وداعاً رجب بركات

       وداعاً رجب بركات

مؤرشف الصحافة البصريّة

 عــلاء لازم العيـسى

 في ليلة ربيعية من ليالي شهر آذار سنة  1996   وفي مكتب بسيط للمحاماة يقع في منتصف الطريق بين البصرة والعشار في عمارة الشيخ سليمان الابراهيم ، كان لقائي الأول مع الباحث والصحفي والسياسي الأستاذ رجب بركات ، وبعد لقاء التعارف تعددت اللقاءات والأحاديث عن البصرة وتاريخها وصحافتها وأعلامها ، وعن شقيقه عبدالعزيز بركات صاحب جريدة المنار .

    ولد رجب عبدالمجيد محمّد بركات الرديني في قرية باب ميدان من توابع أبي الخصيب سنة 1926 ونشأ في بيت فضل وعلم ، ذكرهم إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه  عنوان المجد  فقال :  ومن البيوت الرفيعة في البصرة بيت الرديني ، وهو بيت شرف وسيادة وفضل ومجد ، ونشأ فيهم رجال كرام منهم الكامل الفاضل السيد محمّد الرديني ، فإنه بنى مدرسة فوقف عليها كتباً كثيرة من كلّ فن ، تبلغ مقدار ثلاثة آلاف فأكثر  .

    درس الابتدائية في المدرسة المحمودية التي بنيت في أبي الخصيب سنة 1909 في أيام الوالي العثماني سليمان نظيف ، زميلاً لبدر شاكر السيّاب ، وبعد تخرجه أكمل دراسته في ثانوية البصرة ، والتحق بكلية الحقوق في بغداد وتخرج فيها سنة 1950 وبعد تخرجه مارس المحاماة ، عُيّن سنة 1951 مديراً لمصلحة نقل الركاب لغاية 1953 إذ نقل مشاوراً قانونياً لبلدية البصرة ، فحاكماً لمحكمة جزاء البلدية ، فرئيساً لبلدية البصرة وكالة ، وبعد ثورة الشواف سنة 1959 فصل من وظيفته فالتجأ إلى دولة الكويت وبقي هناك مدة ، وفي سنة 1963 عاد إلى البصرة وتم تعيينه حاكم جزاء بلدية البصرة ، وبقي في موقعه لحين تقاعده سنة 1981  هاجر من العراق ، وتوفي في عمّان الأردن في 9 / 9 / 2017  وأقيم مجلس الفاتحة على روحه في البصرة لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الجمعة 15 / 9 / 2017 .

    بدأ رحلته مع القلم والصحافة في وقت مبكر ، فقد أجرى أول لقاء صحفي مع جمال الحسيني من قيادات الثورة الفلسطينية ، ثمّ نشر في أشهر الجرائد البصرية حينذاك كالبريد ، والناس ، وآخر ساعة ، وفي بغداد نشر في لواء الاستقلال ، واليقظة ، كما كتب في جريدة الجريدة ، وجريدة الاتحاد ، كما رأس تحرير جريدة  البريد  وهي أدبية اجتماعية ثقافية قومية التوجه ، أمّا أحسن حسناته وأروع أعماله الكتابية هو إصداره لكتابين مهمين ، هما : الصحافة البصرية ، وبلدية البصرة ، وفي مقالتي هذه سأتوقف عند كتابه عن الصحافة البصرية .

    صدر الكتاب وعنوانه الكامل :  من صحافة الخليج العربي ، الصحافة البصرية بين عامي1889 ـــ 1973   253ص  سنة 1977عن مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة  ، أرشف فيه مؤلفه تعاونه مجموعة من زملائه للجرائد البصرية التي صدرت في البصرة مبتدئاً بأولى تلك الجرائد وهي جريدة     بصرة  التي صدر عددها الأول في يوم الخميس  9   جمادي الثاني سنة 1307هـ الموافق سنة 1889م ، ومختتماً الكتاةب بـ  جريدة الشباب  التي أصدرت مديرية رعاية الشباب في البصرة عددها الأول بتاريخ 3 / 5 / 1971  لكنها لم تعمّر طويلاً فقد احتجبت بعد صدور عددها الثاني .

    ولغرض الدقة في التعريف بالجرائد الصادرة ، حاول المؤلف أن يحصر أوقات إصدارها تبعاً للعهود التي حكمت هذا الجزء من البلاد ، ولم يتبع المنهج الألف بائي  فكانت ست : مدة العهد العثماني لغاية احتلال البصرة من قبل القوات البريطانية في تشرين الثاني 1914  ومن الاحتلال البريطاني لغاية تأليف أول حكومة عراقية في آب 1921  والثالثة لغاية ثورة رشيد عالي الكيلاني وسقوط البصرة في 8 مايس سنة 1941  والرابعة لانتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945  والخامسة لغاية 13 تموز 1958 ما السادسة فقد امتدت لغاية نفاذ قانون المطبوعات رقم 206 / 68 لسنة 1969 .

