نقد غير موضوعي في الأدب اللامقارن عن مروان ياسين الدليمي

نقد غير موضوعي في الأدب اللامقارن عن مروان ياسين الدليمي
تاجر العوسج والصبار
أياد آل عبــَّار
لا شكَّ من أنـَّك فنـَّان، فقد تعلـَّمت الكثير من الفنون فنُّ التجارة، السرقة، اللعب بالنرد، التجسس، البوح بأسرارك وأسرار الآخرين، التقمُّص، حضور الحفلات التنكرية، تعلـَّمت أن تقول ما لا تريد وتريد ما لا تقول، صرت مخرجاَ لحكايا عن ألف ليلة وليلة. تحكي عن السندباد ورحلاته السبعة، تدرَّبتَ على القتال وأصبحت محارباً ـ مصارعاً ـ عبداً، لا يدري عمـَّا وعمـَّنْ يدافع ولكنه ربـَّما يفعل ذلك ليُبقي على ما تبقى من النفس، تختفي لبعض من الوقت وتمتهن ما لا يخطر ببال أحد، تمتهن الأدب المستعار، ترفع علم الجاني على نفسه، إنـَّك تصنع أوانٍ فخارية، تصير حدَّاداً متفانياً بعمله يصنع أقنعة الإرتجال، تعصر خمراً، زيتاً، تبيع ثلجاً لسكان آلاسكا. يا لك من فنان. وإنَّ من البيان لـَسِحْراً
التاجر يدخل في سوق يعرفها ولا تعرفه، يتجول فيها من أولها حتى آخرها، يبيع ويشتري، يقايض ويغبن، يحايل ويماطل، يغافل ويبدِّل، يشتري بأبخس الأسعار ويبيعُ بأعلاها، يجعل أذناً من طين وأخرى من عجين عندما يواجه مزايدة أو مناقصة على سِلـْعَةٍ يريدها وفي آخر المطاف يصرخ بكلمته المعتادة إشتريت.
يعود إلى متجره ومعه عشر جمال محمَّلة بأحلى وأقوى وأعمق الكلمات، يغسلها، ينشرها على حبل الغسيل، ينتظر أن تجف ثم يصفها، يعزلها، يـُنـَقـّيها، يفصلها ويركَّبها، يهندمها بالسوط وبالصوت، بالرصاص والجروح، بالدمع وبالحسرة والآهة، يلفها بشرائطٍ من الأمل واليأس، من الحزن والألم.. ثمَّ.. في اليوم الثاني ينثرها حتى تصل سماء الخوف السابعة.
راحِلـُونَ
إلى براهين الكدمات
في أضْلـُعِ اللَّيل العراقي
وهو يـَلـْوي عُنـُقـَه…
السارق عرف صاحبنا انَّ مهيار الديلمي وهو أحد أجداده وابن عبد ربه والثعالبي والكثير من الآخرين الذين امتهنوا الشعوذة وسحر البيان والأخذ بعقول المساكين والذين لاحول لهم ولا قوة إلا َّ أن يخضعوا لهم ويأكلوا مما تصنع عقولهم وأيديهم المضرَّجة بدماء الكلمات وأمهات الفكر ويتامى الحروب والويلات، عرف صاحبنا أن كل هؤلاء قد اجتمعوا في أحد خانات المدينة وكل معه كنزه تهيأ صاحبنا فلبس خُفـَّيْ جنـِّيّ ٍ وعِمامة الحجاج الحمراء. وفي عمق الليل داهم الخان وسرق وقتل ونهب، لم يُبْق ِ شيخاً ولا ولداً ولم يَنـْجُ منه كنزاً ولا تلداً، سرق جدّهُ مهيار بعد أن أطاحَ بهِ وعلـَّق إبن عبد ربه من أذنيه بعد أن أخذ صندوق خشب الأبنوس الذي فيه العقد الفريد، ثم يتـَّمَ يتيمة الثعالبي، وبعد تأكّده من أن عمله قد تمَّ ولا أحد يقتفيه، أخذ جواده وطار بين غيوم الجروح وقساوة الغربة، بين نيران الغزو والحروب والغدر والخيانة لم يستسلم ولم يدع أحدا يسطوا على غنيمته وعندما وصل الى مخبأه فرد الكلمات وشذ َّبها، قصَّ دابر الجُمَلِ الطويل واختصر الدرب التي تؤدِّي الى القلب فطعنه قائلا ً


أيـُّها السَّخـْط ُ
التـَئِمْ
ثـُمَّ
التـَئِمْ
ولا تـُخْطِئ ِ الألـَمْ.
لاعب النرد في الحانة، هناك من يشرب بصمت وهو يحدق بالسقف الخالي من كل ما هو مجلب للإنتباه أو محفز للذاكرة، وهناك من يشرب مع ندمانه ويحكي لهم عن مغامرات الـ دون كيشوت وحروبه ضد الطواحين، هناك من يعزف على عود مقطـَّع الأوتار وآخرينقرعلى طبلة مهترئة تعبى وآخر ينفخ بناي ٍ مبحوح وراقصة ترقص بين الجروح والأنـَّات. الكل لاهٍ بماهو فيه إلا َّ صاحبنا فهو يراقب بنظرات عميقة، يتفحص كل حركة وكل سكون، يحدِّق بالألوان، بطيـَّات الستائر والتِفاف اشعات الضوء الداخلة من خلال زجاج الشبابيك الوسخ المملوء بأجساد حشرات أتية من البيت الأبيض أو من أماكن وبؤرٍ ومستنقعات كانت قد احتشدت فيها السموم، حشرات مسحوقة وملتصقة بالزجاج وكأنـَّها تشكل رسوما ناتئة لحروب خسرتها أو لم تستطع إلا َّ أن تكون ضحيتها الأولى.
