج دينُهم

وَهُمُ برغم انوفِهم خُدّامُ

أو كلَّما أطعمتَ جوعَ عيونِهم

عادت يداك وملؤها إيلامُ

ما كان ذنبُك لو نطقت، وإنَّما

ذنبُ ابن “آدمَ” إنَّهُ تمتامُ

كانوا كباراً يوم جئتَ بساحِهم

والآن عدتَ وجلُّهم أقزامُ

{ { {

نعم…انت ملح الشعر والشعراء، وملح طعامٍ من طعام التقاة..

خلقت شاعرا، كما خلق الجواهري، ولم تعتزل اية حركة لاتقودك الى بحور الخليل كما فعل قبلك ابو الفرات الذي امتهن الصحافة والسياسة في طريقه للبرلمان ولما وصله استقال مع مجموعة سرعان ما عادت الى البرلمان، وبقي الجواهري وحده خارج الحلبة.

الجواهري جوهرة الديوان العربي منذ ظهور اول شاعر الى عهود وجيه عباس، ومجموعة محبوكة مع الشعر العباسي حبك عباءة الحرير.

ان كل ما في هذه القصيدة جديد، تركيب الجملة تركيب جديد، والمعنى جديد، فاذا تطابق الاثنان نتجت عندنا عبقرية الشعر، وانت من عباقرة الشعر، اي مقطع في القصيدة اختاره أجده جديدا عليّ، وانا ناقد حقيقي متذوق للشعر العربي، لهذا اقول انت وجيه غير عابس، تسلمُ شاعرا وتبقى شاعرا، اترك ما سوى الشعر، انت ربيب الشعر والشعر ربيبك، أنت لديك سناين الله وسناين الشعر عكس الكثير من الشعراء، الشعر لدينا ملعون في تراثنا الديني، لانه كان نصا متحكما في الرأي العام، وجاء القران وهو اول نص نثري مدون، النثر لايستطيع ان يتحدى الشعر بسبب الوزن والقافية والموسيقى، ورغم هذا تحدى القرانُ الشعر فسكت الشعراء امام النص القراني.

دمت لانسياب البحور وامواجها.