نهابة: لكل خطوة بداية والطريق قد يتسع وربما يضيق

نهابة: لكل خطوة بداية والطريق قد يتسع وربما يضيق

منذ تفتحّت في هذا العالم أدركت السلّم الوعر

شكر حاجم الصالحي

في حوار طريف وصريح مع الشاعر والكاتب والمترجم العراقي حسين نهابة .. الذي استهل حديثه بالحنين الى مسقط رأسه بالقول ..

   في غروب خريفي مُبلل بالحنين من يوم 14/10/1966 في محلة “الكراد”، وضعتني امي في الغرفة الوحيدة المتكئة على سياج الجيران الآيل للسقوط في الطابق العلوي، كانت الولادة آنذاك تشكل اعراساً حقيقية حين تكون داخل ازقة ضيقة ومناطق شعبية، لكن حالتي كانت مُختلفة بعض الشيء مما اضفى عليها نكهة أخرى اكثر كرماً.في احد ايام خريف عام 1972 ايقظتني امي واخذت بيدي الى الحمامات وقالت لي “من الآن ستغتسل بنفسك لأنك اصبحت رجلاً”. لم افقه وقتها كل كلامها. البستني بدلة رمادية وعلّقت على ظهري حقيبة سوداء فيها بعض اقلام الرصاص وممحاة ومبراة ودفترين وعلبة هندسية صغيرة. استعجلني ابي بالخروج بعد ان انتهينا من الفطور الصباحي ووضعني على دراجته السوداء مجتازين غابات النخيل عبر طريق ضيق للمشاة. ورأيت في طريقي الكثير من زملائي الذين كنت العب معهم فأحييهم بيدي مبتسماً غير عابئ بما يحدث لأن ابي برفقتي، وكان هو ايضاً يحيي النساء والرجال الذين يرافقون اولادهم وبناتهم في اول يوم دراسي ويضغط على جرس دراجته الصغير الذي يُصدر اصواتاً حميمة ليفسح له المشاة، الطريق. ونصل الى مدرسة واسط الابتدائية فيودعني ابي بقبلتين باكيتين على الخد ويلّوح لي بيده ويرحل بعد ان سلّمني الى ساحة المدرسة الوسطية. اتلفت فلا اجده. تخنقني الغصة، كنتُ وحيداً الاّ من ضجيج تلاميذ لا أعرفهم. ويسألني رجل طويل باسم عن اسمي، فأجيبه بدموع ونحيب، فيأخذ بيدي الى الصف الأول.

وفي عام 1975 انتقلت مع عدد كبير من زملائي الى مدرسة الجمهورية الابتدائية المقابلة لمدرستي القديمة. علمتُ فيما بعد ان مدرسة واسط تم الغاؤها.

وبسبب الذاكرة الخائنة، لم اعد اتذكر للأسف الشديد من اساتذتي المبجلين سوى استاذ “عبيد سلمان البكري مدير المدرسة بقامته الفارعة، واستاذ “راضي عبود الدليمي/لغة عربية” واستاذ “عبد الحسين اسماعيل/ لغة انكليزية” واستاذ عبد زيد كاظم حسون” لغة عربية” واستاذ “زهير ناهي فليح/لغة عربية” واستاذ “عذاب جاسم حمادي/الفنية” واستاذ “صالح عبد الحسين علي/ أمين المكتبة”.

في بداية العام الدراسي في مدرسة الجمهورية، أُنتخبتُ قدوة الصف فوضع المدير حول صدري شريطاً ابيض، وصرتُ من يومها مراقب الصف. وبعد منتصف السنة اختارني مدرس الرياضة لأكون مسؤولاً عن طاولتي كرة المنضدة اللتين كانتا تنتصبان في الممر القريب من الإدارة.

دعانا استاذ “زهير” الى الخروج معه، وصعدنا في صف واحد مُنتظم الى الطابق الأعلى حيث فتح باب قاعة كبيرة. كنتُ أول الداخلين بوصفي القدوة والمراقب الذي يقود طلاب صفه، فباغتتني رائحة ظلت عالقة في روحي حتى هذه اللحظة وستظل. كانت الرائحة الزكية لغبار ورطوبة الكتب المرصوفة على رفوف تصل الى السقف العالي ومن الجهات الاربع. اوصانا المعلم ان نختار من رف أشار بيديه اليه، كتاباً لكل تلميذ على ان نحافظ عليه ونُرجعه كما هو. كنتُ محظوظاً حين كانت “أنّا كارنينا” اول رواية وقعت بين يدي العذراء. قرأتها غير مدرك للسطور التي كانت عيناي تتنقلان بين حروفها، واحببت المجهول الذي انا مُقدم عليه من دون ندم ولا عودة. وصار درس “القراءة والرياضة والرسم والموسيقى” اجمل الدروس واحبّها الى قلبي الهش. وفي اليوم التالي طلبت الى معلمي بخجل ان اذهب الى المكتبة، وعدت الى قراءة الرواية من جديد لكن ببطء شديد. ومن يومها لم تغادرني تعويذة القراءة.