صاحبنا يأخذ شيئاً من كل ما حوله، يضعه في بودقة ويمزجه بخاطره ويضيف إليه ويقصره بالقواعد والحوامض، يسخِّنه بنار هادئة طورا، وملتهبة هوجاء أخرى، ثم يعد تصفيتها وتقطيرها وعندما ينتهي ينهض صارخا مَنْ يلعب؟
الكل يستجيب لندائه وتبدأ اللعبة. هو لاعب مُتـَمَرِّسٌ، يقرأ الأفكار، يعلم ما تخفي الضمائر ويفسر الأحلام ولكنـَّه لا يثق بالآخرين لذلك فهو يخفي في طيات كُمَّيْ قميصه المقدود من دبرٍ زهراً أو إثنين أو حتى ثلاثة يستعملهم عندما يتفشَّى مرض الغش والغبن والخداع في اللعبة. تطول المراهنات وتمضي ساعات الليل تارة أنيقة ترتدي مصابيحا وقمرا من الفضة والذهب، بطيئة الخطوات متمالكة نفسها تتأرجح ما بين قبلة وضمَّة وتارة مثقولة بغيوم سوداء وعواصفَ تخفي صواعقاً وهديراً، غضباً من عند الله.
صاحبنا يخسر دور لعبةٍ ويكسب تسعة وهكذا. في آخر الليل يكون قد كسب تسعين لعبة وخسر عشرة. يتوقف، يفرك أرنبة أنفه بيده اليسرى ويرمي زهره عشر مرات ويكسب يلم ما كسب ويخرج قبل أن يُكشف أمره. يعود إلى وكره، يضع عقدة الغنيمة على الطاولة ويفتحها… يداوي الجروح، يخيطها ويجفف الدمع، يغسل، يكفن الموتى ويصلـِّي عليهم ثم يدفنهم في القلب.
في الحادي عشر من نيسان
من السنة الثالثة بعد الألفين
هكذا أظن،
سقطت نينوى.

من بيوتٍ
كانت تحيا على كفِّ انـْتِظار.
من أسطورةٍ إسْمُها نينوى
كان الفجر منها يجيئ…
هي الآن جرحٌ
ورواية للذهول تحت الرماد.
الجاسوس إمتهن صاحبنا مهنة خطيرة إذ لم يجد بداً من ذلك مهنته هذه ذات كلفة باهضة فهو لا يتجسس على الآخرين فقط بل هو يفعل هذا على نفسه أيضاً إنـَّه جاسوس يتجسس على كل شيئ حتى على ملائكة الله كثيراً ما يغافل روحه ويختلس السمع والبصر بل يمد يده ليتحسس الجراح ويستنسخ الأخبار ويكتبها بدمائه وينقلها الى حيث يـُؤْْمَرْ… الى مقبرة جماعية في حيٍّ من الأحياء في مدينة من مدن العراق التجسس مهنة مأساوية قذرة، مهنة الضباع والقرود البابوينية، إذ أنـَّهم يتجسسون على الآخرين من غيرهم.
إنـَّه ملك الضباع وملك القرود. على هذه فإنَّ داروين لم يكن مخطئاً في نظريته. إنـَّه يفضِّل أن يكون كذلك، ملك للضباع والقرود. الضباع تفهم، تحاول أن تبقى على قيد الحياة كي لا يـُباد بني جنسها، بينما البشر يبيد بعضهم بعضاً، والقرود أذكى من الكثير الكثير من البشر فهي تجعل الإنسان يصدق من أنها تقلـِّده بما يفعل وهذا غير صحيح، إذ أنها تنتحل العراك والقتال فيما بينها ومن بعد ذلك فإنَّ كل منها يعرف دوره في داخل حدود الجماعة وفي خارجها، لذا فإنَّها ليست بحاجة للتجسس على بعضها البعض.
ملك الضباع والقرود ليس ضبعا أو قردا، بل هو شاعرٌ قد أمسى ملكاً وعندما يحدث هذا… وهنا أريد أن أحدد قولي الشاعر عندما يصبح ملكاً يحكم على نفسه قبل الحكم على الآخرين، لا لشيئ بل فقط لأنـَّه شاعرٌ… يـُصْدِرُ الحكم على نفسه بأن تقتله الكلمات.
إكتشفَ الجاسوس يوماً وهو يتأمـَّل انَّ الكلمات، كلماته بالذات تتجسس بعضها على بعضٍ.
ـ إعترِفْ، مَنْ هم أصحابُكَ، مِنْ أيِّ حزبٍ أنت؟ إعترفْ وإلا َّ هشَّمْتُ رأسك بهذه الهراوة
ـ …
ـ أتـْرُكهُ، لا جدوى منه، خذوه من هنا واخسروا عليه رصاصة واحدة لا أكثر.
