
رافد جبوري
واشنطن
الاستقالة لم تكن ابدا في جيب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي كما اشيع ونقل عنه مع استلامه لمنصبه العام الماضي. لم يقدم استقالته الا بعد ان فقد دعم الجهة التي اوصلته الى رئاسة الوزراء وهو المبتعد عن الحلبة السياسية وغير المرشح اصلا للانتخابات البرلمانية.
كتبنا اكثر من مرة منذ استلام عبد المهدي لمنصبه بان حكومته ستكون حكومة بلا شهر عسل. فعلى عكس سلفيه المالكي والعبادي اللذان تحججا دوما بوجود وضع امني متدهو وحروب واضطرابات, اتى عبد المهدي في مرحلة هادئة نسبيا. لكنه توهم ان هذا الهدوء النسبي الذي ميز فترة رئاسته سيدوم ليبقى في منصبه لاربع سنوات يلوح فيها بين فترة واخرى عن استقالته الجاهزة وزهده المزعوم بالمناصب. لكن اندلاع انتفاضة تشرين وتحولها الى ثورة كان هو الاختبار الحقيقي. كان بامكان عبد المهدي ان يعلن استقالته منذ الايام الاولى للانتفاضة ومع القمع الوحشي الذي تمت ممارسته ضدها لكنه ظهر في سلسلة خطابات بائسة حاول فيها ان يربط بين بقاءه في حكومته وبقاء الدولة نفسها. الدولة التي ثار المتظاهرون بحثا عنها وسعيا لاقامتها بعيدا عن نظام الفساد والطائفية المتهم بالفشل في اقامة دولة حقيقية يكون اساسها الانسان والمواطنة او حتى ما هو ادنى من ذلك من المعايير.
استمر القمع واستمرت خطابات عبد المهدي وغيره من زعماء الطبقة السياسية تشيطن المتظاهرين تارة وتحاول خلط الاوراق باعلانها الزائف تأييد التظاهرات مع التحذير من اخطار المندسين والاجندات. تعددت ايضا وعود عبد المهدي وخطاباته التي كانت شوارع بغداد والمحافظات الجنوبية تتلقاها بسخرية وغضب يزيد من اشتعال التظاهرات.
اما خطابة الاخير فيستحق الانتباه لانه كان الاقوى لهجة وكان واضحا بان عبد المهدي بات يشعر وهو مخطئ بقوة اكبر. فقد تعهد في ذلك الخطاب بالتصدي بحزم لما سماه بالفتنة و تحدث مرة اخرى بتركيز اكثر عن ادعاءات وجود مندسين بين المتظاهرين بات التصدي لهم ضرورويا ووشيكا. جاءت النهاية مثل بداية عائلة عبد المهدي شبر المنتفجي, نسبة الى المنتفج وهو الاسم السابق للمنطقة التي تضم محافظة ذي قار حاليا. فقد تحدرت تلك العائلة من الناصرية التي اتى منها عبد المهدي المنتفجي والد عادل وجيها ووزيرا في العهد الملكي. فبعد زيارة لعبد المهدي الى الناصرية مركز المحافظة تصاعدت اعمال القمع وحدثت المذابح المعروفة. بان تخبط عبد المهدي حينما استدعى عزل الجنرال جميل الشمري صاحب السيرة المعروفة في قمع تظاهرات سابقة. تصاعد القمع في النجف ايضا وفي بغداد, لكن صمود المتظاهرين كان دائما قويا ومؤثرا على الاحداث ومساراتها. لكن عبد المهدي لم يكن ليستقيل لولا النداء الصريح الذي جاء من ممثل المرجعية الشيعية العليا للبرلمان العراقي بان يغير الحكومة. ضج انصار المرجعية الشيعية ومن بينهم اولئك المنتقدون بشدة للتظاهرات بالاحتفاء بها وبتدخلها
, في المقابل ضج المتظاهرون ومعظمهم من الشيعة ايضا بالاحتفال فيما اعتبروه نصرة وخطوة مهمة تحققت. نفت المرجعية بعد ذلك انها ايدت تقلد عبد المهدي لمنصب رئاسة الوزراء من الاساس لتكتمل صورة رئيس الوزراء المهزوم المندحر الذي يتخلى عنه الاخرون على عادل عبد المهدي. اما اسئلة المحاسبة عن مقتل مئات المتظاهرين وجرح الالاف وكل ما جرى منذ اندلاع الانتفاضة فتبقى مطروحة. ليس من المرجح ان تتم اي مسائلة حقيقية لعبد المهدي الا اذا نجحت الانتفاضة في التحول الى ثورة منتصرة وهي اليوم في طور الثورة المستمرة التي تواجه التحديات والمشاكل وامامها طريق ليس سهلا رغم كل الدماء التي اريقت.
يقف العراق اليوم على مفترق طرق حقيقي. القوى التي ايدت عبد المهدي لن تسمح لسقوطه بان يكون سقوطا لها. اول ما تعمل عليه تلك القوى هي التدخل في تحديد بديله. هذا البديل الذي يفترض ان يكون رئيس وزراء انتقالي مؤقت. سيكون من الصعب الاتفاق على شخصية تتوافق عليها القوى المؤثرة على الحكم في العراق ويرضى بها المتظاهرون.
اما عبد المهدي الذي لم يكن في الحقيقة اسوأ سياسيي مابعد الفين وثلاثة، فقد كانت امامه فرص ليعكس فعلا شخصية رجل الدولة التي كان يجب ان يرتقي لها لكنه لم يفعل. بدلا من ذلك سيتقلد موقعه البائس في تاريخ مابعد الفين وثلاثة فهو اول رئيس وزراء يسقط في انتفاضة شعبية رغم تعدد التظاهرات التي انطلقت ضد اسلافه. كما انه يغادر ويداه ملطختان بالدماء اكثر من اي رئيس وزراء اخر, رغم ان اتهامات كثيرة وجهت اليهم جميعا بدرجات مختلفة. سيقاوم عبد المهدي اي فكرة لمحاسبته قائلا بانه لم يكن ابدا وحده بل كان جزءا من نظام وسلسلة وشبكة متصلة متواصلة. في هذه على الاقل, قد يكون على حق فعلا.

















