هجرة مرعبة من الأرياف إلى المدن أربكت النشاط البلدي وهددت تطوير الحواضر

هجرة مرعبة من الأرياف إلى المدن أربكت النشاط البلدي وهددت تطوير الحواضر
اتحاد نقابات العمال التابع لحكومة البعث فرض عضوين على المجلس البلدي بالضد من التمثيل الشعبي الانتخابي
الاثنين » » القى د. إحسان شيرزاد محاضرة في جمعية الاداريين العراقية حول تطوير اجهزة البلديات نصها كالآتي
بسم الله الرحمن الرحيم
اتقدم بالشكر الجزيل للهيئة الادارية لجمعية الاداريين العراقيين لاتاحها الفرصة لي لأحدثكم عن خطة وزارة البلديات في تطوير اجهزتها، وتطبيق شعار وضع اجهزة الدولة في خدمة الجماهير كما اشار إلى ذلك مشروع ميثاق العمل الوطني.
كانت البلديات في العراق تدار وفقا لأحكام قانون الإيالات العثماني، الصادر في 27 رمضان سنة 1294 هــ، وذلك حتى سنة 1931م، حيث صدر قانون ادارة البلديات رقم 84 لسنة 1931 وبقى نافذ المفعول حتى صدر قانون ادارة البلديات رقم 165 لسنة 1964.
عرف القانون الاخير البلدية بأنها مؤسسة محلية لها شخصية معنوية تقوم بالاعمال والخدمات العامة المنصوص عليها في هذا القانون أو في أي قانون اخر .
وتحدث البلدية في مركز كل محافظة، وقضاء وناحية، مهما كان عدد نفوسها، وتحدث في القرى بشرط ان لا يقل عدد نفوس القرية عن الألف نسمة، وفي جميع الأحوال، فإنه من الضروري ضمان وجود حد ادنى من الامكانيات المالية لدى البلديات عند احداثها بما يمكنها من تأدية الخدمات الضرورية للمواطنين وتمارس البلدية عملها ضمن حدود معينة ويدير اعمالها مجلس يرأسه مدير البلدية وهي مصنفة على اساس عدد نفوسها.
ويتضح عمق العلاقة القائمة بين البلدية، والجماهير بحكم واجبات البلديات بصفتها المسؤولة عن توفير راحة المواطنين عن طريق تقديم الخدمات العامة المباشرة لهم، وتطوير المدينة والبيئة البلدية، بما يؤمن الحياة المريحة لهذا الجيل وللاجيال المقبلة ولذلك فإنه لا توجد غرابة مطلقا عندما نرى ان البلديات كانت وما تزال مطالبة بتقديم المزيد من الخدمات، ذلك لان تطور الحياة يفرض مفاهيمه الجديدة التي تتطلب باستمرار تطوير الخدمات من حيث النوع والكم، ومن هذا المنطلق يمكن تحديد علاقة البلديات بالجماهير ودور وزارة البلديات في هذه العلاقة.
ولا يفوتني هنا ان اذكر لما لقانون المحافظات من تأثير في هذا الموضوع، ذلك لان طبيعة هذا القانون والاحكام التي اوردها تجرنا حتما إلى التفكير البعيد فيما سيؤول اليه العمل، وضرورة التهيؤ من الان في تسهيل مهمة الادارات المحلية في ممارسة نشاطاتها بصورة لا مركزية، وتحقيق الاهداف التي من اجلها شرع هذا القانون.
وسأوضح فيما يلي حديثي بما يتلاءم وطبيعة هذه المحاضرة، من كونها تتعلق بما جاء في الميثاق الوطني من اهداف، وبرامج للنواحي الادارية في المجالات الثلاثة التالية
أولا علاقة البلديات بالمواطنين رأينا من المقدمة الموجزة مدى اتساع نطاق اعمال البلغديات ومدى العلاقة الوثيقة الموجودة بينهما وبين المواطنين، ذلك لان اعمال البلديات تتصل اتصالاً وثيقا بحياة المواطنين اليومية، وان اية ثغرة فيها تسبب كثيرا من الارتباك لهم، وان تطور الحياة وتطلعنا إلى المستوى الافضل، يجعلنا دائما وابدا نفكر في كيف ينبغي ان تسير البلديات لتكون في خدمة الجماهير، وما يتطلب ذلك من تعميق الشعور بالمسؤولية ونشر الوعي الثوري الديمقراطي الشعبي بين اجهزتها، وامدادها بالعناصر الكفوءة المخلصة. ولابد لنا هنا من التطرق لبعض المبادئ التي وردت في قانون ادارة البلديات المعمول به حاليا لاستجلاء بعض العلاقات القائمة بين المواطنين وبين البلديات في مجال التشكيلات الخاصة بالادارة وفي مجال العمل.
