حمدي العطار
وهم تشجيع القطاع الخاص الوطني في العراق – حمدي العطار
لم يخلُ أي برنامج حكومي منذ العام 2005 وإلى آخر برنامج في نهاية عام 2022 من تأكيد مشفوع بدراسات وبرامج تشجيع القطاع الخاص في العراق وطرح فرضيات شراكة بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي. مع ازدياد عدد البرامج الحكومية تتراجع رصانة وكفاءة القطاع الخاص ومعايير جودة أدائه ومساهمته في برامج التنمية الوطنية، ولنكون دقيقين علينا التقديم بتعريف وتصنيف افتراضي لأغراض التوضيح ربما لا يكون دقيقاً جداً.
تعريف القطاع الخاص: عرفت منظمة الاسكوا التابعة للأمم المتحدة القطاع الخاص بأنه “ذلك الجزء من الاقتصاد الوطني الذي يملكه ويديره الأفراد سواء في شكل شركات الأشخاص أو شركات الأموال (كالشركات المساهمة مثلا)، وإن كان هناك بطبيعة الحال بعض الظروف والأوضاع التي تتطلب تشاور رجال الأعمال في القطاع الخاص مع السلطات العامة في بعض المسائل”.
وبالتالي فهو يشمل المشاريع الفردية، الشركات، المصانع، البنوك، المكاتب العلمية، الصيدليات، المستشفيات الأهلية، المختبرات، العيادات الطبية، المكاتب الاستشارية الهندسية، شركات المقاولات، المحلات التجارية ….الخ.
ربما يكون من أهم عوامل ازدهار القطاع الخاص في العراق بعد عام 2003 هو حجم الموازنة التشغيلية وتوسعه السنوي الاستثنائي وارتفاع المستوى المعيشي للمواطن، وأثر ذلك على زيادة حجم الاستهلاك بشكل كبير وبالتالي انتعاش الاستيراد والتجارة والخدمات على حساب قطاعات حيوية أخرى مثل الصناعة، المقاولات، الاستشارات الهندسية، الزراعة والبنوك.
فمثلاً في قطاع المصارف فإن نسبة كبيرة من المصارف المملوكة لمساهمين عراقيين إما صُفيّت أو وُضعت تحت وصاية البنك المركزي العراقي أو لا زالت متعثرة وتركز على مزاد العملة. وإن جلّ المصارف الناجحة العاملة في العراق هي المصارف التي تمتلك غالبية أسهمها وتديرها مصارف عربية أو أجنبية.
وربما نلاحظ افتقار القطاع الخاص العراقي إلى شركات رصينة وكفؤة عملياً ومالياً وإدارياً في قطاع المقاولات.
وحتى الشركات التي بدأت مزدهرة لفترة وجيزة فقد تقلصت أو أعيدت هيكلتها وتقلصت بشكل كبير من أجل المحافظة على نواتها وعدم تصفيتها نهائيا.
وهنالك أمثلة لا حصر لها في كل قطاع وكل تخصص على تقلص وضمور دور القطاع الخاص الرصين وتبخر أي أمل له لدعم الاقتصاد الوطني في العراق.
ويمكن أن نورد أسباب ذلك:
1- عدم جدّية الحكومات في التعامل والتفاهم والاستجابة لمتطلبات وقوانين السوق، ومنها عدم توفير البدائل العملية قبل مهاجمة الخيارات المتاحة، اغلب التقاربات الحكومية مع واقع السوق العراقي تتسم بالاستعجال والمفاجئة والتسرع في تجريم وإدانة التجار ورجال الاعمال دون توفير بدائل قابلة للتطبيق، فأغلب التجاوزات الحاصلة ضحيتها التاجر وهي نتيجة طبيعية لخلل في الأجهزة الحكومية نفسها. استخدام الوسائل والأدوات الشرطوية والبوليسية لا يعالج الظواهر التي استقر عليها السوق بل يفاقم الأزمات وتلقي بتبعاتها على المواطن وعلى القطاع الخاص وتزعزع الثقة المزعزعة كليا بالشعارات الحكومية في تشجيع القطاع الخاص.
2- فقدان الاستقرار وخاصة في التعليمات الحكومية الناظمة للقطاع الخاص وحركته وانشطته، وهذه واضح من خلال مراقبة سرعة تغيير التعليمات والتوجيهات. ان أي تغيير في أي تعليمات ناظمة يؤدي حتما الى خلخلة في الاستقرار وهذا يؤدي الى تأخر النمو بل الاضرار بمجمل عملية الاستثمار.
