هل تنجح البريكس في مواجهة هيمنة الدولار؟ – أورنيلا سكر

هل تنجح البريكس في مواجهة هيمنة الدولار؟ – أورنيلا سكر

شـهدت السـاحة الدوليـة فـي السـنوات القليلـة الماضيـة تغيّـرات حاسـمة، انعكسـت بدورهـا علـى طبيعـة التفاعـات الإقتصاديـة والسياسـية العالميـة. وذلك بفعل سياسة الولايات المتحدة ونظامها الاقتصادية الرأسمالي الذي يقوم على الهيمنة والحصار عبر فرض العقوبات الاقتصادية على الدول التي تخالفها. من هنا، نجد أن التكتلات الاقتصادية التي تنضم الى تجمع البريكس لها ثقل حضاري واقتصادي واسلامي، وسياسي، وجغرافي متنوع وغني. غير أن هذه السياسة المعتمدة من قبل منتدى البريكس أمامه تحديات عديدة.

وفـي هـذا السـياق، تحـاول هـذه المقالة إلقـاء الضـوء علـى هذا المنتدى واهميته ومدى إمكانية نجاح البريكس  في التصدي  لواقع الهيمنة الامريكي في النظام العالمي الجديد المتعدد الاقطاب ، حيث أكدت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا ناليدي باندور، في مارس/آذار 2023 زيادة اهتمام عديد من دول العالم بالانضمام إلى مجموعة بريكس، مشيرة إلى أن 12 دولة أبدت رغبتها في الانضمام إلى المجموعة، من بينها السعودية والإمارات ومصر والجزائر وإيران والأرجنتين والمكسيك ونيجيريا وغيرها.

إن الهدف من  دول مجموعة بريكس هو السعي إلى إطلاق عملة موحدة بينها تنهي بها هيمنة الدولار الأميركي على الاقتصاد العالمي، غير ان هناك من يـرى أنــه عـلـى الرغــم مــن القصــور الــذي يتســم بــه النظــام الحــالي، فإنــه لايـزال هـو النظـام الأنسب أو الافضل في ظـل عـدم وجـود بديـل ملائم ممكـن أن يحـلّ محـل الـدولار الأمريكــي في الوقــت الحــالي أوفي الاجل  القصـيـر. فمعظــم الشــواهد تؤكــد أن التغـيـرات الإقتصادية والسياســية الحاليــة لــن تــؤدي إلى اســتبدال الــدولار بشــكل كامــل باليــوان الصينــي أو بغــره مــن العمـات العاديـة أو الرقميـة، وأن الدولار الأمريكـي لا يـزال يتمتـع بقـدر مـن الموثوقية مقارنـة بغـيره مـن العملات، بسـبب طبيعـة وقـوة الإقتصاد الامريكي ذاتـه.. فهل تنجح هذه التجربة وما هي التحديات التي تواجه منظمة البريكس فـي تسـوية المعامـلات التجاريـة والماليـة العالمية ؟

الدولار سلاح اقتصادي

في أول مـن يوليـو مـن عـام 1944  وفي أعقـاب الحـرب العالمية الثانيـة، عقـدت الـدول الأعضاء في الأمم المتحدة مؤتمـر ”بريتـون وودز في منطقـة ”نيوهامشـر“ بواشـنطن، من أجل نظـام نقـد دولي جديـد يضمـن حريـة التجـارة ويضمـن كذلـك عـدم فـرض القيـود والعوائـق عـى مسـار المعاملات الدوليـة، وذلـك بغيـة تأميـن الإستقرار والنمـو الإقتصـادي الدولي، وتنظيـم نظـام النقـد الدولي الـذي سـادته الفـوضى في الفـرة بيـن الحربـين العالمتين.

واسـتمرت أعمـال هـذا المؤتمر ً، وسـط حضـور 730 موفـدا من 44 دولة ، حيث انتهى بتوقيـع مـا عـرف باتفاقيـة ”بريتـون وودز  والتي تم بموجبها  تم تأسـيس مجموعـة البنـك الدولي ، وصندوق النقد الدولي الذي أعاد بموجبه اعمار اوروبا في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وليصبح الدولار هو العملة المتداولة عالميا وفقاً لقاعدة الاحتباط بالذهب التي شكلت انذاك نسبة 75 بالمئة من احتياط الذهب العالمي. وتساوى الدولار الامريكي مع الذهب في السـيولة والقبـول العـام بـه كاحتياطـي. غير أن هذه الاتفاقية توقفت بفعل العجز الذي اصاب الدولار، كعملـة احتياطـي عالميـة، وهـو مـا سـيؤدي إلى انهيـار نظـام سـعر الـصرف الثابـت وخلـق حالـة عالميـة مـن عدم الاستقرار. لذلك ، فإن هذه الاتفاقية تم ابطالها لانها لم توفق بين  ميزان المدفوعات الامريكي وخلق السيولة كافية لتمويل التجارة والاقتصاد العالميين .

