هجرة الشباب العراقي .. الأسباب والنتائج – مقالات – صقر آل زكريا

هجرة الشباب العراقي .. الأسباب والنتائج – مقالات – صقر آل زكريا

في دراساتٍ علمية واجتماعية وإحصائية سابقة ،  أجرتها دوائر عراقية مُتخصصة منفردة أحياناً وأحياناً أخريات بالتعاون مع مكاتب الأمم المتحدة وخبرائها ، فقد كانت كُلّ المُؤشرات تدُلّ على أنّ الشباب أو أرباب الأسر العراقية ،  وحتى حدود سنوات نهاية سبعينات القرن الماضي كانوا يقفون في آخر التسلسلات من سجلات الدول الطاردة للخبرات والكفاءات ،  ناهيك عن العمالة التقنية ،  وذلك لأسباب عديدة تقع على رأس أولوياتها إصطباغ الحياة السياسية وتابعتها الحياة الإقتصادية والإجتماعية بالإستقرارشبه التام ،  واستحواذ سوق العمل العراقي على أغلب أعداد وطاقات خريجي الكليات والجامعات والمعاهد – فضلاً عن تمكن الإقتصاد العراقي المقبوض بيد الدولة بشكلٍ جادّ و مُؤدلج – من تحقيق طفرات إلى أمام وبوتائر تنموية متسارعة ،  وعلى نحوٍ خاص في القطاع الصناعي ،  الذي وصلت درجة نُمُوه السنوية بحدود 7 بالمئة وهذه بحد ذاتها من الوتائر الحسنة والمقبولة والجيدة ،  بحيث أدّت التخطيطات العلمية والمدروسة لكل من وزارة التخطيط و وزارة الصناعة بكُلّ ما تمثله كوادرها في الخبرة والوطنية ،  فضلاً عن فعالية المراقبة والمتابعة لبرامج التدريب والتأهيل ،  قد مكنّت الناتج الصناعي العراقي (الكمّي والنوعي) من الإحلال محل الإستيرادات .

وهذه القفزة بحدّ ذاتها هي القاعدة الأساس في إنطلاق قاعدة صناعية متينة و رصينة .

 أمّا القطّاع الزراعي ،  فكان يتقدّم ولكن بوتائر تقلُ عن وتائر نمّو القطاع الصناعي ،  وعليه ،  كان إقتصاد الدخل القومي العراقي من الإقتصاديات المُفعمة بالأمل في منطقة الشرق الأوسط والدول النامية ،  في زمنٍ كانت فيه دولتان من مثل تركيا و ماليزيا تحُثان الخُطى برتابةٍ وببطءٍ لم تتمكن على منواله من تحقيق تقدمٍ إلى أمام ( وقبل الطفرة الصناعية التنموية العظيمة في كلا البلدين ) .

هذا الأمر بمُجمله يقودُنا إلى إستنتاجٍ مُؤكدٍ أنّ حوالي 95 بالمئة من قُوى الشباب العاملة من أصحاب شهادات التقنية والجامعية كانت تجد لها مكاناً مُناسباً في مجالات توظيفية عديدة تستوعبها وتقدم لها دخلاً مناسباً ،  فضلاً عن قوة الدينار يومذاك بالمقارنة مع الدولار الامريكي والباون الإسترليني . مّذ كان الدينار = 3، 3349 دولاراً و = 523،  2 من الباون الإسترليني .

