برهان المفتي: لغة تقرأ الواقع وتعيد تشكيله

 

لغة تقرأ الواقع وتعيد تشكيله ملامح أسلوب برهان المفتي


 

 

قتيبة الحميد

 

 

يتميّز أسلوب برهان المفتي بقدرة لافتة على الجمع بين نقيضين: البساطة والعمق، فهو يكتب بلغة قريبة من القارئ، واضحة ومباشرة في ظاهرها، لكنها تحمل طبقات متعددة من المعنى كلما أمعنت القراءة، فلا يعتمد على التعقيد اللغوي بقدر ما يعتمد على الفكرة وكيفية تقديمها بسلاسة تجعل القارئ ينخرط في النص دون عناء، ثم يكتشف لاحقاً أنه أمام نص أعمق مما بدا عليه في البداية.
من أبرز سمات كتابته المزج بين الواقعي والرمزي، إذ يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية أو من فكرة مألوفة، ثم يتدرج بها نحو أفق رمزي أو فلسفي، دون قفزات حادة، ما يمنح نصوصه انسيابية واضحة، ويجعلها قابلة للقراءة على مستويين: مستوى مباشر وآخر تأويلي أوسع، كما يحضر في نصوصه صوت ساخر، لكنه ليس سخرية خفيفة بقدر ما هو نقد مبطّن، يكشف التناقضات بطريقة هادئة، فيضع القارئ أمام مفارقات تدفعه للتفكير بدل التلقي.

ويعتمد المفتي كذلك على السرد الرمزي، حيث تتحول العناصر البسيطة إلى إشارات دلالية أوسع، فيمنح النص بعداً تأملياً، ويجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ له، كما أن كتابته لا تنتهي بإجابات قاطعة، بل تترك أبوابها مفتوحة، وغالباً ما تُختتم بفكرة معلّقة أو سؤال ضمني، يعكس رؤية لا تميل إلى الوعظ بقدر ما تميل إلى إثارة التفكير.
ويُلاحظ ايضاً قدرته على التنقل بين النبرة الجادة والخفيفة دون تناقض، فيجمع بين الألم والسخرية، وبين الواقع والخيال، في توازن يمنح نصوصه حيوية خاصة، ويجعلها قريبة من القارئ مهما اختلفت خلفيته.

أما على مستوى السيرة، فإن برهان المفتي من مواليد كركوك عام 1968، وهو مهندس كيمياوي وصحافي محترف يمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثلاثين سنة في الصحافة الورقية والإلكترونية، وعضو في نقابة الصحفيين العراقيين ونقابة المهندسين العراقيين، كما كان عضواً سابقًا في نقابة الفنانين العراقيين ونقابة المهن الصحفية ونادي دبي للإعلام، إلى جانب عمله رسام كاريكاتير محترف، حيث نشر أعماله في صحف عراقية عدة مثل جريدة الجمهورية ضمن صفحة “شؤون الناس” بين 1993 و2000، ثم في جريدة العراق، وجريدة القلعة، وجريدة صباح كركوك، كما كتب مقالات متخصصة في الاستدامة في جريدة الصباح بشكل أسبوعي خلال 2014-2015.

وفي المجال الأدبي، أصدر ثلاث مجموعات قصصية، وصلت إحداها إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى للقصة العربية، كما ألّف كتب تتناول التراث المحلي لمدينة كركوك من حيث العادات والألعاب والعمارة والأكلات، إضافة إلى كتاب عن اللهجة العراقية، وإلى جانب ذلك يعمل مدرباً معتمداً يقدّم دورات تخصصية في مجاله المهني المرتبط بالبيئة والاستدامة.

الخلاصة أسلوب برهان المفتي يقوم على البساطة العميقة، والرمزية الذكية، والسخرية الهادئة، وهو امتداد لتجربة غنية تجمع بين الصحافة والأدب والفن، لذلك تأتي نصوصه محمّلة بخبرة طويلة، لكنها تُقدَّم بروح إنسانية تجعلها قريبة، ومفتوحة على أكثر من قراءة.