وهم الخلافة

وهم الخلافة

الإنقلاب الأخير

إن التاريخ الحديث يعد الدولة العثمانية من اكبر الإمبراطوريات الكبيرة التى حكمت الدولة الإسلامية ، ووصل عدد الولايات التابعة لها إلى تسع وعشرين ولاية ، بالإضافة إلى السيادة الاسميّة على العديد من الإمارات والدويلات المتاخمة لها فى قارة أوروبا ، وكانت تسمى أيضاً الدولة التركية ، وتعد فترة حكمها الأطول على مر العالم الإسلامى ، فقد مكثت مدة حكمها ما بــــــين عامى 1299 _ 1923 م أي مايقارب 500 عام ، وكانت هذه الفترة من الحكم من أفضل الفترات التى مرت بها الدولة الإسلامية كما يقول التاريخ ، حيث أنه خلال فترة حكم العثمانيين كانت الدولة الإسلامية تتمتع بمجد عظيم ، لكن الدكتور علي الوردي يرى غير ذلك كما ذكر في عدة كتب منها ( مهزلة العقل البشري و وعاظ السلاطين ) حيث قال عن حكم العثمانيين انهم كانوا أنتهازيين و يعتدون على الرشا في كل أعمالهم وقد تعلم منهم البغداديون على الغش في جميع أنواع التعامل ، ويشهد التاريخ نهوض عهود وحضارات وسقوط أخرى، وبانتهاء عهد الخلفاء الراشدين وظهور الأمويين توالت الأحداث على الدولة الإسلامية ، ويتبيّن لمتتبع الحضارة الإسلاميّة ظهور العصر العباسى إبان سقوط الأمويين لتظهر الدولة الفاطمية بعد ذلك ، ولتتوالى بعد ذلك مجموعة من العهود الإسلامية ، لتظهر أخيراً الدولة العثمانية التى اتسعت أركانها بشكل كبير، وامتدّت رقعتها لتشمل مساحات شاسعة من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية .

لاشك أن الجدل الدائر الان حول هوية تركيا الإسلامية –  العلمانية ، في ضل الاحداث الأخيرة التي عصفت في المنطقة ومستقبلها تحت حكم حزب العدالة والتنمية ، من أهم الجدالات وأكثرها انتشارًا على المستوى الإقليمى والدولي، فبعد عهد طويل من الانقلابات ، بعد أتاتورك ؛ للحفاظ على هوية تركيا العلمانية ، والإطاحة بكل محاولات العودة إلى الأصول الإسلامية ، استطاع أن يحقق حزب العدالة والتنمية انتصارات كبيرة _ في حساباته هو _ وصل بها إلى سدّة الحكم، وحافظ على مكانه وتنفيذ مخططه نحو تركيا الجديدة حتى اليوم .

وما بين متهّم حول أطماع أردوغان وحزب العدالة والتنمية فى عودة الخلافة العثمانية والتي على أساسها يقوم الحكم في تركيا حالياً ، والقضاء على الإرث العلماني فى تركيا تمامًا وهذا مايسعى له الخليفة الجديد ، ومؤمن بأن أردوغان هو الخليفة المُنتظَر الذى سيعيد أمجاد الخلافة العثمانية ؛ تقع العديد من الأسئلة حول حقيقة هوية الحزب وموقفه من العلمانية فى تركيا، عن حقيقة الأطماع للاستبداد بالسلطة والحلم العثماني الذي طال انتظاره ، والنظرة للخلافة العثمانية وعودتها والعثمانيين الجدد وعن شخص أردوغان ذي الأصول الإسلامية ، فقد عُرِف أردوغان بأصوله الإسلامية ، تخرّج فى مدرسة دينية ، وبدأ عمله السياسى بالانخراط مع حزب السلامة الوطنية برئاسة نجم الدين أربكان ، وبقي عضوًا فى حزب الرفاه ثم الفضيلة اللذيْن شكلهما أربكان ، ثم أصبح رئيسًا لفرع حزب الرفاه الوطنى فى إسطنبول، واخيراً وفى عام 1994 فاز برئاسة البلدية.

على صعيد آخر، تأتي سياسات أردوغان ، بالاستبدادية ، والتي برزت مؤخرًا وهي تدخلاته سياسياً وعسكرياً في الشؤون الداخلية لدول الجوار وهذا نلمسه جلياً في التدخل التركي السافر في شمال العراق بحجة المشاركة في عملية تحرير الموصل وقيامه بفتح مرر أمن لمقاتلي داعش والذين يتخذون ارض الخلافة التركية نقطة لتجمعاتهم والمشبوهة وارسالهم الى العراق وكيل التصريحات بحق رئيس الوزراء العراقي وبعد فضيحة الفساد والتي أسفرت عن إثارة غضب المعارضة التركية ، وشهدت تركيا من مظاهرات واحتجاجات تندد بحكومة العدالة والتنمية ، وسياسات أردوغان الاستبدادية أما عن السلطان المنتظر وأحلام العودة للخلافة العثمانية ، فقد رأى مقربون لأردوغان أن ردود الأفعال المهاجِمة له كانت فى إطار الحملة الشرسة التى تشنها وسائل الإعلام المقرّبة من المعارضة ، أو أعداء أردوغان فى الخارج ، وأن استعراضاته العثمانية المتوالية كانت تأكيدًا على هوية تركيا ، والتمسك بتراثها وأصولها العثمانية. ولكن الحقيقة هى أنه يعيش فى وهم الخلافة العثمانية ووهم اعادة مجد زال من خلال تعزيز حكمه ، وترسيخ أركان دولته ، وتحقيق أهداف حزب العدالة والتنمية .

وفي اعقاب الانقلاب الأخير على السلطان المنتظر أعلن رئيس الوزراء عن توقيف وأعتقال الكثير بتهمة الخيانه ليصل أجمالي العدد تقريباً الى 9000 في أيام قلائل من بين شرطي وطالب وعسكري وقاضي ومعلم وصحفي ، وقد اعرب الاتحاد الأوربي عن قلقه لهذه الاعتقالات تحت مسمى نشر الديمقراطية لكنها بالأساس هي سياسة قمعية لشخص مريض نفسياً يرى نفسه سلطان هذا الزمان ، مما يزيد من قلق العلمانيين الاتراك الذين يمثلون نسبة 50 بالمئة من اصل 70 مليون تركي وخوفهم من ادراج بلادهم في قائمة الدول الإسلامية التي مزقتها الحروب بسبب أنتاجها المتواصل الى سياسة القمع والاستبداد

يبدو أن الخطر الان اصبح محدقاً بتركيا في ضل حكم حاكم استبدادي وطائفي كل همه ان يعيد امجاد الدولة العثمانية من خلال تفكيره المريض ، لكن الرياح ستجري بما لاتشتهي سفن الخليفة المنتظر وستكون أولى نكساته في الموصل على يد أبناء العراق الغيارى .

ميثاق طالب كاظم  – بغداد