وهج الثورة في قلب البصرة

وهج الثورة في قلب البصرة

سعد العبيدي

الرصاصة الآتية من جهة البناية الحصينة للامن العامة في البصرة، تُخطئ قلب الثائر سالم، تستقر في فخذه الايمن فاتحة جرحا ينزف بقوة، يدفع كريم لايقاف كل أنشطته الهجومية، يقترب منه، يعبر عن قلق أرتسمت علاماته على وجه عاودته الكآبة قبل التعرف من قريب على مستقرها ومديات خطورتها. يصر على حمله الى السيارة القريبة عندما ظهرت على سطح ذاكرته صورة وليد يوم فقده شهيدا لم يستطع ايقاف سيارة لانقاذه من الموت على أرض الكويت. يحثه على الصمود حتى يجد له طبيبا.

يجيبه سالم واليد اليمنى على الجرح تحاول ايقاف النزف:

– أين هو الطبيب في مثل هذه الظروف؟

المستشفى العسكري ليس بعيدا عن المكان. يتوقفان عند بابها التي كان حراسها بالأمس شلة جنود، تركوها مفتوحة لمن يريد الدخول دون استئذان، رحلوا مثل غيرهم كل الى مكان، لا يعرف الواحد منهم جهة صاحبه ولا المكان.

المكان هنا، هذا الذي يقفان عند بابه، يعج بالناس كانهم غزاة، وبسيارات حمل وعربات وتدافع على الأشياء كأنها رق سينمائي أبطاله واحداثه لا توحي أن مستشفى أو انه هكذا كان مستشفى من قبل.

شخص يحمل كرسياً لعيادة أسنان يضحك من فرط الفرحة بالاغتنام.

آخر يشارك أخيه دفع سرير مخصص لجرحى قتال سقطوا من أجل الوطن، واسقطوا توا من على السرير، يحثون الخطى دفعا، يشجعون بعضهم بعضا لايصاله والعودة لاغتنام ثان… فرصة كونتها الأقدار سيودعوا بتحقيقها النوم على حصير الارض، سينتقلون الى عالم لم يعيشونه من قبل.

حمار يجر عربة تحمل جهاز سونار، لا يعرف عتالها أن غنيمته جهاز سونار، يضرب الحمار بقسوة مهووسً، يظن أن بقايا أجهزة يمكن الاستحواذ عليها في العودة وبيعها في سوق (العتاكين) تغنيه عن يوم عمل أو أكثر منه بقليل، يشكر الله على هذا الرزق، لا يكمل العبارة الخاصة بالرزق الحلال.   أطفال يلعبون بادوات تشريح، يشبعون حاجتهم الى اللعب، يتمتعون باستخدامها آلات خط على الحيطان، وشق شراشف، وثقب الأبواب.   الأطباء مثل الجنود غادروا المستشفى، وكذلك الممرضين والممرضات، صدرياتهم البيضاء تناثرت في كل مكان، بضاعة عرف تجار السلب ضعف رواجها، تركوها في الممرات وعلى الارصفة تدوسها الاقدام.

طوابير تدخل متوجسة وأخرى تخرج باسمة بما تحمله من غنائم الطب المطلوب اعادته الى ايام الحجامة والكي بالنار.

تَدمعُ عينا كريم، يتخيل المستشفى التي أنقذته يوم أصيب بشظية في بطنه عام 1987 سوق لبيع البضائع العتيقة، مات في صالات عملياتها الطب، وأنتهت الحياة. تذكر أسماء الجراحين المرموقين، قلق عليهم ثروة بلد لا يمكن تعويضها عشرات السنين، وضع رأسه على مقود السيارة، ضربه بشدة، صرخ بأعلى صوته ضاع العراق، وأكمل بصوت أعلى:

لماذا تقتلون أنفسكم بأيديكم ؟. لماذا تخربون البلاد؟.