بناءً على ما سبق ،  ولغاية دخول العراق أتون الحرب العراقية مع إيران ،  وعدم تمكن أيٌ من الطرفين من التقدم بانتصارات حاسمة ونهائية ولمدةٍ من الزمن خرجت فيه عن طورها ،  وأخذت تطالُ أغلب سنوات الثمانينات ،  كُلّ ذلك الضغط قد أدّى إلى سحب قطاعات شبابية عظيمة وهائلة من خريجي الكليات العلمية والإنسانية لترى أنفسها وقد زُجّت في لهيب المعركة ،  الأمر الذي صار إلى توقفٍ في كثيرٍ من النشاطات الخدمية والصناعية والزراعية والتجارية . ومع ذلك لم يكُن يبدو على الإقتصاد العراقي أيّة آثارٍ مباشرة وملموسة في الزمن القريب لأسبابٍ كثيرةٍ ،  ومنها إنهماك المجتمع ومؤسسات الدولة في رفد ساحة الحرب بكل الناتج الصناعي والزراعي مع اللجوء إلى القروض والمساعدات واستخدام سياسة التقشف في القطاع المدني التنموي .  وإثر دخول العراق الكويت سنة 1991 والآثار العسكرية المتدهورة التي نتجت عن قيام التحالف الدولي بقصم ظهر قطّاع الجيش الرهيب بإمكاناته ورجوعه مقهوراً وخائباً ،  ومن ثمّ دخول العراق تحت طائلة العقوبات الإقتصادية الدولية ،  فقد جاء التأثير هذه المرّة شديداً وقاسياً وعنيفاً على قطاع الشباب العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في ظلّ نظامٍ سياسي مُحاصر واقتصادي مديون ومنهك وصناعة لا تجد بين أيديها مواد أولية خام ودخل إيرادات من تصدير النفط وتنفيق ريعه مرهون لدى الأمم المتحدة والقوات الدولية… فضلاً عن إنهيار قيمة الدينار العراقي الشرائية إلى درجةٍ متدنية تكادُ لا تُصدّق …

 ومن هنا إبتدأ العدّ التنازلي في حسابات عقول الشباب وفي تصرفاتهم وتخطيطاتهم للتفكير في هجرة البلد ومُغادرته والتفتيش عن أماكن أخرى من العالم تكون ً أكثرُ مناسبةً للسكن فيها والإقامة بين ظهراني أهلها . وفي تلكم الحقبة وعلى نحوٍ خاص كانت للشباب القدرة على الإنتقاء والإختيار في أمكنةٍ أكثر أمناً وأسهل منالاً للتفتيش عن العمل ،  فضلاً عن حالة الإستقرار والرفاهية التي تتمتع بها بعض الدول العربية ودول الأقليم المجاورة وفي كثير من دول أوربا وأميركا الشمالية … ومع كُلّ تردّي الوضع الإقتصادي في ذلكم العقد من السنين ،  إلاّ أنّ الحالة الأمنية السائدة وقتها -والحقُ يُقال – كانت تُعطي الترجيحات لدى قطاع الشباب أملاً في إمكان تحسُن الحالة الإقتصادية  في جعل التردُد في ترك الوطن يفوزُ على غيره من الخيارات .. ولو إلى حين  وبحُلول سنة 2003 وقيام التحالُف الدولي بقيادة الدولة الأعظم وهي الولايات المتحدة الأميركية باحتلال العراق وابتداء التخلخُل في البنية التحتية الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والإثنية والناطقية يأخذ دور الصراع العنفي والإقتتالي … فضلاً عن توسع قاعدة الصدام ما بين رافضي الإحتلال والقوات الامريكية ودخول الحالة أطوار شديدة العنف في المواجهات ،  ناهيك عن قيام سلطات الإحتلال بحلّ مُؤسسات كثيرة – أمنية وعسكرية و ثقافية و إعلامية – قد دفع بمئات الآلاف من الشباب ومن الرجال القادرين على العمل والموظفين إلى النزول إلى الشوارع بدون عمل تتقاذفهم المقاهي ويقتلهم الفراغ والبطالة وتنهشهم الأفكار المُتضاربة التي أخذت تتناقلها الصحف و وسائل الإعلام والفضائيات من كلّ صوبٍ ومن ما هبّ و دبّ ،  فصارت وسائل الإعلام هي سيدة الموقف والعنصر الفاعل في تسيير عقول الشباب ومن هم في حكمهم ،  كُلّ ذلك جاء متوازياً مع تدمير البنية التحتية لمستلزمات التنمية ، مع توقف شبه تام لعجلة الصناعة المدمرة وانتشار الفوضى وسيطرة قعقعة السلاح على ما عداها من وسائل الحوار والتفاهم … ليفيق الجميع في يومٍ ما من أثر الصدمة الهائلة وقد وجدوا أنفسهم يقبعون على بقعة أرضٍ كانت إلى ما قبل فترة وجيزة تسمى بالوطن ..! أمّا اليوم فقد شاهدوا بأمّ أعينهم أنّ ما حلّ بالبلد من خراب وما يمكن أن يحلُ به لاحقاً كما أثبتتهُ دلائلُ الأيام الفائتة و اللاحقة من سيطرة الخوف وسيادة لغة الرصاص والمُفخخات ،  قد غدا أمراً واقعاً لا مفرّ منه في حساب مئات الآلاف من أبناء الأسر شباباً ذكوراً وبناتٍ إناثاً ومن مختلف الملل والنحل والقوميات والطوائف .