ـ أيها الرماة أستعدُّوا، هل لك رغبة أخيرة؟
ـ نعم… أطلقوا النار على بعضكم البعض.
ـ هذا من أمانيك، هل أغمض عينيك بهذه؟
ـ لا، يعجبني أن أتأمل المنظر.
ـ … أطلقوا النار.
كان صاحبنا مغلول اليدين وحافي القدمين، مربوطاً إلى عمود من الخشب المحروق، ينزف وعيناه يغطـِّيها سحاب من الغروب والغربة… كانت الساعة الخامسة بعد الظهر وكان عرسا للدم
كلـَّما حدَّقـْتَ في ثآلِيـلِ الكآس،
سامرَتـْكَ حَكايا مُفـْزِعةٌ.
الفـَتـَّان الفِتـْنـَة ُ أشَدُّ مِنَ القـَتـْلِ . هل أجبرك أحد على الكلام، هل عذ َّبك حرَّاس المعبد ـ السجن؟ لماذا حكيتَ، بُحْتَ بسرِّك وسرِّ الآخرين؟ كيف سمحت لنفسك فعل هذا؟ ألا يُعَذ ِّبُكَ الضمير؟ قـُلْ هل ضميرك متصلاً أم منفصلاً أم موصولاً، أو بالأحرى هل لديك ضميراً أصلاً؟
ألا تدري أن الأفكار والكلمات ستودي بك؟ لماذا لم تتخذ الصمت رفيقاً كما كنت تفعل من قبل؟
لماذا أزدتَّ الجرحَ جراحاً، لماذا نطقتَ بالذي لا يُقال، لماذا شحذت السكين وذبحت نفسك من الأذن وحتى الأذن؟ أتتذرَّعُ بالرمال والعطش، تخفي الصحراء في عقدة بين حاجبيْك، وتغطـِّي وجهك بيديكَ وتعتذر؟ لا عذر لمن يتجرَّأ ولا مناص لمن يحكي
ها أنت قد فشلت بتقليد الآخرين، لم تنجحْ في مثولك أمام القضاء ولم تـُعطِ إلا َّ حياتكَ وهذه لا تكفي لمثل هذا التجرؤ. ألم أقلْ لك من قبل ألا َّ تفعلْ؟
كان عليك أن تبقى نادراً بفصول عُشبك
شاهداً على انكسار الطريق
في قيثارة المدينة.
يا لي من أحمق. كيف أ ُوَجِّهُ إليك كل هذه الأسئلة وكيف لي أن أتـَّهـِمُكَ؟ كيف رسمتُ ماقلتَ؟ ربـَّما لأن هذا حدث لي قبلَ أن يحدث لك.
ها نحن
نفتـَتِحُ مَشْهَدَ الكلام،
نتـَوغـَّلُ في تـَجَلـِّياتِ الموت.
الموت أنتم
ساعات من الفوضى
تخدش التراب
تشطب المراجيح
وترسم الدم على مرايا الطفولة.
في شارع الدوَّاسه.
في شارع النجفي
لبولص آدم …
للمثقف اليساري صباح سليم…
لهوس … شفاء العمري
….
لمن لا يعشق مدينة أخرى في الدنيا
غير مدينته
موفق الطائي وقحطان سامي.
………
هكذا نقف لنحصي الظلال الراحلة
والملاءات ترتجف يوماً بعد آخر.
المُتـَقـَمِّص صاحبنا اشترى من دكانٍ يقع على زاوية في آخر الطريق الذي يُؤدِّي إلى بوابة شمش ، إشترى أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباًً وَالشَّمْسََ وَالقـَمَرَ، اشْتـَرَاهُمْ سَاهِمِين عاد إلى مثواه يَعُدُّ الكواكبَ ويُحْيي الشمسَ في القلب ويُعانقُ القمرَ في وضْحِ النهار. يُحضِّرُ للرقصة الأخيرة في حفل تنكري لليلة من ليالي العبودية في قصر الحرية الذي اشتراه نجار من الناصرة جمع الكواكب ولفها بورق شفاف كباقة وردٍ هدية للرفيقة المزعومة والتي سترقص معه، إلا َّ أن أحد الكواكب رفض وثار ضد المتقمص، كشَّرَ عن أنيابه وزمجر وهدَّدَ وأطلق رجليه للريح بعد أن فكَّ قيوده.
لم يكترث صاحبنا لثورة ذاك الكوكب ولهروبه بل تعمَّد عدم الإكتراث واستمر في أدائه للدور الذي كان قد أدقنه وهو يتمرَّن على خشبة مسرح كان قد قـُصِفَ من قِبـَلِ رعاة البقر المرتزقة. المخرجُ كان صعبَ المراسِ وذوسَقـْبٍ للغضب فكان يصرخ ويلوِّح بذراعيـْه وينحني ليأخذ نعاله ويضرب به رأسه عندما تزداد سَوْرَةُ عدم الرضى عن أداء الممثل المتقمص. لذا فإن صاحبنا لم يكن لينتهي من أدائه للدور إلا َّ في ساعة متأخـِّرة من الليل الذي كان قد تلى ليالٍ أخرى ملتهبة بعذابات آتية من كل حدب وصوب. كان يبكي ويتأوَّه وفي بعض الأحيان كان يتوقف ولا يرد ليحرِّك ساكنا لما يقول له المخرج. شِفاء، هذا إسم المخرج وليس وضعه وحاله من الصحة وطول البال والرحمة لنفسه ولمن يعمل معه، كان يعيش حياته على المسرح ويموت يوميا سالكا زقاقا أو دربا من دروب الموصل القديمة. يـَثـْمَلُ ويـُمَثـِّلُ وهو يناقش حلا ًّ بطريقة ساخنة لمعضلةٍ تصيبه وهويستأصل من جرحه، هو الآخر، شضيـَّة ً كانت قد دخلت تحت ضلعه الأسفل الأيسرالمكسور.