وفي عام 1971 جاءت صدمة نيكسون التي فكت الارتياط بين الدولار الامريكي والذهب على اثر تراجع المعروض من الذهب وعلى ضوء ذلك، تراجعت الولايات المتحدة في التزاماتها الدولية فضلا عن تراجع احتياط الذهب بفعل الحرب في الفيتنام. كما أن الدولار الامريكي قد مرّ بعديد من الانتكاسات الاقتصادية لكنه استطاع ان يحافظ على مكانته ، بل زاد اكثر هيمنة على الاقتصاد العالمي والتبادل العالمي واعتبرعملة احتياط دولي لجميع دول العالم. بالرغم من الغاء اتفاقية بريتون وودز، استطاع الدولار أن يشكل هيمنة وتبعية اقتصادية يتحكم باقتصادات الدول النامية الى يومنا هذا ، وتمكين الولايات المتحدة من تصدير ازماتها الداخلية الى بقاع العالم، وهـو مـا أشـار إليـه الإقتصـادي الأمريكـي ميلتـون فريدمـان، حـن قـال إنـه: ”في ظـل النظـام القائـم علـى الـدولار، ومـع وجـود أسـعار ثابتـة للصرف بين العملات، تتحـدد السياسـة النقديـة في العالـم بالسياسـة النقديـة التـي يرسـمها الفـدرالي الأمريكي.

وعلى الرغم من انهيار اتفاقية بريتون وودز استمر الدولار، باعتبارها  العملة المُهيمنة ذات الاحتياط النقدي المتداول في الاقتصاد العالمي. كذلك ، فإن كلا من الذهب والنفط مسعران عالميا بالدولار الامريكي. وبالرغم من سعي الدول الى احتياطات نقدية بديلة ، فإن الدولار يشكل 60 بالمئة من إجمالي احتياطي العالمي. كما أن الحرب الروسية على اوكرانيا دفعت الولايات المتحدة الى فرض عقوبات على روسيا وحظر التداول بالعملات الصعبة كما منعتها من  نظام السويفت. وبرغم ذلك، استطاعت روسيا مواجهت تلك العقوبات من خلال احتياطها النقدي غير الدولاري الذي يبلغ 640 مليار $ ومخزون من الذهب يجعلها اقل تبعية للدولار الامريكي بحيث يحتل المركز الخامس عالمياً).

محاولات الغاء الدولرة

وفي هذا السياق المتصل ، دفعت هذه التطورات الى اتجاهات بديلة عن التداول بالدولار في المعاملات التجارية وفق علاقات ثنائية بين الصين وروسيا من جهة، وروسيا والهند، عن طريق اعتماد عملات بديلة وطنية او رقمية من اجل مواجهة نظام سويفت الذي فرض على روسيا   من أجل خفص قيمة الدولار في الاعتماد التجاري، التي كانت 90 بالمئة في عام 2015 قبل العقوبات على روسيا لتصبح 45 بالمئة في عام 2020.

إن سياسة التحوط التي اعتمدتها بعض الدول لمواجهة هيمنة الدولار الامريكي ادّت الى انشاء بنك التنمية الخاص بدول البريس من التعاملات المالية العالمية اسهم في تنويع مصادر الاحتياط النقدي لدى تلك الدول. إن هذا النهج المعتمد من قبل أعضاء دول البريكس ادى الى تراجع الهيمنة الامريكية على الاقتصاد الدولي.

ولو نسبياً ومن شأن هذا الاتجاه كذلك،  التقليل من جدوى العقوبات الاقتصادية الامريكية ، وهو ما حذر منه  وزير الخزانة  الامريكي السابق جاكوب ليو في عام 2016 حين قال : ” إن التوسع في فرض العقوبات الاقتصادية ومشروطية استخدام الدولار كأداة للسياسة الخارجية الامريكية ، يزيد من مخاطر التحول في استخدام  عملات اخرى بديلة عن الدولار الامريكي[2]”.

مسار صعب لكن،

لا شك ، أن العقوبات الامريكية على الدول وتطويعها باتجاه سياسة لا تخدم سوى واشنطن نحو بدفع بعض الدول نحو هذا التوجه لوقف احتكار وهيمنة الولايات المتحدة  لسلاح الدولار في النظام المالي العالمي. لكن هذه الخطوات التي يناقشها اعضاء دول البريكس في المؤتمرات التي عقدت في كل افرقيا واندونيسا والبرازيل والهند ، للبحث في آليات مواجهة هيمنة الدولار والنظام الرأسمالي يقابله عراقيل وتحديات عديدة تواجه تكتل البريكس أهمها:

