هل للإسلام مرجعية واحدة؟ ـ حسن حنفى
طرحت اللجنة التأسيسية لوضع الدستور هذا السؤال هل للاسلام مرجعية واحدة؟ واندفع فقهاء السلطة بالرد بالايجاب حتى يكونوا هم المرجعية. فهم فقهاء الاسلام ورجال الدين وأصحاب الفتاوى. وكان الصوت الغالب المسموع، والصوت العالى. فمن يجرؤ على النفى أو القول بالرأى الآخر، أن للاسلام مرجعيات عديدة. أكدها الشرع. ورواها التاريخ. والثورة لم تؤثر فى الناس بعد كمنظور ثقافى. تنادى بالتعددية والديمقراطية والذهنية مازالت مستبدة تدافع عن أحادية الطرف، وتستبعد الرأى الآخر. ومهما طالبت السلطة السياسية بالتعددية فان السلطة الدينية ترفضها وتنادى بالرأى الواحد، والمذهب الواحد، والسلطة السياسية تشجعها قبل الثورة وربما بعد الثورة لأن الرأى الواحد يدعو الى الطاعة وعدم الفرقة، والاهتداء الى سواء السبيل.
والتعددية هى طبيعة المجتمع، واجتماع الناس فى مكان واحد. الناس بطبيعتهم مختلفون فى المشارب والمصالح والأهداف وان توحدوا فى المكان. بل ان المجتمع الواحد يتفرق فى المكان بين ريف وحضر، صحراء ووديان، نجوع وتجمعات، سكان المقابر وسكان ضفاف النيل. كل مجتمع صغير يفرض رؤاه وتصوراته ومطالبه على المجتمع الكبير. كما لم يخلق الله الناس شبها واحدا فى الوجه فانه لم يجعل لهم رأيا واحدا فى العقل. خلق الله البشر متعددين. ولهذا التعدد والاختلاف خلقهم. ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً. وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. اِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ .
الاختلاف من الناس، من تعدد الأفهام والثقافات والأهواء والمصالح مع أن الاسلام واحد، والنص واحد. التعددية رؤية للحياة ضد الاستبداد بالرأى كمقدمة لمنع الاستبداد السياسى. وكانت السخرية تتم دائما ضد الفقه القديم أنه حتى فى أبسط الأمور فيه قولان . والتعددية أساس الشورى لا خاب من استشار . ومن الذى يجرؤ على أن يوحد بين رأيه والاسلام فى ذاته أو بين فهمه للنص والنص ذاته؟ ان فعل ذلك فانه يكون قد شبه نفسه بالله. بل ان جبريل نفسه قد راجع الرسول فى بعض الأحيان. كما اختلف الصحابة أمامه. وكان يقول لأبى بكر انزل قليلا ، ولعمر اصعد قليلا للتقريب بين المثال والواقع، بين النص والمصلحة. وكثيرا ما راجع الصحابة أنفسهم وراجعوا بعضهم بعضا. اتفاقا واختلافا لدرجة الفتن والحروب والانشقاقات التى لم تندمل حتى الآن.
فالمرجعية الواحدة فى الدين تتناقض مع روح الثورة، المطالبة بالتعددية منعا للاستبداد السياسى. وتحقيقا للديمقراطية فى الفكر قبل أن تتحقق فى المؤسسات والتنظيمات والأحزاب والجمعيات المدنية. وقد عرف التاريخ الاسلامى منذ بدايته بتعدد المرجعيات، وقامت دول اسلامية فى المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة واستانبول على مرجعيات متعددة. بل ان الوحى نفسه أتى على مراحل. كبراها اليهودية والمسيحية والاسلام طبقا لتطور الوعى البشرى من القانون الى المحبة الى العدل وكما عبرت عن ذلك أولاد حارتنا ، من جبل الى رفاعة الى قاسم.
نشأت فرق كلامية عديدة، ثلاث وسبعون فرقة. كفرت السياسة اثنين وسبعين منها الا واحدة، فرقة السلطة. وتشعبت علوم الحكمة الى عقلية واشراقية. وتنوع التصوف بين خلقى ونفسى وفلسفى. وتعددت مناهج الاستدلال فى علم أصول الفقه بين الرواية والدراية، بين الألفاظ والمقاصد. وتشعبت مناهج التفسير بين التفسير بالمأثور والتفسير والمعقول، بين التفسير بالمنقول والتفسير بالمصلحة لا ضرر ولا ضرار ، ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن . فالصواب متعدد وتعددت المذاهب الفقهية الى مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية. وكله اجتهاد انسانى. ولا يوجد اجتهاد واحد والا أغلق باب الاجتهاد وهو مصدر من مصادر التشريع.