    ولا يخفى على القارئ اللبيب مدى الصعوبات التي واجهت الأستاذ المؤلف في إحصاء ذلك الكم الكبير من الجرائد ، وتصفحه ، وذكر صاحب الجريدة ورئيس التحرير، والتغييرات التي أجريت على هيئات تحرير بعض الجرائد ، وتاريخ صدورها ، وأسماء المطابع التي طبعت فيها وأماكنها ، وأماكن الصدور الأخرى التي انتقلت إليها بعض هذه الجرائد لسبب من الأسباب ، كما حدث مع جريدة صوت الشعب لصاحبها يوسف هرمز  ص108   وجريدة الناس للأستاذ عبدالقادر السياب  ص140  وجريدة المنار للصحفي المشهور عبدالعزيز بركات شقيق المؤلف  ص200   وجريدة الإتحاد الرياضي التي كانت تطبع كمجلة في بغداد في مطبعة الشعب وبدار الأخبار ، وعند انتقالها إلى البصرة تم طبعها في مطبعة حدّاد  ص186  .

    كما لم يفت المؤلف الكريم ذكر توجهات تلك الجرائد ، والأحزاب السياسية التي كانت وراء إصدار بعضها ، وأسماء الكتّاب والكاتبات ، الذين أسهموا في تحريرها أو النشر فيها ، ومن أسماء النساء اللواتي ذكرن السيدة فكتوريا نعمان ، والآنسة أمل محمد مكي ، وسليمة يوسف ، ورشيدة العكيلي ، مع ذكر أشهر الأبواب الثابتة التي تركت اثراً ايجابياً أو سلبياً على القارئ البصري ، وربما أكتفى بذكر اسم الجريدة فقط إذا لم تتوافر له المعلومات عنها  ص68  .

     وبالرغم من أن المؤلف لم يكن في خطة عمله ذكر المجلات التي صدرت في البصرة آنذاك في متن الكتاب ، إلا أنه توخياً للفائدة ذكرها في الحواشي فكانت 13  مجلة ، ومن باب الفائدة أيضاً زود الكتاب بثلاثة فهارس : الأول ضمّنه أسماء أصحاب الجرائد ومديريها المسؤولين ورؤساء تحريرها ، والثاني بأسماء الجرائد الصادرة في البصرة من عام 1889 ـــ  1973  أما الفهرس الثالث فكان بأسماء المجلات التي صدرت في البصرة .

    ومن الحسنات التي يجب أن تذكر لهذا الكتاب هي الإهتمام ببعض الفوائد التاريخية التي لها علاقة بتاريخ البصرة بصورة عامة ، وليس بتاريخ صحافتها فقط  كأسماء الولاة والمتصرفين والمحافظين الذين عاصروا إصدار تلك الجرائد ، ابتداءً بالمشير هدايت باشا الذي عاصر صدور الجريدة الأولى  بصرة  سنة 1889  وذكر المطابع الحكومية والأهلية وأسماء أصحابها وأماكنها ، كمطبعة الولاية ، ومطبعة الإتحاد لصاحبها لصاحبها يوسف ذياب وتتبع جمعية الاتحاد والترقي ، والمطبعة المحمودية ومؤسسها محمود باشا العبدالواحد وتتبع حزب الحرية والائتلاف ، والمطبعة الأحمدية لصاحبيها أحمد حمدي ملا حسين وأخيه ، والمطبعة الكاظمية لصاحبها عبدالكاظم الشمخاني ، ومطبعة الخبر ، ومطبعة العبايجي ، ومطبعة البريد التجارية .

    كما تطرق إلى تواريخ تشكيل الجمعيات والأحزاب السياسية ، والتعريج على ذكر بعض الحوادث التي هزت الرأي العام البصري آنذاك كحادثة اغتيال قاسم جلبي جلميران صاحب جريدة  إظهار الحق  التي صدر عددها الأول في أوائل شهر جمادى الآخرة 1327هـ  1909م  وحملت لواء الدعوة إلى اللامركزية ضد العثمانيين ، مما أدى إلى تحريض أحد الفلاحين من قبلهم للاعتداء عليه وقتله .

    وبما أنه ليس هناك من عمل متكامل في كلّ زمان ومكان ، ولا بد من وجود بعض الثغرات ، أقول إنّ مما فات المؤلف الكريم ذكره هو الإشارة إلى محلّ وجود تلك الجرائد في غير مكتبة آل باش أعيان التي ذكرها في مقدمة الكتاب ، وما هي الأعداد أو المجموعات المتوفرة منها ، علماً أن المكتبة الوطنية ببغداد ومكتبة المتحف العراقي ، تحتفظان بأعداد ومجاميع من بعض تلك الجرائد التي ذكرت في الكتاب ، مثل جريدة الأوقات البصرية ، وجريدة الثغر لصاحبها شاكر النعمة ، والبريد.

    أخيراً فإن هذه الثغرة لا تقلل من أهمية الكتاب ، أو من قيمة الجهد الذي بذله صاحبه المرحوم الأستاذ رجب بركات ، من أجل جمع المعلومات المتناثرة هنا وهناك عن الصحافة البصرية ، وعن أعلامها ، وأنا على يقين بأنه لولا هذا الكتاب لضاعت واندثرت أكثر المعلومات المتعلقة بصحافة مدينة مهمة وعريقة من مدن العراق ، ألا وهي مدينة البصرة الفيحاء .