وفي العطلة الصيفية لمرحلة الخامس الابتدائي وبينما كنت اعيد كتابة مادة القراءة والمطالعة في الممر الخلفي لبيتنا قريباً من تنور امي التي كانت تُطعمني منه الخبر الحار مع بعض المربى والقيمر، طالعت نهمي الشديد في الانكفاء على الدفتر، وصارت تقتني لي الدفاتر لأكتب. وبعد ايام كتبت بضعة سطور عن لهيب تنور امي ومزقتها، ثم بدأت اكتب ما اتذكره عن الاشياء الغريبة التي صادفتني على شكل مرويات بدائية جداً وامزقها حالما انتهي من كتابتها.

اكملت الدراسة الابتدائية بتفوق. وفي عام 1978 انتقلت الى “متوسطة صفي الدين” وفي العطلة الصيفية من عام 1979 قضيت يومين متتاليين في غرفتي اكتب في دفتر مدرسي ازرق اللون، رواية اسميتها “الحياء العاصف” استلهمتها من المسلسلات المصرية التي كانت تُعرض على القناة الوحيدة في تلفزيون العراق. وبثقة غير معهودة، طلبت من اقاربي دكتور “صبري مسلم” الذي كان في زيارة لبيتنا، ان يصحح لي الرواية ويقيّم ان كانت صالحة للنشر ام لا. كانت المخطوطة “تفتقر الى مقومات الرواية وقصتها مطروقة كثيراً، لكني اشد على يديك في بعض التعابير المتينة وبعض السبك اللغوي. انها لا تصلح للنشر. اقرأ قدر ما تستطيع” قال لي د. صبري مسلم. كلماته عززت ثقتي بنفسي. وما زلت نادماً على عدم احتفاظي بالمخطوطة.

وبدخولي اعدادية الحلة للبنين عام 1980 كنت احمل هوية “صديق” مكتبة الحلة المركزية الكائنة بجانب الاعدادية في منطقة القاضية لأني كنت اقضي في قاعاتها المبرّدة الأنيقة، الايام التي لا اجد فيها عملاً في العطلة الصيفية.

الدراسة الادبية

واخترتُ بقرار مني وليس بتدخل من اهلي، الدراسة الادبية تماشياً مع ميولي الروحية. وفي الصف الخامس الادبي حصلت على اعفاء عام بجميع الدروس، وهذا ما لم يحصل الا نادراً في التخصصات الادبية في اعداديات العراق. وفي مرحلة الخامس الادبي، رجوت استاذ مادة الانكليزي “هادي جبر” ان نقوم معاً بترجمة روايات عن اللغة الانكليزية لأني كنت اتكلمها وقتذاك بصورة جيدة جداً، فابتسم بلطف معتذراً بضيق الوقت.

وفي العام ذاته اشتركت في مسابقة القصة القصيرة للشباب على مستوى العراق لمجلة “الف باء” وفزت بالمركز الثالث وتم نشر قصتي فيها، ومرة ثانية اشعر بأسف شديد لعدم توثيقي نشاطاتي الادبية آنذاك.

وفي عام 1984 كنت مُنبهراً بالأجواء الجامعية في كلية الآداب/قسم اللغات/فرع اللغة الاسبانية في جامعة بغداد في منطقة باب المعظم، اللغة التي اخترتها في اول قائمة للتقديم حتى استمتع بالتاريخ الاندلسي وحدائق قصور غرناطة.

وفي المرحلة الثانية كنت اتكلم الاسبانية مع اساتذتي بعد ان ادمنت الذهاب الى المركز الثقافي الاسباني الكائن في شارع المغرب كل مساء بعد الانتهاء من المحاضرات الدراسية في الكلية وحضور جميع الفعاليات التي كان يقيمها المركز. وبدأت اترجم عن اللغة الاسبانية قصصاً قصيرة للأطفال نشرت لي مجلة “مجلتي” ثلاثاً منها.

وفي مرحلة الثالث، قمت باستعارة رواية مصورة للصبيان من المركز وقمت بترجمتها الى اللغة العربية. ويبتسم مدير دار ثقافة الأطفال في وزارة الثقافة والأعلام العراقية (فاروق سلوم) حين يتفاجأ بجرأة الطالب الخجول لمقابلته وعرض فكرة طبع ونشر الرواية في داره. دعاني لمقابلته ثانية بعد شهر حتى يتمكن من قراءة رأي لجنة التقييم. وبعد شهر تسلمت مبلغاً ضخماً جداً بالنسبة لطالب، عن ترجمة رواية “البحّار الصغير” عن اللغة الاسبانية.