1 ــ الادارة
حدد قانون ادارة البلديات عدد اعضاء المجلس البلدي، بما لا يقل عن 5 ولا يزيد على 21 عضوا بضمنهم الرئيس تبعا لصنف البلدية يجري انتخابهم عدا رئيس البلدية من بين سكان منطقة البلدية بالانتخاب الحر المباشر وبالاقتراع السري التام، وفق قانون انتخاب خاص ولم يصدر ذلك القانون حتى الان إلا ان هناك مادة مؤقتة تستمر بموجبها المجالس المشكلة قبل نفاذه في مزاولة اعمالها لحين تشكيل المجالس البلدية.
وللوزير بناء على اقتراح السلطة الادارية، ان يحل المجلس ويعين بدله، أو يبدل عضوا أو اكثر اذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وقد بقي العمل مستمرا بهذا النص، ولكن بعد ثورة السابع عشر من تموز التقدمية، اتخذ عدد من المقررات للعمل على جعل التمثيل في هذه المجالس اقرب إلى المفاهيم الديمقراطية، وبما يؤمن تمثيل جميع القطاعات فيها، بدلا من ترك مسألة التعيين بيد الوزير والسلطة الادارية.
بعض المبادئ
وعليه فقد صار من الضروري ان يشترك ممثل عن العمال، وآخر عن الفلاحين وطبيب المدينة في جميع المجالس البلدية، وممثلون عن المنظمات المحلية في بلديات الصنف الثاني فما فوق. واعيد النظر في اختيار رؤوساء البلديات وتعيين العناصر الكفوءة المخلصة لهذه المناصب على اساس ان الزمن الذي كانت تعتبر فيه وظيفة رئيس البلدية وظيفة شكلية، تشكل جاها خاصا لشاغلها قد ولى، واصبحت وظيفة رئيس البلدية وظيفة الشخص العامل الذي لا يجد مجالا للتفكير في جاه الوظيفة.
وعلى أي حال، فان قانون المحافظات قد أدمج الشخصية المعنوية التي تتمتع بها البلدية بالشخصية المعنوية للوحدة الادارية للمحافظة، وللقضاء، والناحية في نطاق الوظائف التي تمارسها الادارات المحلية واندمجت ذمتها المالية معها، وسنأتي على ذكر ذلك فيما بعد. والى ان يتم تشكيل مجالس الوحدات الادارية، بالشكل الذي رسمه قانون المحافظات الذي جاء بمبدأ تكوينها من اغلبية، عن طريق التمثيل الشعبي بالانتخاب، فان المجالس البلدية ما زالت تمارس عملها ضمن احكام قانون ادارة البلديات.
وهناك لائحة قد اعدت بقصد اشراك عضوين من العمال يجري اختيارهما من قبل الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر العراقي من غير منتسبي البلدية المختصة إلى هذه المجالس.
ويلاحظ من كل ذلك بإن الوزارة قد اجتهدت في ان تجعل من هذه المجالس الممثل الحقيقي لمواطنين البلدة، بما يؤمن الاشتراك الفعلي في اتخاذ المقررات النافعة، والرقابة على اعمال البلديات في هذه المرحلة.
2 ــ في مجال العمل
تضمن قانون ادارة البلديات بعض المبادئ التي تمكن المواطنين من ممارسة حقهم في تقرير مسألة أحداث البلديات وإلغائها والاطلاع على أعمال البلدية.
ففي مسألة احداث البلديات فإنه قبل احداث اية بلدية، ينبغي على الوزير ان يعلن عن مشروع الاحداث في الجريدة الرسمية، وبطرق الاعلان الأخرى خلال مدة ثلاثين تقبل فيها الاعتراضات، والملاحظات من الدوائر الرسمية، وشبه الرسمية، والمصالح، ومن المواطنين اصحاب العلاقة، وفي ضوء هذه الاعتراضات يقرر الوزير ما يراه، وقراره هذا خاضع للاعتراض لدى مجلس الوزراء خلال عشرة ايام من تاريخ صدوره، ويطبق الاسلوب نفسه عندما يراد الغاء بلدية ما.