تذكَّرْ…
تلي صيحة الروح زهرة.
الحفلة التنكرية سار الغرباء بماضيهم المؤَثـَّث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا وافتتحوا الزحف بأُمنيات قذائفهم حتى وصلوا سماء الخوف السابعة على الإسفلت مأهولة بدمعنا .
كنتَ معي في فينيسيا ـ أذكر هذا ـ كنتَ قد اتـَّخذتّ ركنا أمام المرآة وأنت ترتدي زيـّاً قرمزيـّاً مائلاً الى السواد وعلى وجهك نصف قناع يخفي عينيك، رسمتَ شامةً سوداء على الجهة السفلى من وجنتك المملوءة بالخوف، وضعت على رأسك شعرا مستعارا أشهب اللون وقبـَّعة سوداء من المخمل السميك، تحت صُدَيْرِكَ قميص أبيض مهلهل بأكمام من الدنتيل المزركشة باليد، سروالك القرمزي يتدلـَّى حتى ركبتيك ومن بعده تغطي ساقيك جوارب بيضاء طويلة حتى فردتيْ حذائك الأسود اللامع ذي الكعب والمحلى بحدوتي حصان صغيرتين، أخذت بيدك اليسرى عصاة في رأسها نسراً مختوم عليه أول حروف إسمك M وقلت لي أنا حاضر.

مغلولاً بحزني
أستدرج النهار حتى نافذتي
وظلال الحكاية تخدعُ الطريق إلى ندائي.
كنتَ معي في البندقية ـ أذكر هذا ـ أخذنا قارباً وعبرنا القنال الكبير ثم وصلنا الى القصر، أعلنَ عن وصولنا الحاجبُ قائلاً الدوق مروان الدليمي وصاحبه ـ لم يعد تنكرنا ذا فائدةـ بدأتَ تلاحق الظلال وما خلف الأضواء ولم أكن أدري ما كنت تبحث عنه، إلا َّ أنـَّني علمت من كلماتك السابقة من أنـَّك لا تخشى أن تموت بلا ظلٍّ مبقياً أسماءكَ الثمانية.
على سياج قبري
علـَّقوا أسمائي
وغادروا التراب
بعد أنْ تحصُّوا قتلة التـَّوهُّم.
لم تكن معي في البندقية، بل العراق كان معي كانت كلمات ترن، بل تصرخ في رأسي…كانت كلماتك أنتَ.
بعد عام صحوت
قالت زوجتي
لا تغويك عتبة الدار
فالمكائد ما زالت تجرُّ المدينة من بكارتها
وتدفعها من بساط الى آخر.
لم تكن معي في فينيسيا على الإطلاق. كنت لوحدي، أنظر الى الراقصين، أكرع كأسي وأطحن كلمات شعراء العرب من الجاهلية وحتى عهد مروان الدليمي.

في مكان ما
انكسرت لغتي
تعثـَّرت بها
لم أعد أذكرها
القائل أحقـّاً ما تقول؟ هل انتهى بنا الأمر الى الحضيض، أم أن الحضيض هو الآخر لم يعد يريد أن يكون ملجأ ً لنا؟ تـُفَّ من فمك هذه العبارات وتكلم كَمَنْ يرمي بالرصاص على أولئك المحكومين بالحياة في جوف الموت. ألم تقل بأنـَّك أنا… غائب عنـِّي . كيف يقول من هو غائب، هل أصبحت إماما غائبا أم أنـَّك مازلت تتقمَّص وتراوغ؟ أم أنـَّك تعلـَّمت من آخرين كل هذا، منـِّي مثلا ً ؟ ها أنا غائب وأقول يا لك من تلميذ ذكي حريص على أداء واجباته. البلاد لا تكذب، يا شقي، لكن الرجال تكذب، الأرض لا تنكر الجميل بل الأنسان هو الذي يفعل.
صدقت، نحن لم نعد نشبه ما نحن بعد أن نأكل اليقطين المدون في جدول أيـَّامنا. من معسكر الرشيد حتى نقرة السلمان… كانت المشانق فيها أهزوجة البلاد… لم المشانق، لم الفوارق… لم الضالعون بالقتل هم دائما احبابنا واسيادنا…
لم الإنقلابات الدموية تتبعنا؟ من نحن… من ليل بغداد الثقيل؟
هل أكمل؟ نعم والله سأكمل، رغم أنف أبيك سأكمل وسأقول ما أريد أن أقول ولن أخفي ما أريد أن أقول ها… يا صاحبنا ألم تتيقـَّن من أننا في الهوى سوى وأننا في مسرح العبث قد أمرونا أن لا نعبث. أنا ثرتُ على الأوامر … وأنت؟ هل ثرتَ؟ هذا ما كنتُ أتوقعه، وكيف لا تثور وقد نـُقشَ على قدرك منذ أن بدأتَ الدخول الى متن الحكاية .