 وعلى وفق مُستندات ما ذكرنا ،  فقد كان لطبقة حملة الشهادات والمُؤهلين من خريجي الدراسات العُليا وفيهم الأطباء والمهندسين والإداريين وخريجي الأقسام العلمية في كليات التربية والعلوم القدح المُعلّى في الإصرار على الهجرة بأسرع ما يمكن وكلّما توافرت الفرص المناسبة … حتى صارت دول الجوار (الأردن وسوريا ومصر وتركيا) القدمة الأولى والملجأ المناسب والمستوعب لمئات الآلاف من الشباب في سعيهم المُستميت للفتيش عن عملٍ والقبول بالحدود الدنيا من الأجور والرضا مجبرين بكل ترديات وسائل العيش وأبوابه.. إلى حدّ مستوى الكفاف ..!! كما نجد ضمن تلك الشريحة من الشباب المفتشين عن عمل ،  من كان صاحب طموحٍ لا يُحدُ مُذ حسم أمره أن يجعل من التجربة الأولى في دولٍ قريبةٍ خطوةٍ أولى ورقماً أولياً ، دعاهُم بعد مزيدٍ من التفكير والجُرأة والدُخول في معترك المغامرة بخطواتٍ أبعدُ مدىً ليقتنصوا الفرص في الهجرة إلى دولٍ من مثل أوروبا وامريكا وبعض دول منظومة الإتحاد السوفياتي (سابقاً) لأجل الدراسة أو لأجل الإقامة والمعيشة والإستقرار المؤقت والدائمي .

وفي محاولة جادّة لتقنين الأسباب الحقيقية والمُؤطرة لهجرة الشباب – على نحوٍ خاص- ضمن دراسات عديدة قامت بها أكثر من جهة محلية وأجنبية ،  سنتمكن من إدراجها ضمن مجموعة أولويات وكما يأتي :

 1- الوضع الأمني المُتردّي وعلى نحوٍ خاص بعد سنوات 2007 تجنباً لموتٍ مُحقق وعلى كُلّ شبرٍ من أراضي العراق دونما تمييز ،  سواء من هم كانوا في حالة إستقرار مناطقية ،  أم أولئك الذين يرومون التنقل بين المحافظات سواء من أجل دراسة ،  ومن أجل فرصة عمل ،  أم من أجل التجارة والتبادل البضائعي في قطاعات الجملة والمفرد . وهنا قد يدخُلُ عنصراً مهماً إلى أطراف المعادلة في أسباب الهجرة هو دور الكثير من الأسر العراقية في تشجيع أولادها على الهجرة ودفعهم دفعاً في هذا الإتجاه ،  خوفاً عليهم من موتٍ أكيدٍ أو مُحتمل .