واما عن مشاركة الاهليين، واطلاعهم على اعمال البلدية بعد احداثها، فقد نظم القانون عددا من الامور بهذا الصدد، فمن ذلك ان جلسات المجلس تكون علنية الا في الحالات التي يرى فيها اكثرية الاعضاء الحاضرين جعلها جلسات سرية، كما حتم على البلديات ان تعلن بالطرق المتيسرة قرارات المجالس التي يرى المجلس ضرورة اطلاع المواطنين عليها، ولصاحب العلاقة ان يطلب نسخة مصدقة من أي قرار من قرارات البلدية.
ومن أهم الامور التي اوردها القانون، بهذا الصدد مسألة تصديق التصاميم الاساسية للمدن، وبالنظر لما لهذا الموضوع منا همية خاصة في رسم السياسة العامة لتطوير المدينة، فقد نص القانون على وجوب اعلان التصاميم الاساسية والتفصيلية بالطرق المتيسرة لاطلاع المواطنين وذوي العلاقة، والدوائر الرسمية، وشبه الرسمية وغيرها، وقبول الاعتراضات والاقتراحات المقدمة بشأنها خلال تسعين يوما من تاريخ الاعلان، ويتبع الاسلوب نفسه عند تعديل هذه التصاميم، وبطبيعة الحال فان العلاقة بين البلدية والجماهير لا تقتصر على ما في هذا القانون من نصوص بل تتعداها إلى وجوب تعميق الشعور لدى جميع الاطراف بما يؤمن التوعية الكافية لجعل البلديات في خدمة المواطنين ورفع هذا الشعار دائما وأبدات.
ثانياً علاقة الوزارة بالبلديات
يؤخذ على قانون ادارة البلديات بأنه اعطى إلى الوزير سلطات مركزية واسعة، وفي الحقيقة ان السياسة التي تتبناها الوزارة، في الوقت الحاضر، تنحصر في ضرورة تهيئة البلديات للعمل ضمن الخطة اللامركزية المرسومة بموجب قانون المحافظات، مستهدفة بذلك الابقاء على مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ، وان هذه السياسة تقتضي بالضرورة التعاون مع البلديات بما يؤمن من تنفيذ الاهداف التي تقررها الوزارة، في ضوء الخطة العامة لسياسة الثورة وميثاق العمل الوطني واحكام قانون المحافظات.
ان الوضع الخاص الذي تعانيه البلديات من قلة في الخبرة، والاجهزة الفنية والمالية، والادارية وقلة في الامكانيات المالية حتم ان تقوم الوزارة، من خلال أجهزتها الفنية، والادارية، بتوجيه البلديات وبوضع تخطيط مدروس لمعاونتها على تنفيذ مشاريعها، بما يؤمن تطوير المحيط في البيئة البلدية، وتوفير المناخ الملائم لتقديم الخدمات المناطة بها، لما فيه سعادة ورفاه المواطنين.
ولقد ولد التزايد السريع لسكان المدن، وارتفاع مستوى المعيشة فيها، ضغطا كبيرا على البلديات، فقد بلغ سكان بلديات العراق اكثر من نصف مجموع سكانه، وبمعدل زيادة سنوية اكثر من 6 ، أي حوالي ضعف الزيادة الطبيعية في السكان، وهذا يعني هجرة واسعة من الريف إلى المدن، وزيادة الاعباء على البلديات، دون زيادة مكافئة لها من الواردات، لذلك فقد بات من الضروري التفكير في بيئة بلدية اجتماعية عصرية، ولاشك ان معالجة هذه المشكلات، وحلها لا يمكن ان يتم ضمن فعاليات وزارة البلديات ومؤسساتها فقط لانها تعتبر مشكلات عامة مترابطة، ومتداخلة تتأثر بجميع العوامل المؤثرة وتشترك فيها جميع اجهزة الدولة، فخطة التنمية القومية مثلا لها تأثير مباشر على هجرة السكان واتجاها وتحديد مواقعها كما، ونوعا، وما يتبعها من تأثير معاشي على مسألة السكن، وتوفير الاراضي وتأمين الخدمات البلدية اللازمة لمثل هذه التوسعات.
