هل تمكن روحاني من خداع أوربا؟ ـ بيتر جينكنز ـ ترجمة ــ سناء عبد الله

هل تمكن روحاني من خداع أوربا؟ ـ بيتر جينكنز ـ ترجمة ــ سناء عبد الله
في معرض دفاعه عن سجله المهني اثناء ترؤسه وفد بلاده للمفاوضات النووية مع الغرب خلال العامين 2003 ــ 2005، كتب الرئيس الإيراني المنتخب حسن روحاني قائلا بينما كنا نتحدث مع الأوربيين في طهران، قمنا بتركيب الأجهزة في أجزاء من منشأة أصفهان. في الواقع، من خلال خلقنا اجواء هادئة، تمكنا من انجاز العمل في اصفهان .
ويزعم بعض المراقبين بأن ما كتبه روحاني في هذا الصدد هو دليل على الطريقة التي خدع روحاني من خلالها نظراءه الأوربيين واحتال عليهم خلال المفاوضات التي دارت في طهران في شهر تشرين الأول 2003. إن هذا التفسير لما كتبه روحاني خاطئ، وسوف أوضح أسباب هذا الخطأ
إن الاتفاق الذي توصل اليه وزير الخارجية البريطاني جاك سترو بمعية نظيريه الفرنسي والالماني الوزراء الأوربيون الثلاثة مع روحاني بتاريخ 21 كانون الاول 2003 أكد بشكل محدد على قيام إيران بوقف جميع عمليات تخصيب اليورانيوم ونشاطات التخصيب كما حددتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية . وقد أمل الوزراء الأوربيون الثلاثة بأن يقوم محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في غضون سنة 2004، بتقديم تعريف محدد لعمليات التخصيب التي ينبغي أن تتوقف في منشأة تحويل اليورانيوم في اصفهان، والتي كان من المقرر لها أن تبدأ بعد ذلك بوقت قصير بتحويل خام اليورانيوم الكعكة الصفراء إلى سادس اوكسيد اليورانيوم، وهي المادة المغذية لعملية الطرد المركزي. غير أن البرادعي عرّف عملية التخصيب بوصفها عملية و»أو اختبار عمليات الطرد المركزي، أي تركيب أجهزة الطرد المركزي، وإدخال أو استخدام هذه المواد في أية منشأة قادرة على عملية فصل النظائر، وبناء، أو اختبار أو تشغيل أية منشأة معنية بفصل النظائر. وبذلك، فتح البرادعي الباب على مصراعيه أمام إيران لاتمام، وانجاز التجربة وبدء الانتاج في وحدة تحويل اليورانيوم في اصفهان من دون أن يتسبب ذلك في أي نقض لاتفاق طهران المبرم مع الوزراء الأوربيين الثلاثة. كما واصلت إيران انتاج، وتجميع، واختبار أجهزة الطرد المركزي ــ في وقت اعتبرت فيه نفسها ملتزمة بالتعهدات ذات الصلة بوقف النشاطات التي حددها البرادعي.
ولم يتسنّ للوزراء الأوربيين الثلاثة الانتهاء من اعادة التفاوض بشأن سد الثغرات التي تضمنها اتفاق طهران إلا بحلول شهر تشرين الثاني 2004، وذلك في باريس، حيث حصلوا في نهاية تلك الاجتماعات على موافقة طهران على توسيع نطاق تعليق جميع نشاطات التخصيب ذات الصلة، ومنها على وجه الخصوص انتاج وتصدير أجهزة الطرد المركزي الغازية ومكوناتها، فضلا عن تعليق تجميع وتركيب واجراء الاختبارات أو تشغيل أجهزة الطرد المركزي الغازية، وتعليق جميع عمليات الاختبار أو الانتاج لأي منشأة خاصة بتحويل اليورانيوم . وهكذا تمكن روحاني أن يزعم بأن الاتفاق الذي تفاوض عليه في تشرين الأول 2003 اتاح لايران اتمام وبدء تشغيل منشأة تحويل اليورانيوم في اصفهان. غير أن هذا الانجاز كان قد تحقق بفعل تقديرات البرادعي بأن تحديدا ضيقا لعملية التخصيب قد يكون أكثر دقة من تحديد عام. وفي جميع الأحوال، فان هذا الانجاز لم يكن نابعا من موقف مخادع أو حيلة ما.