2- إنحسار فُرص العمل المناسب وخصوصاً لدى قطاع الخريجين من حملة الشهادات الجامعية للسنوات الحالية في التخرج ،  أو أولئك خريجي السنوات المنصرمة من الذين لم يعد لديهم أيّ أملٍ في الأفق في إيجاد فرصةٍ للعمل ،  مُذ سيطرت على مجالات التعيين والتوظيف جهات سياسية ومنظومات حزبية جعلت من مفهوم المُحاصصة السياسية والطائفية منهاجاً للمُحاباة في توزيع مقاعد الوظائف ،  الأمر الذي حرم الكثير من شرائح الشباب من فرص العمل في بلدهم العراق ..! فركب الشباب رُؤوسهُم وفقدوا كُلّ آمالهم وشدّوا الرحال إلى بلادٍ مجهولة ،  تصوروا في مخيلتهم أنهم سيشعرون على أرضها بالدفء والرعاية تحت ظلال قوانينها وأنظمتها ،  ناهيك عن الحرية المفقودة في بلدانهم كُلاً أو جُزءاً …

3- وقد تكونُ للضُغوط النفسية التي قد تعرّض لها الشباب العاطل في عدم تمكنّه من الحُصول على دخلٍ نقدي يُعينُهُ على الزواج وعلى تأسيس أسرة خاصة به ،  فضلاً عن الإغراءات العديدة التي تقدمها كثير من دول العالم المُتقدم للشباب من حملة الشهادات العُليا ،  ناهيك عن سعي قطاع شبابي آخر للهجرة من أجل الدراسة والحُصول على مُؤهل جامعي لم يكُن قد تمكن من الحُصول عليها في بلده لأيّ سببٍ كان …

 خاتمة

 إنّ من أهم النتائج السلبية لقضية هجرة الطاقات الشبابية والتي تقع في أعلى سُلّم الضرر ، هي خُسران البلدان الطاردة ،  الشباب من الفئات العُمرية الأكثر قدرةً على العمل وعلى العطاء ،  بعد أن وصلوا إلى مراحل إبتدائية أو متقدمة من التأهيل ،  يمكنُ أن يكونوا قوة داعمة للبلد المُستقبل لهُم ،  بعد ان تأهلوا في بلدانهم الوطن الأم . ناهيك عن تسبب الهجرة في تفكيك أعطاف الأسرة الواحدة وتماسكها الإجتماعي والأواصري جرّاء توزع كثير من شباب الأسر وأولادهم بين حُدود دول متعددة تقع على خارطة العالم ليس من السهولة بمكان من حصول اللقاء بينهم أو إعادة تجميعهم ،  ولا وجود لرابط بينهم غير الهواتف الجوّالة واتصالات على مواقع التواصل الإجتماعي لن تعوضهم بأي حال من الأحوال عن الحنان المطلوب فيما بينهم و الأجيال الجديدة المولودة في بلاد الهجرة ،  سواءٌ في الظروف الإعتيادية التي هُم عليها اليوم أم في واقع لقاءات قريبة ومتواصلة .  وتبقى مشكلة هجرة الشباب عن بلدهم العراق لوحدهم أو برفقة أسرهم تشكلُ اليوم نسبة عالية ضمن قوائم النزوح والهجرة العالمية ،  بل يمكن أن تكون والهجرة السورية من أعلى نسب النزوح الخارجي في العالم ،  وستظل الأسر العراقية تُعاني من مشاكل الفراق والأمل الخادع في العودة في يومٍ من الأيام على لقاءات قد تكون مُؤجلة وقد تكونُ أبدية …! ويظل المواطن العراقي من الشباب يعيشُ ما بين قوانين سائبة وفالتة في برامج توظيف وتأهيل وطنية ،  وبين طموحات الأفراد في مُستقبلٍ آمن ومُّرّفه . ومن طرفٍ آخر فإنّ موضوع الهجرة في رأينا يحتاجُ من مُنظمات الأمم المتحدة أن تعطيه دوراً أكيداً وفعّالاً في إحصائياتٍ منتظمة ودقيقة في توثيق طبقات المهاجرين ومواقع توطنهم الجديد ومناطق نزوحهم من العراق جُغرافياً مع التغيرات السنوية الحاصلة على مواقفهم ،  كيما يتمكن الجميع من التعرف على إخوة وأنسباء وأصدقاء ومعارف توازعوا بين أربعة أطراف المعمورة … وهذا في ظنّنا المُتواضع ليس على منظمة دولية لها كوادرها وميزانياتها العظيمة المالية والإدارية … بمُستحيل …