وحدة البحرين والسعودية
أكرم عبد الرزاق المشهداني
توقعت مصادر خليجية مطلعة أن تعلن كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين صيغة وحدوية بينهما، على هامش القمة التشاورية التي تستضيفها الرياض يوم الخامس عشر من آيار الجاري، وتأتي الخطوة المباركة استجابة وترجمة أولى لنداء خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في القمة الخليجية الأخيرة، حين دعا الى تطوير تجربة مجلس التعاون الخليجي الذي انشئ عام 1980 وتحويله الى اتحاد خليجي. فقد صارح القائد السعودي عبدالله بن عبدالعزيز اخوانه بأن عليهم أن ينظروا الى ما وصلوا اليه، وقال لهم لقد علمنا التاريخ والتجارب ألا نقف عند واقعنا ونقول اكتفينا، ومن يفعل ذلك فسيجد نفسه في آخر القافلة ويواجه الضياع، وهذا أمر لا نقبله جميعا لأوطاننا واستقرارنا وأمننا، لذلك أطلب منكم أن نتجاوز مرحلة التعاون الى مرحلة الاتحاد في كيان واحد .
وكانت مملكة البحرين الدولة الأكثر استجابة للنداء الوحدوي الكريم، ولاشك أن البحرين تأمل ان تؤدي الصيغة الوحدوية مع السعودية الى تدفق إستثمارات جديدة تساعدها على مواجهة الأزمة الاقتصادية.
أكثر من ثلاثين عاما مضت على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومازال عدم الرضا عن أداء هذا المجلس يعم الكثير من المواطنين في دول الخليج، فالمواطن الخليجي كان وما زال يطمع في أن يحقق أكثر مما تحقق، وكان يأمل في أن يكون جزءاً من عملية صناعة القرار في هذا المجلس الخليجي.. الا أن هناك إنجازات اقتصادية وأحيانا سياسية لا يمكن تجاهلها، كما أن قادة المجلس يلتقون فيما بينهم في كل عام، مرة وأحيانا أكثر من ذلك ان كانت هناك أحداث تستدعي التقاءهم.. وفيما بين لقاء القادة في ديسمبر من كل عام واللقاء التالي بعده يجتمع الوزراء والخبراء الخليجيون لدراسة ومناقشة ما أوكل اليهم من أمور.. ولم يكن قرار التأسيس وليد اللحظة، بل جاء تجسيداً مؤسسياً لواقع تاريخي واجتماعي وثقافي يجمع دولاً شقيقة تتميّز بعمق الروابط الدينية والثقافية، والتمازج الأسري بين مواطنيها، وهي في مجملها عوامل تقارب وتوحّد عزّزتها الرقعة الجغرافية المنبسطة عبر البيئة الصحراوية الساحلية التي تحتضن سكان هذه المنطقة، ويسّرت الاتصال والتواصل بينهم وخلقت ترابطاً بين سكان هذه المنطقة وتجانساً في الهوية والقيم. واذا كان المجلس لهذه الاعتبارات استمراراً وتطويراً وتنظيماً لتفاعلات قديمة وقائمة، فانه من زاوية أخرى يمثل رداً عملياً على تحديّات الأمن والتنمية، كما يمثل استجابة لتطلعات أبناء المنطقة لنوع من الوحدة العربية الاقليمية، بعد أن تعذّر تحقيقها على المستوى العربي الشامل.
وقد حدّد النظام الأساسي لمجلس التعاون أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية، والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والبيئية، والاعلامية والسـياحية، والتشـريعية، والادارية، ودفع عجلـة التقـدم العلمـي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وانشاء مراكـز بحـوث علميـة واقامة مشـاريع مشـتركة، وتشـجيع تعـاون القطاع الخاص بما يعود بالخير على شعوبها.
وفي الحقيقة فان مجلس التعاون يُعدّ أنموذجا متميزا بين المنظمات الاقليمية والدولية في التلاحم بين أعضائه والتنسيق والتشاور بينها عبر عدد من الآليات والقنوات ومن خلال تنسيق السياسات والتحركات اقليميا ودولياً وعلى مختلف المستويات، ومن خلال لقاءات القمة والاجتماعات الدورية للمجلس الوزاري أو اللقاءات التنسيقية التي تعقد على هامش الاجتماعات العربية والدولية، وعبر لقاءات ممثلي دول المجلس في الخارج وفي المحافل الدولية وغير ذلك من قنوات الاتصال الجماعي والثنائي، ويتخذ المجلس من مدينة الرياض مقرا له.
ان طبيعة التهديدات التي تواجهها منطقة الخليج العربي، والاستحقاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تتطلب شكلاً أوثق من العلاقات السياسية والأمنية بين دول المنطقة. ومن المؤكد أن الاتحاد الخليجي الجديد سوف يحافظ على الشخصية السياسية للدول المنضمة اليه ولا يذيب شخصياتها القانونية والسياسية أمام المجتمع الدولي، مما يتطلب شكلاً أوثق من العلاقات السياسي والأمنية بين دول الاتحاد، آن ابرز مهام الاتحاد الخليجي العربي ستكون كيفيه تحصين المنطقة ازاء التهديدات الاقليمية والتعاون لدفع التكامل الاقتصادي بين الدول الاعضاء وايجاد ارضية قوية لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه مسيرة التنمية بين هذه الدول. ان الخطوة السعودية البحرينية ستكون موضع ترحيب بين دول مجلس التعاون الاخرى ولن ينظر لها كمحور ضمن دول المجلس مشيرين الى ان هناك أمثلة على تعاون ثنائي ضمن مجلس التعاون كالاتفاقيات التي عقدت بين دولة الامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان قبل عدة سنوات.