كانت فرحتي لا تُوصف في انتظار هذا الكائن الجديد الذي سيحمل اسمي، والبذرة الأولى لتراجم كثيرة لاحقة في بيدر اللغة.

وفي عام 1988 تخرجت ضمن أول دفعة من كلية اللغات قسم اللغة الاسبانية بتفوق، بعد ان انفصلتْ من كلية الآداب عام 1986 واصبحت كلية مستقلة.لم تفارقني اللغة ابداً. كانت معي في البيت وفي السيارة، في الليل وفي الفجر، استمع بشغف الى اغاني “خوليو اكليسياس” وكل ما اعثر عليه من اغاني غجرية ومطربين من اميركا اللاتينية.

وفي عام 1993 توفي اخي الصغير “صفاء” اثر حادث مؤسف، وعّم  الحزن في ربوع البيت ولم تنقطع دموع والدتي، فكان زواجي عام 1994 لتجاوز هذه المحنة. وعاد بيّ الشوق الى زمن تنور امي التي انقطعتُ عنه، ومعه عادت نوبات الحنين الى عالم مجهول شرعت اعبر عنه بكلمات. كانت الحروف تنثال تحت اناملي بوابل من حزن دفين لم يفارقني ابداً. وما زلت احتفظ بقصاصات لملمتُ بين طياتها ما بدأته منذ صغري ولم اطلق عليه تسمية الا بعد سنوات حين وجدت نفسي مأخوذاً بقصيدة النثر.

كنتُ مُحباً للدراسة واللغات وعكفت على تعلم اللغة الايطالية والفرنسية من خلال كتيبات “كيف تتعلم اللغة في شهور” وتأججت رغبتي في دراسة الادب واللغة الانكليزية، وتخرجت بتفوق عام 2004 من كلية التربية – جامعة بابل، الدراسة المسائية.

{ بعد هذه الرحلة الكتابية والقرائية المُتخفية، تدخل متأخراً بخجل الى المعترك الادبي؟

– اعشق الاستقلالية منذ صغري. انا هاوٍ للشعر ولم ولن افكر في ان تكون مهنتي الكتابة، اذ احببت ان ابقى في الظل، برغم ان وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس وتويتر والانستغرام اتاحت لي معرفة الاخرين وتقريب المسافات في هذا العالم الشاسع. لم اغفو يوماً والاّ ونامت قصيدة على صدري قد تكون فجراً ليوم جديد ومغامرة جديدة، ابللها بوجعي في اليوم التالي لتغفو ثانية بين عيون القرّاء من دون تخطيط.

من خلال متابعاتي لإصداراتك التي انجزتها، لاحظت تعدداً في الاهتمامات. كيف تجد الوقت الكافي لكل ذلك؟

** العمل بالنسبة لي منظومة حياتية كالهواء، لكن الثقافة والادب نافذة لا يمكنني الاستغناء عنها مطلقاً. كانت فترة التسعينيات وبدايات القرن الحالي ولغاية 2007 ماكينة مغلقة للعمل الشاق الدؤوب، فكنت اسرق من الليل ساعات اطالع فيها بشغف واكتب حتى يهدّني التعب، فأنام. فيها قرأت الكثير من الروايات والدواوين والكتب التاريخية، ومنها ملأت صفحات ترجمية وشعرية وقصصية خبأتها لعام 2008 حين تراجعت فرص العمل دون ارادة مني وصار لديّ المزيد من الوقت، فقررت ان اكتب على صفحات التواصل الاجتماعي بعضاً من قصائدي الشعرية، وان اطبع وانشر كل الروايات التي ترجمتها عن اللغة الاسبانية، وان اجمع ما كتبته في دواوين شعرية، وان اشرع بكتابة المسرحيات والقصص ومشروع رواية لم يكتمل بعد. كنت انام من اليوم بأكمله حوالي 6-8 ساعات فيما يتوزع الباقي بين عمل وقراءة وكتابة.

{ وماذا حصدت؟

– لم افكر يوما بالحصاد المادي مطلقاً. كان يكفيني حبوراً ان يستقبلني قارئ في قارة اخرى وقد يكون في مكان قصي لم افكر به يوماً، والقلم بين يديه مُبتسماً ان أُهدي له بعض قصائدي او مطبوعاتي. كنتُ مدعواً اينما اضع قدمي. وتلك كانت هبة الله الكبرى.