لا تقل، لا تعد الأسماء، لا تذكر الطرق والشوارع والأزقـَّة، لا… لا تقل شيئاً، كن عشيقاً مخلصاً للصمت.
دِلـِّيني أيتها الذنوب المقدَّسة
على وشم براءتي
وأزيحي عن سمائي أُرجوحة الدسائس
لعلـِّي أُدرك شكل البحر
وأتذوَّق طعم الزرقة بعد الخمسين.
ألم أقل لك أن تصمت، ألم أحذرك؟ أنت لم تكن معي في البندقية، بل في كل زمان ومكان لكنـَّك كنت كثير الكلام وكانت الحمى تجبرك على الهذيان فتفشي بأسرارنا وتقول كل الذي كان لا يجب أن تقوله وتخفي ذلك الذي كان يجب أن تقوله.
برفقة الأجراس، ينام الظلام في حذائي بعد أن أسدلت الستائر على ضجة المحاربين وهم يكشفون عن عوراتهم في مراهنات لإكتشاف فحولتهم مع نساء مَسَخَ البؤس أثداءهنَّ.
في اليوم التالي
يعود المخطوف من غموض قبضة الخاطفين، يسقط بعد منتصف الليل يعوي مرعوباً كالكلب، يستجوب نفسه، يقتادها الى الشارع، رغم حظر التجوال، يصب النفط عليها ثم يشعلها.
الهروب خلف يقظة التضاريس الآشورية في أمكنة يرقد فيها المحاربون جاؤا من كل جهات الأرض يقطع الشك بأن زوجة المخطوف كانت قد أوقفت المراهنات عليها حين تجردت من ملابسها وعلقت روحها على سارية العلم.
ألم أقل…
المخرج جلس صاحبنا على كرسيـِّه المعتاد القابل للطي والقطع والأيصال كما تقتضي الحاجة في العروض. السكوت يعمُّ المكان. كُتِبَ على ظهر كرسيـِّه بعدَّة لغات سكوت. إذ أن العاملين معه من ممثلين وكومبارس وكاتبي سيناريو ومجهزي المعدَّات والملابس…و…و… وحتى حارس المرآب، كلهم من المرتزقة من شتـَّى أنحاء مراكز التدريب المهني في الأمم المتحدة للمحترفين في القتل والسلب والنهب والإغتصاب والتدمير كيفما اتـَّفق.
ـ ماذا عندنا اليوم؟
ـ مشهد لقنبلتين ملغومتين، الأولى في جامع النبي شيت والثانية في كنيسة أم المعونة أي على طرفي سوق الـ تيارية وشارع الدوَّاسة حيث يتسكع كل أولئك الذين…
ـ كفى، فهمت، هل الكل جاهز؟
ـ نعم يا أستاذ، الكل جاهز
ـ سايلنس…أكشن
المخرجون يتحدَّثون بالإنكليزية ويكتبون بالعربية ويختمون بالإبهام كي يكون نتاجهم مبهما وغير مفهوم من قِبَلِ العامَّة. أمَّا الخاصَّة فلا يعنيهم هذا بقدر ما تعنيهم الغنائم.
كأنني أوقظ البعيد من ليل البلاد المعصوبة بميراث النواح وليس لها إلا َّ أن تصرخ على نساءها أخـْضِعنَ أعماركنَّ لليباس واغمضنَ أعينكنَّ عن رؤية الندى على وجوهكنَّ.
هم الحثالات أمطرونا بالبصاق والبساطيل والقادة الأباطيل وشتـَّى أنواع اللطم. هم المرتزقة جعلونا نقطن الحرب أو أنفقونا واستنكروا النطق بأسماءنا وكفـَّرونا وأباحوا لكل أصناف المارقين أن يصففوا شعورهم وينظمون الشعر فوق أشلاء جثثنا.

راجماً ذاكرتي كلما استدارت الى الخلف وطعنتني.
ـ هل انفجرت القنبلتان؟
ـ نعم.
ـ مَنْ مات وكم عدد الموتى والجرحى؟
ـ النبي شيت والعذراء ماتا وبعض الملائكة منهم جرحى ومنهم مَنْ قضى نحبه.
ـ حسناً، إنتهينا من عمل اليوم. إتـَّصِلوا بالأمم المتحدة وإجمعوا ما تبقـَّى، لا تنسوا القضبان والمعاول، أطفؤوا الماء بالنار. وحددوا موقع التصوير جيدا، خذوا الزوايا من الصليب المعقوف وعيِّنوا عليها الإصابات كلِّها، ضعوا الحواجز وإشارات منع الدخول، فتـِّشوا في جيوب النبي شيت والعذراء قبل أن يُدفنا، لعلـَّكم تجدون ما يبرر عملنا هذا. عندما تنتهون من عملكم هذا توضـَّأوا وصلـُّوا ركعتين لوجه الله تعالى ثمَّ اشطفوا بالماء والمعقـِّمات أرضيـَّة مسرح الأحداث، لا تتركوا أثرا لكلماتي وتجلـَّدوا بالصبر والإيمان.