دعوني أيضا أن اتحدث عن انهيار اتفاقي طهران وباريس خلال سنة 2005. لا بد من القول بادئ ذي بدء بأن الكذب والخداع لم يلعبا أي دور في انهيار الاتفاقين. ويرجع السبب الجوهري للانهيار إلى رفض الوزراء الاوربيين الثلاثة المقترح الإيراني، المقدم في شهر آذار 2005، القاضي باستئناف إيران عملية التخصيب في نطاق محدود وتحت الرقابة الصارمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لقد دفع هذا الرفض بآية الله على خامنئي إلى الاعتقاد بأن الوزراء الثلاثة يطالبون بتعليق عمليات التخصيب إلى أجل غير مسمى، وهو التنازل الذي لم يرغب بتقديمه على الاطلاق الأمر الذي أدركه الوزراء الثلاثة أيضا بشكل واضح . وعليه، كان ذلك سببا مباشرا في استئناف النشاط في منشأة تحويل اليورانيوم في اصفهان في آب 2005 بأمر من المرجع الأعلى. وقد كانت وجهة نظر الوزراء الثلاثة بأن إيران تراجعت عن التزاماتها بموجب اتفاقي طهران وباريس، غير أنهم لم يعدوا هذا التراجع بمثابة غدر أو موقف غير نزيه، لأن روحاني لم يتعهد على الاطلاق بالحفاظ على التعليق إلى أجل غير مسمى.
وعوضا عن ذلك، وبعد أن رأوا بأن هذا التراجع يحررهم من التزامات اتفاق طهران، شرع الوزراء الأوربيون الثلاثة بترتيبات تقوم بموجبها الوكالة الدولية للطاقة الذرية برفع تقرير المدير العام للوكالة لسنة 2003 بشأن عدم امتثال ايران بالضمانات الالزامية إلى الأمم المتحدة. وقد أمل الوزراء المذكورون بأن يقوم مجلس الأمن بتحويل التعليق من إجراء طوعي إلى متطلبات ملزمة، مما سيجعل إيران تشعر بأنها ملزمة بتطبيقه. وقد لبى مجلس الأمن ما أراده الوزراء، إذ كان عدم احترام إيران لاملاءات مجلس الأمن واضحا للعيان بالنسبة للجميع.
وكما كنت قد أوضحت من قبل، لقد كان أكثر ما يدعو إلى الأسى في تشرين الأول 2003 هو أن أحدا لم يصر على ربط التعليق الإيراني بمسألة التحقيقات الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب البروتوكول الاضافي. إن تبرير التعليق كان خسارة للثقة واضحة وواسعة النطاق لنوايا إيران النووية. لقد كان من شأن ضمانات تقدمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بموجب البروتوكول الاضافي، تقضي بأن جميع المواد ومنشآت المفاعل النووية ذات الصلة قد تم الاعلان عنها، أن تعيد بناء الثقة، وأن تدفع معظم الدول الأعضاء في الوكالة الدولية إلى السماح لايران بتخصيب اليورانيوم للاغراض المدنية بضمانات من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وعندها لن يكون بوسع المعارضين اقناع مجلس الأمن باضفاء الطابع الالزامي على تعليق النشاطات النووية وفرض العقوبات الاقتصادية على إيران.
على أية حال، إن الدروس المستنبطة من التجربة الأوربية التي مر عليها زهاء عشر سنوات هي أن الرئيس الايراني المنتخب ليس رجلا شرقيا ماكرا يصعب الوثوق به، بل مدافع عن المصالح الإيرانية ومفاوض صعب لكنه صادق ووفي لكلامه.
بيتر جنكنز ــ سفير المملكة المتحدة الأسبق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية
AZP07