3- عدم استقرار التشريعات الناظمة لأنشطة القطاع الخاص: التعليمات المتتالية والمفاجئة والمستعجلة والتي تستهدف معالجة مشاكل مزمنة بين ليلة وضحاها، ممارسات درج عليها السوق وجثمت على صدر المجتمع منذ عشرات السنين لا يمكن معالجتها خلال أشهر قليلة فضلا ان تُفرض طرق غير سليمة وغير صحيحة تخيف مجتمع الاعمال وتدفعه الى الانسحاب.
4- ندرة الموارد البشرية الشابة الكفؤة بسبب فتح التعيينات بشكل أدى إلى سحب مئات الآلاف من القوى العاملة من سوق العمل سنوياً وضخِّهم في دوائر الدولة ليضخّموا مستويات البطالة ولتتحول هذه القوى الشابة التي يُفترض أن تكون ميزة البناء والإعمار والتنمية إلى عالة كبرى على الموازنة وبإنتاجية لا تتجاوز 15 دقيقة يومياً. فالمؤسسات الحكومية تحولت إلى أكبر مصنع لتعويق الشباب في العراق وميزانية العراق هي أكبر ميزانية جمعية خيرية في العالم.
5- عدم استقرار السياسة النقدية وسعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الامريكي.
6- الفساد الإداري الهيكلي والبيروقراطية في المعاملات الحكومية.
7- الفساد المالي المستشري والمتوطن والمتغلغل في كل أجهزة الدولة من أصغر حلقة الى اعلى الحلقات وتأثيره المدمر على حركة ونشاط القطاع الخاص.
8- نفوذ وتأثير القوى الموازية لمؤسسات الدولة بشكل لا تستطيع أجهزة الدولة مقاومته او الحدّ منه.
9- عدم السيطرة على المنافذ الحدودية وتداعيات ذلك على التطبيق العادل للقوانين الجمركية والضريبية وتأثير ذلك على أسعار البضائع المستوردة، وبالتالي من يلتزم ويدفع حسب القانون، يعرقل معاملاته الموظفين الفاسدين ويضاف على كلفه مبالغ لا يدفعها التاجر غير الملتزم والذي يبيع بأسعار أرخص وبالتالي يقتل المنتج المستورد بشكل قانوني. والجهاز الحكومي بشقيه المدني والأمني لم يكن قادراً على حلّ هذه المشكلة المعقدة والمزمنة لأكثر من عشرين عاما ولا يبدو أنه سيكون قادراً على حلّها في المستقبل القريب أو المتوسط لأسباب تتعلق بشبكة مصالح معقدة بين كتل سياسية حاكمة ومتنفذة وبين شبكة السيطرة والتحكم بالاستيراد والمؤسسات الحكومية ومنها المنافذ الحدودية.
10- ضعف كفاءة القطاع المصرفي وندرة مساهماته في دعم المشاريع والعمل داخل العراق.
11- سوء تنظيم وفوضى تطبيق التحويلات المالية الخاصة بتأديات ومعاملات القطاع الخاص مع مجهزيه من المصانع والمجهزين خارج العراق. التعليمات التي صدرت من البنك المركزي العراقي في الحزمة الأولى والثانية والثالثة كانت جيدة وعملية نظريا ولكن العرقلة التي فرضتها المصارف عند التطبيق كانت مؤذية بالإضافة الى عدم إعطاء الشركات والتجار فترة زمنية للتكيف مع التعليمات بل توقفت الحوالات فجأة وصدرت التعليمات التي لم تتكيف المصارف لها الّا بعد لأينّ، ومنه نتجت ان صارت الحوالات مكان للرشوة والمحسوبية من قبل موظفي المصارف الأهلية أنفسهم.
12- استخدام القوة والإرعاب من قبل المؤسسات الأمنية وبتوجيه مباشر من رئاسة الحكومة لحل مشكلات اقتصادية وملاحقة ومتابعة مؤسسات في القطاع الخاص مثل شركات الصرافة، مذاخر الأدوية، الصيدليات …الخ بطريقة بوليسية غير لائقة وغير صحيحة.
