{ كيف ترى المشهد الثقافي الراهن في بابل وفي عموم الوطن؟

– الثقافة والكتاب في بابل وفي عموم العراق، تعويذة ترافق العراقي اينما حل. لا تكاد تخلو محلة او شارع تجاري او منطقة من نكهة الأدب. عند جلوسك على كرسي مصفف الشعر ستجد من يناهضك الرأي مستشهداً بقصائد من الأدب الجاهلي وشعر الحلاج. في المقهى سيجيئ رفيق الأريكة ليضيف لك مع السكر، ملعقة من أدب الرحلات. في السوق الشعبي، ستجد بائع ملابس الدرجة الثانية، يبيعك مع بضاعته، بضعة من حياة بودلير فتشاركه مشترية عابرة ببيتين من قصيدة النثر الحديث. العراق يقرأ ويكتب ويطبع. وانا فخور جداً بهذا الفيض من المترجمين والشعراء والكتاب والمسرحيين والقرّاء في بابل خاصة وفي العراق بشكل عام، اذ لا تخلو محلة من شاعر او أديب او قرّاء في أقل تقدير.

{ ما رأيك بما يُكتب ويُنثر من نصوص “قصيدة النثر” التي انتشرت مؤخراً؟

–  لولا التربة المُترعة بالأذن الموسيقية المُتذوقة، ما انتشرت قصيدة النثر. القارئ يحتاج احياناً ان يخرج من عقال القافية والوزن… يحتاج ان تطرب اذناه بسماع نغمة كلمات هادئة وتميمة قصيدة يجد فيها نفسه، خيبته او فرحته. نحن لا نكتب لنا، بل للقارئ، ونسطر ما يروق له لنشاركه يومه ووجعه ولحظات جذله. اشدّ على يد كل مَن يجد في نفسه الجرأة لكتابة قصيدة او مقطوعة يُذهب بها خيبة الآخرين وحزن عيونهم.

{ بوصفك مترجماً”، هل اقتصر جهدك على الترجمة من اللغة الاسبانية باعتبار تخصصك الأكاديمي، ام تترجم عن لغات حية اخرى سيما انك اصدرت مسرحيتين تاريخيتين عن سقوط الأندلس؟

– غالباً ما يكون للوليد الأول، عبير زاهر عسير على النسيان. كان الأدب واللغة الاسبانية اول دراسة جامعية لي بما تحمل من نداءات خفية للعبور الى الشاطئ الأجمل. كانت اللغة التي أرتني هضبة عبد الله الصغير ومفتاح الأندلس الصدئ الذي سلّمه الى الملك فرناندو في يوم غائم، ارتني نهر (تاجا) في طليلطة، والتيه الكبير في قصر الحمراء في غرناطة, فهل تتكرر مثل هذه اللحظات؟ وهل لها ان تُنكر وتُستبدل بالأدب واللغة والانكليزية التي تخرجت من اروقتها فيما بعد؟ هل تعتقد ان الجحود يصل بالإنسان لهذه الدرجة ليشيح بوجه عن حبيبته الأولى؟ انا اتكلم اللغتين، لكني أرى ان من المحرّم عليّ ان اطلّق اللغة الاسبانية، ان نويت ان اترجم حرفاً واحدأً عن اللغة الانجليزية، الاّ ما يضطره الواجب والظرف.

عن الحكم الأندلسي كتبت مسرحيتين: الأولى كانت تحمل اوجاع عبد الله الصغير الذي باع الاندلس في لحظة طيش، حملت عنوان “زفرة العربي الأخيرة” وهي الهضبة التي وقف عليها آخر ملوك الأندلس عبد الله الصغير وبكى بدموع سخية بعد ان سلّم مفاتيح الأندلس وغادرها مُحمّلاً بالهدايا الثمينة وبالندم، والتي ما تزال قائمة الى الآن. والثانية تبرقعت باسم الأم المناضلة التي حاولت عبثاً بجهدٍ ثري وصراع سلمي جبّار للمحافظة على ابنها ومملكة الأندلس “عائشة الحرة” والتي ما يزال الاسبان يحترمونها ويحافظون على اسمها من خلال مرقد صغير في حي البيازين، لأنها كانت مثالاً للمرأة الحرة.

{ ما مشاريعك المقبلة ؟

– اتمنى ان يُتاح لي الوقت. التزامات العمل والشؤون الاجتماعية، تغتصب ساعاتي في اثناء النهار، ولا املك الاّ الاذعان لما يُفرض عليّ. عقلي يضج بالكثير، لدرجة يُسهدني هذا الفحيح الذي اعشقه ولا استطيع ان ارد له طلباً.

{ لو خُيّرت بين كتابة الشعر والقصة والمسرح والترجـــمة، ايهما الأقرب الى ذائقتك؟

– لابد للنبع ان يصب في نهر او جدول. جميع الفنون الأدبية التي ذكرتها، تُثير فيّ ترانيم عشق لا تنتهي، لكن نفسي التوّاقة ابداً لشعلة مجهولة، تتوهج في بيدر الترجمة. اعتقد ان هناك انامل قدرية تعبث بي وترميني في اوردة الترجمة التي تزدحم بها رحم قابلتي.