ـ حاضر يا أستاذ، كل شئ سيجرى حسبما قلت.

حدَّثني الطفل حين كانت أمُّه ترزح تحت بيارقنا تتلقـَّى القبلات وهي تبكي بصمت أبي يُعَلـِّقُ الكثير من مِنَ الأوسِمة على صدره…

في ذلك اليوم، صاحبنا رفض الكلام عن ألف ليلة وليلة وعن السندباد ولم يصوِّر إلا َّ نفسه معلقاً على المرآة وعندما أُنـْزِلَ غسلوا عينيه بالزيت وشدُّوا معصميه خلف ظهره، ربطوه الى عمود من الحديد كان منتصبا أمام غيمتين بقيتا هناك بعد الإنفجار، حاولوا أن يعلِّقوا على صدره النياشين والأوسمة إلا َّ أنَّـهم لم يجدوا مكاناً على صدره إذ كان مُثـَقـَّباً كالغربال، إقتصروا الأمر وعلـَّقوا حدوةً على جبينه ومن ثم أطلقوا النار.
هل ستنام الآن؟
منزلك الليل الساكن فيك.
مطعونا تمضي بين الغيم
المربوط على قدميك.


المحارب ـ المصارع ـ العبد صاحبنا أُدْخِلَ الى ثكنة في معسكر كبير لِيُدَرَّب على فنون القتال، بَعد أنْ غـُسِّلَ وكُفـِّنَ، أُعْطِيَ ماهو لازم للرحيل والسفر ـ مقيَّداً ومَغلولاً تارة وتارة مُقطـَّعةً أوصالـَهُ ـ من حَلـَبَةٍ الى أخرى ملابساَ من الرمل والحصى وصندلا من القش والخشخاش، سيفا من الذهول ودرعا يقف بين وجه الليل وباب النهار ، زوَّدوهُ بـ كرامة التـُّحَفِ الرَّخِيصَة
لكنـَّي، طالما الجنون في يدي
مُسْتـَعِدٌّ أن أنكرَ العصا وهي تهوي الى جسدي
لتـُحْصي أُمنيات الصوت
المختبئة في ثكنات الدم
صاحبنا لم يعِ ما حدث في ذلك المكان ولم يكترث للفرح أو الحزن بل عاوده الغثيان وانتابته حمى الثلث وهكذا دواليك حتى نهض ليغتسل ويصلـِّي إلا َّ أنَّ النزال كان قد بدأ والـْتـَحَمَ الجانبين وخسر مَنْ كان قد بدأ الصمت عندما كان يجب عليه الكلام.
صاحبنا شقَّ عليه كل ما حدث وسافر من الفجر الى الفجر، ثمَّ آثرَ أنْ ينام ولو لِمسافة قصيرة تقع ما بين خطوة وأخرى.
نمت خلف رأسي محاذراً رائحة الدنابر وهي تنقل الحواسم في واحة تتثاءب فيها الأصنام صحوت على سقوط الجثـَّتيْن بعدما ركلتها سيوف الفوضى إستدرت نحوهما… لأمحو مفردات المطاردة الخرساء طيلة الليل.
لا مسرَّة في هذا الفصل غير أنـِّي سأسمِّيه مطرقة عمياء تدق جبهةَ الشجاعة وسأرفع عزلتي الى رئة السماء بعينين تخرق الخريف وهو ينهش المسافة بين الروح وهشاشة المدينة وأنا أتقلـَّب بين شفاه الغثيان. كانت الجثتان تتنفسان تحت اقدام الشامتين. رمى خرائب نظرته نحوهما، ثم مسد لحيته وتطاول
بالغرور.
صاحبنا أكمل دربه محتضناً مشيئة الأقدار ومخفياً في جيوبه المرتـَّقة أساور الذهب والفضة وصورةً لحبيبةٍ ما كان قد التقى بها في زحام سوق باب لكش . كان بين حين وآخر يدخن سيجارة مصنوعة من تبغ القـُنـَّب وملفوفة بورق النعاس الذابل، معطـَّرة برائحة الذكرى، حاول جهد إيمانه أن يتذكرَ ولكن، قطار الذكرى كان قد مرَّ وسفينة الهجر والرحيل الى غير رجعة كانت قد مَّرَت وأعلنت بدء الإبحار والبحر كان ساهٍ يحلم بالثأر مَنْ يبحث عن الثأر سيجده ومَنْ يريدُ الدم سيجده ولكن مَنْ أراد الحياة سوف لن يجد إلا َّ وعوداً. الى مستنقعات الخيانة ـ لابدَّ أنَّ أُسَرَهُم هناك، مازالت مُسَيـَّجَةً بالإنتظار. قالها سائق المركبة بوجهٍ عذبه الأسى وهو مُدرك لخطورة ما تلَفـَّظ به. ويتناسلون كالفئران وتتواثب احلامهم لتسرج المدن تحت فروجهم.