لذا فقد وضعت هذه الوزارة الخطة اللازمة لمعاونة البلديات من الميزانية العامة وخطة التنمية بشكل يؤمن الهدف العام ضمن اطار السياسة المالية والاقتصادية للدولة، عن طريق تثبيت حد ادنى لموارد البلديات بالنسبة للشخص الواحد ، تساهم الجهات المختلفة لتأمينها، اذ ان واردات البلدية لا تتعدى 4.5 دينار للشخص الواحد في السنة ويمثل هذا نصف ما يجب ان يكون عليه مستوى متوسط ومقبول، وفي ضوء ما سبق فيمكن اجمال السياسة العامة للوزارة بما يلي
1 ــ في مجال الخدمات البلدية ومشاريعها.
تعمل الوزارة بصورة مستمرة، ووفق خطة، لتطوير أجهزتها وخدماتها.
أ ــ السياسة العامة.
1 ــ تقوية الشخصية المعنوية للبلدية، وهذا يتم بتصعيد الروح المعنوية للجهاز البلدي باعماله ونزاهته، وقدرته، وتكريس جهوده لخدمة المواطنين والحرص على مصالحهم العامة والخاصة، وبالتالي كسب رضى وثقة المواطنين.
2 ــ تمتين العلاقات بين البلدية، وسكان المدينة، وايجاد نوع من التوازن بين واجبات البلدية مع مسؤولياتها من جهة، وحقوق البلدية على المواطنين من جهة اخرى وتقوية الشعور بالمشاركة عن طريق الاعمال، والاعلام بوسائلهما المختلفة وعلى رأسهما العمل الشعبي وعقد الندوات.
3 ــ تقوية جهاز البلدية الفني والاداري ورفع كفاءاته وذلك باتخاذ الخطوات التالية
أ ــ تعطيم الجهاز البلدي بموظفين من ذوي الكفاءات العملية.
ب ــ تنظيم دورات تدريبية في المواضيع الادارية، والفنية.
ج ــ ارسال الموظفين بإيفادات إلى خارج القطر للاطلاع والتدريب.
د ــ الاستعانة بالمؤسسات المختصة لتنظيم دوائر الوزارة ومخازنها، وفعالياتها على أسس حديثة علمية.
4 ــ اعادة النظر في قانون ادارة البلديات رقم 165 لسنة 1964، ونظام الطرق والابنية لسنة 1935 حيث لايتناسبان والتطور السريع ومكانة المواطن في المدن الحديثة ويؤمل الانتهاء منهما خلال السنة.
5 ــ رفع مستوى اعضاء المجلس البلدي واشتراك ممثلي المنظمات فيه.
6 ــ تقليل كلفة الخدمات البلدية عن طريق زيادة الكثافة السكانية في المدن وعدم بعثرة توسعاتها العمرانية.
7 ــ تجهيز البلديات بالاليات والمكائن الحديثة لاغراض التنظيفات والسقي والاطفاء وغيرها.
8 ــ زيادة واردات البلديات وتأمين الجباية الكاملة مع الاقتصاد في النفقات العامة والادارية وبهذا الصدد اود ان اشير إلى ان البلديات لا تسمح وارداتها بالصرف على الخدمات العامة باكثر من نسبة 1.500 دينار للشخص الواحد سنويا مقابل 3.0 دنانير لأقل مستوى مقبول من الخدمات وتصرف على المشاريع العمرانية ما معدله 1.00 دينار واحد سنويا للشخص الواحد، وهذا يمثل 1»5 ما يجب تخصيصه لتأمين خطة سليمة للنهوض باعمالها ومعنى ذلك انها تواجه عجزا قدره 15 مليون دينار سنويا فضلا عن ذلك فإن ميزانياتها مثقلة بالقروض التي تبلغ حوالي 16 مليون دينار وتشكل اقساطها مع الفوائد حوالي 16 من وارداتها.
وبطبيعة الحال. فان مشكلة بهذا الحجم لا يمكن ان تعالج بصورة فورية وعلى صعيد الوزارة فقط، وباعتبارها جزء من مشكلات عامة، فإن أثارها تمتد الى مجالات لتنمية القومية والسياسية المالية.
ولذلك فان حكومة الثورة قد عانت كثيرا للتخفيف من حدة هذا العجز، وذلك عن طريق تأجيل اقساط القروض المستحقة وفوائدها، وتخصيص مبالغ معينة ضمن خطة التنمية القومية لمشاريع عمرانية وصحية واعتماد منح ضمن الميزانية العامة لدعم موارد البلديات وهدف الوزارة هو الوصول بواردات البلديات الى المستويات المناسبة خلال اقصر وقت ممكن.

/7/2012 Issue 4253 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4253 التاريخ 17»7»2012
AZP07