يحاول تبرير هيجانه الانفعالي قائلا:

أتعلم ما الذي يخرج الانسان عن سواء الصواب غير هذه المناظر التي يرى فيها القوم وقد تحول قسم منهم الى لصوص فوق حدود المحاسبة والشبهات. بعدها يتحرك مبتعدا عن هذا المنظر الذي لا يسر عدواً ولا صديقاً.

يحاول سالم تهدئته واقناعه بالتوجه الى منطقة الجمهورية التي يقيم فيها الدكتور حميد، قريبا من البيت الذي يسكنه أحد الاصدقاء، مؤكدا امكانية مراجعته، فهو معروف بتعاونه ومساعدته أهل المنطقة في الأوقات التي يحتاجون فيها المساعدة بالفعل.

يقف الدكتور حميد أمام بيته مذهولاً، يتفرج على أحمالٍ تنقل الى البيوت، وأعلامٍ تُعَلق على أسطح البيوت. تأخذه الصدمة بعيدا الى عالم رسمه في مخيلته منذ أن كان طالبا في جامعة بغداد، عالمٌ أراده خال من الفقر والتجاوز والاضطهاد، تأكد هذا اليوم أنه يحلم وان هذا العالم غير موجود. وهو هكذا غارق في كابوس المقارنة بعالم في الخيال، لمح سالم يتكئ على كريم في مشيته التي تحصل بصعوبة والدم قد غطى السروال.

يسأل عن الذي حصل، لم ينتظر الاجابة وتحديد مكان الجرح، فتح باب البيت على الفور، طلب الدخول كذلك على الفور تحسبا لما ينجم عن النزف من آثار، أو استمرارا لمشاعر تحسب مغروسة في داخله تتعلق باحتمالات ملاحقته من الحزبيين في يوم يصعب فيه التمييز.   لم يسأل عن السبب، ولا عن المكان، فاشاعات الهجوم على الشعبة الحزبية ومديرية الامن سبقت مجيئهما، خاصة وان الظروف تساعد على انتشارها وسط جمهور يتلذذ بنقل الاخبار، يكبر وقعها انشاءً بحصولها، يزيد على حقائقها تفاصيل تقترب من الخيال، بدوافع الفخر الممزوج بالتهويل.

 يكتفى الطبيب بالفحص السريع ثم التنظيف، ومن بعده التضميد، يختم لفة الضماد الاخيرة، يستفسر عن ما جرى وهل هو صحيح؟، يسترسل في حديث موجوع (جعلونا ندمر بلدنا بأيدينا، القهر والظلم أوصلنا الى أن نكون سراق ونهابون، نحن نمتلك يا سادتي وبدون أدنى شك أكبر معاهد لتعليم النهب. أعظم انجازات ثوراتنا أنها أنتجت نهابون ومقتنصو فرص تفوق أعدادهم عدد العسكريين.

نصف يوم قتال شاق، كأن وقعه دهرا من الزمان، احداثه كثيرة، خطيرة، ستطال آثارها آخر الزمان…الشمس مازالت مشرقة، والسماء صافية، ولفحة برد الخريف اللذيذة باتت تتسلل الى الاجساد المغطاة بملابس الشتاء.

بيت الحاجة رضية في القريب، يرى كريم في قربه مناسبة للاطمئنان، بل واجب ينبغي القيام به بعد تأدية المهمة التي اعتقدها ردا على استشهاد وليد وفقدانه أعز صديق.

باحة البيت مكتظة بنساء كان مقدمهن خصيصا لتقديم العزاء، مناسبة فريدة، لتداول أحاديث نصف النهار والتفتيش عن أسباب الوفاة، ومكان الدفن، واحتمالات جلب الجثة، وعن صديق اوفى بعهده بطلاً في الانتقام، وغيرها اسئلة تلهب قلب الام المكتوية بنار الحرقة، الطيبة الحنونة، المثالية في كدها المتواصل لتربية الابن والابنة الوحيدين في حياة غادرها الاب منتصف الثمانينات شهيدا في معارك شرق البصرة.