صاحبنا، لم يقرر بعد فيما إذا كان قد حان الوقت لهجر العبودية أم لا. العبودية لها أشكال ومضامين مختلفة وما من عبدٍ هجر عبوديته طوعاً بعد أن كان قد تعوَّد عليها واطمأنَّ إليها في الفجر عشر أسواط ، الكثير من القطران على الظهر، جرعة ماء وقطعة خبز سوداء، الذهاب الى الحقول جريا بقدمين حافيتين ومغلولتين لجني ما سقط من عبوات الرصاص حتى الغروب، العودة الى كوخ الصفائح المتأكسدة بالدم والمثبـَّتة بعظام الجيل الماضي من العبيد، العشاء، ربما الأخير، ثم التناسل غصباً
صاحبنا، أخيراً، حصل على حريته. ذهب مسرعاً وفرحاً الى سوق العطـَّارين واشترى ما يكفي ويزيد وزيد وعامر وعلي و.. إنـَّه الهذيان بعينه من التوابل والعطور. لوَّن حريته بالدم وعطـَّرها بالدمع والفهقة والشهقة وما أراد الله من غير ذلك ثم ذهب الى باب الطوب وأودعها عند دلا َّلٍ أعمى عقيم الصوت ومُلـْتـَويَ اللسان. بيعت حرية صاحبنا بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة ، بهذه إشترى صاحبنا بعض الكلمات وأكلها، لم تشبعه من جوعه، لذا عاد الى عبوديته فهي أسلم. كلـَّما هبـَّت عاصفة تدق الأرض بالهاونات، أحتمي بوحدتي بين الحروف،
لكنَّ أزيز الطائرات يطرد الحمام من فوق طاولتي سبعة أيام
أم سبعة أعوام
أم سبعة قرون؟
عصبتها عيون من غرقوا برائحة الدم
لا أحد يذرف الدمع على من تيبـَّست صرخاتهم على الرصيف
إلا َّ الكلاب التي أغمضت عيونها وانشغلت في البحث عن طرقات بعيدة.
يا للموت…
هي اليشامغ تحشرنا في سلالات الخطيئة كلَّما مضينا الى جنـَّة المرايا.
يا صاحبي هل ارتويت الآن؟
ممتهن الأدب المستعار إنـَّه يعيش زُرقة الحياة وخـُضرتها، يشرب من صُفرة الصحراء ويأكل حـُمرتها، يتجوَّل في سدوم وقمرتها، يتعاطى الخمر وسواد الليل حتى إذا جاء الفجر يعود الى كوخه الطيني على ساحل نهر استعمرته جرذان آتية من بعيد، يستغفر ربـَّه من لعنة حلـَّت به.
صاحبنا ترك مهنته الأولى وأخذ يبحث عن أخرى واضعا إعلاناً في الجرائد وناشرا خبراً تلو الآخر يحكي عن حاجته لإيجاد عمل مناسب له وأقلُّ خطورة من مهنته السابقة، معطيا جميع المواصفات والأدِلـَّة عن شخصيته وعن حسن أدائه وقابليته للعمل في أصعب المجالات من الأعمال وأكثرها تعقيدا.
كان قد ألصق إعلانات أخرى في أماكن عديدة على واجهات المحلا َّت التجارية وعلى جدران الجوامع والكنائس والمعابد الأخرى وحتى على جذوع الأشجار وزوايا الفكر الممنوع والأحلام النرجسية والمازوخية والسادية، ألصق إعلاناته داخل كهوف البرلمان وأعطى الكثير من الرشاوى للسياسين والمتجبرين ورؤساء الأحزاب الدينية والعلمانية والمستقلين والملتزمين وأصحاب المهن الحرَّة والقضاة والحكام ورؤساء البلديات ووزراء الدولة المعنيين بشتى أنواع الدعارة والرشوة والتجارة بالمخدرات والأسلحة، الآخذين بالسلب والنهب والقتل مجانا وبأثمان عالية التكاليف وباهضة الأسعار. كان يقف عند تقاطع الطرقات حاملاً إعلاناته وموزعها مجانا على المارين الجارين الى أعمالهم من المهندسين والأطباء القصابين و العتالين والمرتزقة والدراويش والعاطلين وذوي الحِرَفِ الميتة والمتورطين بالغش والتسول وذوي العاهات المستديمة والمحاربين القدماء وقارِءات سوء الحظ وذوات الغيبة والنميمة وأولئك الذين يسمون أنفسهم أهل الله . لأكلة الفلافل من بدر السوري… لبولص آدم… للوقت الغائب…للوثر إشو… للمثقف اليساري صباح سليم…لأشقياء شارع حلب…لهوس المخرج شفاء العمري… لمن لا يعشق غير مدينته موفق الطائي وقحطان سامي…لبيات محمد مرعي … لفارس جويجاتي…لآخر ماتبقى من وطني المنهوب… محمد العمر وعبد القادر الحلبي.
صاحبنا كان قد باع كل ما عنده وما يملكه من الكتب والجرائد والمجلات وحتى رسائل الحب القديمة، باعها كلها لأحد المارة ثم أطلق ساقيه للريح ليشتري طائرة ورقية وثلاث حمامات من السكر الأبيض، عاد الى البيت بعد أن أُسقطت طائرته ونفذ سكر الحمامات يصرخ أنا هنا مكتوٍ بغواية السؤال
أصرخ في الساحات اخرجوا
خذوا ماستطعتم من آثارنا واتركونا عراة تحت لهيب الشمس
فوق تراب بلادنا.