وكما تطور الوحى من مرحلة الى أخرى طبقا لتقدم الوعى البشرى كذلك تطور فهم الاسلام طبقا لظروف كل عصر. فلا يوجد فهم واحد للنص خارج الزمان والمكان وخارج كل العصور. فالتاريخ يتغير. والفهم يتغير كذلك. فالنص لا يتحدث عن نفسه بل من خلال المفسر. والمفسر كائن تاريخى. ان كان محتلاً فانه يبرز قيمة الأرض فى رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ . وان كان خائفا تبرز آية فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ . وان كان فقيرا تبرز آيات وأحاديث حقوق الفقراء فى أموال الأغنياء. وان كان مجزأ مهددا بالطئافية والعرقية تبرز آيات الوحدة اِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً . وان كان متخلفا تبرز معانى جديدة للتقدم والتأخر مثل لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أو وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ . وان كان سلبيا مستكينا مغلوبا على أمره تبرز آيات مثل انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
بل لقد اشتد الخلاف فى الغرب وتحول الى صراع وحرب وقتال مذهبى منذ نشأة المسيحية فى عصر آباء الكنيسة وعصر الشهداء حتى عصر الاصلاح الدينى والمذابح بين البروتستانت والكاثوليك وأشهرها مذحبة سانت بارتيليمى فى القرن السادس عشر، ومذابح المسلمين والهندوس فى القرن الماضى الذى أدى الى تقسيم الهند. الهند للهندوس، وباكستان للمسلمين والذى مازال دائرا حتى الآن فى ميانمار. وقد كان ذلك سبب نزول الاسلام ليحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون فى العقائد المسيحية حول طبيعة المسيح رجما بالظن.
هناك عدة مرجعيات لفهم الاسلام وليس مرجعية واحدة. هناك العقل الذى نبه عليه القرآن مئات المرات فى آيات مثل أَفَلا تَعْقِلُونَ ، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ . وهناك المصالح العامة والاصلاح فى الأرض وهو الذى أصبح فى المالكية مصدرا من مصادر الاجتهاد المصالح المرسلة . وهناك الفطرة والبداهة والطبيعة البشرية استفت قلبك وان أفتوك . فليس هناك أفضل من راحة الضمير.
اذن لا توجد مرجعية واحدة للاسلام سواء من الناحية النظرية الشرعية أو من الناحية العملية مثل الأزهر أو قم. شيخ الأزهر أو المرشد الروحى. فليس بالاسلام كنيسة كالمسيحية ولا امامة معصومة مثل الشيعة. ليس بالاسلام رجال دين معينين أو منتخبين وعلى رأسهم شيخ المشايخ أو امام الأئمة أو روح الله. ليس بيده سلطة الحكم بالايمان أو الكفر، بالاسلام أو الخروج. وطالما تغيرت اتجاهات مشايخ الأزهر بين المحافظة والتحرر، النصية والعقلانية، السلفية والتحديث. وطالما تمت ازاحة شيخ الأزهر ان هو خرج على التقليد الموروث كما حدث لمحمد عبده وغيره من المشايخ. وهو الذى يعتز به الجميع الآن، محافظين ومجددين. وطالما تغير المذهب التاريخى العقائدى أو الفقهى السائد فقد كانت التعددية المذهبية تتصارع حتى القرن الخامس الهجرى عندما حسم الأمر لصالح الأشعرية فى العقيدة والشافعية فى الفقه. وحاول محمد عبده التحول من الأشعرية الى الاعتزال ولكن الى المنتصف. بقى أشعريا فى التوحيد وان أصبح معتزليا فى العدل. ومازالت الأشعرية التاريخية هى السائدة على مشايخ المؤسسة الدينية. فلماذا لو تحول أحد من الأشعرية الى الاعتزال بل وتطوير الاعتزال العقلى الى الجمع بين العقل والثورة يكون كافرا؟
نحن سبب التكفير، تكفير المؤسستين الدينية والسياسية للمخالف فى الرأى. فيقوم المتشدد من المخالفين بتكفير مضاد، ويدعو الى الخروج بالعنف على النظام. كل ذلك بسبب أحادية الرأى، وأحادية المرجعية، وانكار التعددية الفكرية والسياسية. ندعو الى الديمقراطية السياسية، ونحرم الخلاف فى الرأى فى الاجتهاد الدينى لدرجة غياب الحد الأدنى من الاتفاق دون الاستماع الى نصح القدماء بأن الحق النظرى متعدد، ولكن الحق العملى واحد. الخلاف فى طرق الاستدلال ممكن، ولكن تحقيق المصالح العامة لا خلاف عليه.
وطالما أصدرت المؤسسة الدينية الفتاوى لصالح السلطان وبناء على توجيهاته بأن الملك من نسل النبى، بعيدا عن البيعة والشورى، وأن الاشتراكية اسلامية لما كان الحاكم اشتراكيا، وأن الاسلام ليس به ما يضاد الرأسمالية لما انقلب الحاكم الثانى على الأول، من الاشتراكية الى الرأسمالية، ومن القطاع العام الى القطاع الخاص، ومن توجيه الدولة لوسائل الانتاج الاقتصادى الى الانفتاح والاقتصاد الحر. فالرأسمالية ليست جريمة. ولما قرب العهدان فقد صدر التبريران من نفس الرجال. فالوظيفة واحدة، تبير السلطة الدينية المزعومة للسلطة السياسية المستبدة.
AZP07
