  • أن هناك اختلافات بينية بين هذه الدول اي البريكس، والسؤال هنا ، إلى اي حد قادرة، أن تستمر هذه الدول المنضمة الى منتدى البريكس بلاس، والتعاون فيما بينها والخروج بسياسات موحدة تخدم مصالحها القومية والاقتصادية والسياسية والامنية دون أن يتصدر الخلاف والنزاع القائم بينهما وينعكس على الاهداف الجوهرية أي، مواجهة هيمنة سلاح الدولار. وهنا اقصد الخلاف الحدودي بين الصين والهند من جهة ، والصراع السعودي –الايراني ، والصراع الهندي الباكستاني وبخاصة أن بعض الاصوات قد علت مشككة بنوايا الصين وبأن هذه التكتلات الاقتصادية لا تخدم احد سوى مصلحة بكين
  • هيمنة عملة الدولار بذاتها على البريكس وذلك من خلال تعامل بعض الدول الداعمين في البريكس بالدولار مثل انغوليا وكمبوديا
  • عدم الزامية القرار: أي أنه إلى الان لم يتواجد قوانين واضحة وهوية اقتصادية محددة المعالم لمواجهة النظام الرأسمالي سوى امنيات واحلام لا ارصدة لها على ارض الواقع مثل قوانين العملات الرقمية وبخاصة ان هذه العملات ليس لها موثوقية عالمية وليس جميع الدول تتعامل بها بحكم الجرائم الارهابية الرقمية وانشطة المنظمات غير الحكومية التي تروج للمخدرات والاتجار بالشر وتبيض الاموال، والتي لا يمكن ضبطها، وضبط عملياتها العالمية والاجرامية من قرصنة وسرقة حسابات والتجسس الذي تمارسه سياسيا وامنيا
  • العقوبات الغربية تشكل ضغط كبير على الدول التي تعاني حصار اقتصادي امريكي مثل روسيا بفعل الحرب على اوكرانيا، وبالرغم من اعتماد روسيا على احتياطها وعملتها المحلية في التبادل التجاري غير ان ذلك انعكس سلبا على قيمة العملة الروسية اي الروبيل حيت يشهد الروبيل تراجعا في سعر الصرف بشكل ملحوظ.
  • اثارة حقوق الانسان وفرض ضرائب على الدول بحجة الدفاع عن البيئة وبخاصة ان العالم يعاني تحدي مناخي هائل نتيجة انبعثات الاوكسيد دي كربون وغيرها من المواد السامة والمضرة بالبيئة الامر الذي قاد العالم الى احتباس حراري وعنف مناخي غير مسبوق.
  • اثارة ازمات امنية، عبر تحريك موجة الاحتجاجات والانقلابات والثورات الملونة بهدف اسقاط الانظمة كما هو حاصل في باكستان ولبنان وايران بشكل خاص.

بالختام ، إن هذه المحاولات لدى دول البريكس مهمة جدا وتشكل تنافس جيوسياسي واقتصادي مهم ووازن لكن، الى أي حد تستطيع أن تلتزم هذه الدول باحتياط نقدي بديل عن الدولار في ظل ان المعادن مثل الذهب محدود جداً ولا يكفي ليكون احتياطاً للدولار، او اعتماد عملات محلية أقل موثوقية مقابل الدولار الامريكي. وبالتالي، كل شيئ حتى الساعة، محفوف بعراقيل وتحديات عديدة، لم يتشكل فيها بعد هوية النظام العالمي الجديد.  لكن الاهم، هو أن العالم لا بد من أن ينهي حقبة الاستعمار الامريكية وسطوة دولارها على العالم ، لاننا نعيش مرحلة غير مسبوقة من الاذلال والإفقار والتجويع الممنهج حيث انعدم فيها كل مبادئ والقيم الذي نادى به العالم الحرّ من عدالة وحرية وحقوق انسان وديمقراطية.

كذلك، لا بد من الاشارة إلى مـا اليـورو الأوروبـي، فشل في أداء هـذا الـدور لسببين: أولهمـا انقسـام أسـواق رؤوس الأموال، وغيــاب التجانــس فيمــا بينهــا فيمــا يتعلــق بسياســاتها الأوروبية  إلى أســواق وطنيــة صغيــرة نســبياً وغياب التجانس فيما بينها  فيما يتعلق بسياساتها المالية حتى في اطار الاتحاد الاوروبي، وثانيهمـا تنامـي النزعـة الوطنيـة لـدولالإتحاد الأوروبي على حساب انتمائها للاتحاد، حيث وصل الامر انفصال بريطانيا عن الاتحاد، لذلك فشل اليورو في أن يكون عملة بديلة للدولار فكيف سوف تنجح عملات البريكس في المواجهة أم أن دول البريكس تختلف عن الواقع الاوروبي؟

 [1] محمد مصري آدم: اتفاقية بريتون وودز ونشأة المنظمات الإقتصادية الدولية، 2022.

 [2] الشـمال والجنـوب، برنامـج مـن أجـل البقـاء، تقريـر اللجنـة المسـتقلة المشـكلة لبحـث قضايـا التنميـة الدوليـة برئاسـة ويلـي برانـت، المسـتقبل العربـي، مجلـد3 ?ع22 ? 1081