الموقف مثير يدمع عيني كريم حال دخوله البيت حاملا انفعالات وقلق نصف نهار مغطى بكثير من المفاجئات. يتعالى بدخوله العويل، بات الجميع يعرفون سيرته صديق وليد القريب، البطل الذي اسقط مركز الشرطة والشعبة الحزبية، ومديرية الامن، أخبار سقوطه سبقت وصوله البيت، تخجله همسات النسوة الحاضرات، يؤكد أخذه الثأر ممن تسبب في مقتل أخيه وليد، ينحني على رأس الخالة رضية يقبّلها بدوافع الام.  تبكي بحرقة وأنين متقطع كأنها تختنق، تأخذه في الحضن، تشم فيه رائحة العزيز بطريقة اعادتها الى وعيها، لتبدأ نوبة نواح، كأن العبرات في داخلها قد تحررت من الاحتباس، فاطلقت بتحررها كل الانفعالات المكبوتة منذ الصباح رافعة يديها الى السماء مسترسلة في الكلام كمن يتكلم بعد سكات طويل:

الهي يحفظ شبابك، ولدي العزيز، اتركنا لقدرنا، اذهب الى أهلك في الناصرية، والدتك تنتظرك مثلما انتظرتُ وليد اياماً بلياليها، لم يغمض لي جفن، كأني عالمة بالنهاية، لا تزيد وجع أم انتظرت طويلا، ولا داعي للبقاء في هذه البصرة التي شعلنا فيها ناراً، اخاف من حرقة سعيرها… أنت ما تبقى لنا في هذه الحياة. الجميع في هذا الحي الفقير يتكلمون عنك، والدنيا ليست آمنة، لا اريد بقاءك يوم آخر، ولا ساعة أخرى، تعودّتُ الا أطمئن لردود فعل الماشين في الظلام بعد منتصف الليل، قررت انهاء العزاء هذا اليوم بعشاء على روح المرحوم، لقد حرمونا تأدية العزاء، تباً لدنيا رضعنا ألمها صغارا، ومضغنا بؤسها في الكبر، تباً لحياة تشهد فيها موت الولد الوحيد مدفونا في مكان بعيد، آه من عيش بلا ولد وحيد… اترك البصرة يا ولدي لتقلل وجعي، اتركها الآن.

تعاود تقبيله مرة أخرى، كأن وليد دخل البيت من جديد.

رد عليها ومازالت عيناه تدمعان: خالتي، أمي العزيزة، سأذهب لاقلل وجعك فقط، سأذهب بعد انتهاء واجب العشاء الخاص بالمرحوم، سأترك البصرة، ساعود اليها في القريب، ليس لي في هذه الدنيا سواكم، وليس لكم سواي، ساغادر بعد العشاء، أطمئني سانفذ رغبتك لاقلل وجع أحسه يسري في جوفي العليل.

الابنة المدللة أمل بنت السادسة عشرة، لم يمض على اشتعال جذوة شبابها وقت طويل، تقف جانبا منطوية على ذاتها الموجوعة، يقطر منها الحياء، يرهقها البكاء بصوت مدلل ناعم، ترك اللطم المستمر على خدودها منذ الصباح بقعاً حمراء. ضفائرها انفكت من قسوة اللطم، تناثر شعرها بغير انتظام، كانت تنتحب بحرقة، تغسل دموعها الآلام، لا تستطيع الجلوس في مكانها… تتجه الى غرفة العزيز، كأنها تفتش عن شيئاً ثميناً او تتفادى النظر الى كريم، لا تفرق بين الحالتين، تدخل مسرعة، وتخرج مذعورة، تستمع الى توسلات امها فيما يتعلق برحيل كريم، تعبر عن تناقض الافكار والتمنيات بصرخة جلبت انتباه الحضور من النسوة اللواتي يتعاطفن معها، أخت الشهيد.