ويتوقع أن يطلق على التشكيل المؤسسي تسمية الاتحاد الخليجي بحيث يكون هذا الاتحاد متاحا لانضمام دول مجلس التعاون الأخرى عندما تكون مستعدة لمثل هذه الخطوة . والاتحاد الخليجي الجديد هو صيغه مطورة عن مجلس التعاون الذي ترى دوائر خليجيه أنه لم يعد قادراً ضمن هياكل عمله الحالية على مواجهة الاستحقاقات الأمنية والسياسية التي تمر بها المنطقه مما يتطلب شكلا أوثق من العلاقات السياسيه والأمنيه بين دول المنطقة. ان هذه المناسبة الخليجية التي تجمع القادة الخليجيين هي الأنسب لتجد المباركة من قبل القادة ومن ثم التمهيد لانضمام الامارات والكويت وعمان وقطر في مستقبل السنوات المقبلة ليكتمل عقد الدول الخليجية في اتحاد يشابه الاتحاد الأوربي خاصة وأن هذا الاتحاد بدأت ملامحه تقوى في قوات درع الجزيرة المشتركة بين الدول الخليجية.
كما أن التهديدات التي تواجهها المنطقة من جارتهم ايران تدفع في هذا الاتجاه. كما تأتي هذه الخطوة بعد أيام على دعوة النائب الأول للرئيس الايراني محمد رضا رحيمي، خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في طهران، الى اتحاد البلدين بشكل تام لتشكيل قوة كبيرة على الصعيد العالمي . ويأتي هذا التطور غداة نشر الحرس الثوري أسلحة هجومية ودفاعية في الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها ايران، وسط معلومات عن نية الجمهورية الاسلامية انشاء محافظة ستطلق عليها اسم خليج فارس وستجعل عاصمتها، جزيرة أبو موسى، احدى الجزر الثلاث، في خطوة استفزازية ضد دول مجلس التعاون. كما أن ايران تعمل على دعم المعارضة الشيعية في البحرين والشيعة في الكويت لخلق نوع من عدم الاستقرار في هذه الدول.
الاتحاد الخليجي هو حلم طال انتظاره، اتحاداً خليجياً يؤمن مساعدة اقتصادية للبحرين من السعودية الغنية، سيدعم البحرين كملاذ مالي اقليمي تلقى ضربات مؤلمة في الاضطرابات السياسية الأخيرة.
ان الكونفيدرالية كما يعرّفها علماء السياسة تتكّون من مجموعة من الدول المستقلة، ذات السيادة داخلياً وخارجياً، والتي تريد الاتفاق فيما بينها على اقامة هيئة مشتركة، بمقتضى معاهدة دولية، تُمنح سلطات سياسية خاصّة تستطيع من خلالها الاشراف على سياسات الدول الأعضاء. وغالباً ما يكون هدف الاتحاد الكونفيدرالي تحقيق بعض الأهداف المشتركة والمتفق عليها في المعاهدة. وتستمر الدول داخل الاتحاد الكونفيدرالي محتفظة بشخصيّتها الدولية وسيادتها الوطنية. ويقوم الاتحاد الكونفيدرالي بتنظيم العلاقات بين دوله وفقاً لمعاهدة انشائه، ويمكن لأي دولة في الكونفيدرالية أن تخرج منها في أي وقت تشاء.
لقد مضى أكثر من ثلاثين عاماً على تأسيس مجلس التعاون، دون أن يستطيع تحقيق واحد من الطموحات المهمّة لشعوبه، وهو التنقّل بحرّية من بلد خليجي الى آخر باستخدام البطاقة الشخصية. وقد تحقق هذا الهدف أخيراً بعد موافقة جميع الدول الأعضاء على البطاقة الجديدة. لكن منظومة مجلس التعاون، لم نستطع توحيد العملة الخليجية وجعلها عملة موحدة واختلفت على هذا الموضوع، أما الاتحاد الأوربي الذي يضمّ 27 دولة فاستطاع أن يحقق كل ذلك، وهو الذي تنتمي دوله الى عدّة قوميات وأعراق ولغات ومذاهب، وتاريخها مليء بالحروب والصراعات فيما بينها.. لكن مصالحها ومصالح شعوبها جعلتها تذلل كل العقبات.
لا جدال في أن الدعوة لانشاء كونفيدرالية خليجية تعدّ دعوة تاريخية وسيسجّلها التاريخ لزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي يستدعي بذل المزيد من الجهد من قِبل هؤلاء القادة لانجاح الفكرة، لأنها بالفعل ستكون نواة لقيام كيان اقتصادي وسياسي عربي قوي يُعمل له ألف حساب في المنطقة، فمِن خلاله يمكن قيام السوق الخليجية المشتركة، والربط المائي والكهربائي والمصرفي، أي كيان قوي بمعنى الكلمة.
ان دول مجلس التعاون الخليجي تملك من المقوّمات ما يؤهّلها لقيام هذه الكونفيدرالية تحقيقاً لآمال وطموحات شعوبها الراغبة في التقارب والتعايش تحت مظلة واحدة، لها القوّة العسكرية والاقتصادية، خاصة وأن منطقة الخليج العربي من المناطق التي تواجه تحدّيات كبرى، وأكبر دليل على ذلك هو الحروب المستمرّة والصراعات المستمرّة حول الثروات الموجودة في المنطقة، فوجود هذه الكونفيدرالية من الممكن أن يكون أيضا صمام أمان لوحدة الشعوب الخليجية وسداً منيعاً ضدّ التيارات والتصعيد السياسي الموجود حالياً في المنطقة العربية.
/5/2012 Issue 4203 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4203 التاريخ 19»5»2012
AZP07
