بعد زمن ليس بالقصير وصلت الى صاحبنا رسالة دعوة للعمل في شركة إنتاج للأدب المستعار. الرسالة هي عبارة عن طلب خجول مكتوب بكلمات صغيرة وشفافة تكاد لا تـُرى بالعين المجردة ومختومة بختم غير معروف نحن نعمل بالأدب المستعار، نودُّ مقابلتك غداً في الساعة التي تليق بك كي نتعرف على إمكانياتك ودرجة الوثوق بك وذلك للعمل معنا وإن شاء الله سوف تجري الأمور كما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
أرسل صاحبنا سرواله الوحيد وقميصه المقدود من دُبُرٍ الى المكوى لغسلهم وكيـِّهم بمكوات تعمل بالفحم الحجري وبقي بألبسته الداخلية في البيت منتظراً. شغل نفسه بالإستحمام وحلاقة الذقن والتحضير للمقابلة المؤمَّل أن تكون غداً في الساعة المذكورة في الرسالة التي استلمها من تلك الشركة أو المؤسسة المزعومة. بقي في ذلك الوكر ثلا ثة أيام دون أن يمدَّ ولو رأسه من النافدة لـيستدرج النهار حتى نافذته أو أن ينطق بحرف واحد فقد كان قد نذر للرحمن أللا َّ يكلم الناس ثلاث ليالٍ إلا َّ رمزاً وأجمل الأشعار التي دحسناها في بساطيلنا.
إستلم صاحبنا، في اليوم الثالث، سرواله وقميصه، عدل هندامه ودخـَّن سيجارة محشوة بتبغ القنـَّب وملفوفة بأساطير الأوَّلين، لـَمَّعَ حذاءه المثقوب النعل الغير المرئي لأنه يتواجد تحت قدمه اليسرى مُرَقـَّع بعملة نقدية مصنوعة من رصاص رعاة البقر المرتزقة دينكم دنانيركم ومعبودكم تحت قدمي.
صاحبنا إستقلَّ الباص أيـَّة مرارة قذفنا على صحيفة داستها أقدام الركاب، حين عثرنا عليها تحت المقعد الجلدي ذي اللون البني الداكن في الباص الأحمر البغدادي المُجهد بآخر جولة ما بين ساحة الأندلس وباب المعظم ونحن سكارى نضحك من جيوبنا الفارغة بعد الساعة العاشرة من ليل بغداد الثقيل. ترجَّل صاحبنا ثم ذهب مشياً محاولا الوصل الى العنوان الصحيح
وبعد أن سأل هنا وهناك إستطاع أن يدرك غايته. قدَّم أوراق اعتماده وجلس ينتظر. بعد أن سمع دويـّاً متتالياً لعدَّة إنفجارات قريبة من المكان الذي كان
فيه. نـُوديَ بأسمائه الثمانية
ـ الرقم 117.
ـ نعم، حاضر.
ـ أنت مدعو لمقابلة السلطان، تفضل، لا تدعه ينتظر أكثر فإنَّ لديه ما يكفي ويزيد من هموم الدنيا والآخرة.
ـ سأفعل.
ـ تفضل، إجلس… قرأت أوراق اعتمادك وأنا أرى أنـَّك مناسب لما نحن بحاجة إليه. ولكن هناك بعض النقاط التي يجب الإستفسار عنها، مثلا هل تعرف ماهو التشطير في الأدب؟
ـ نعم.
ـ رائع، هذا ما كنت آمله، أنت منـّا… ولكن أصبر قليلا… شَطـِّرْ لي هذا المقطع الدروب في نينوى لم تعد تشاغل السواد بأخمص القصائد صارت تـُخبـِئ في جيبـِها موعدا اخر للغائبين
ومن كفها يرتشف الشعراء غربتهم.
ـ لا،هذا كثيرٌ عليَّ، إنـْتـَظِرْ… أنا لستُ جاسوسا. أنا لن أفعل هذا.
ـ يا لك من منافق.
ـ لستُ منافقاً.
ـ لا أصدِّقُ هذا الذي تقول.
ـ كيف، وقد احتلـُّوا أرض الرافدين وعبثوا فيها، جعلوا الطوائف تطفو والضمائر تغرق وتحط على القاع، نهبوا وسلبوا، قتلوا وشرَّدوا، سفكوا الدماء وشنقوا، أليست هذه هي القيامة؟
ـ سنرى إذا كان ماتقول هو الصواب.
ـ لا، لا تضغط أو تكبس على الزر وتنادي كلابك، الأمر لا يحتاج الى كل ذلك.
أنا لن أعمل معكم وليس لي في أدبكم المستعار مكانا، سأسحب أوراق اعتمادي واعتذر.
اليوم احمل همِّي الى معبر وهمْ
أقتنص العزف على دمي
خالعا صبري تحت مطرقة
ومناديا
أيـُّها السخط
التئم
ثمَّ
التئم
ولا تخطئ الألم.
خرج صاحبنا حاملا أوراق اعتماده بأسرع ما يمكن قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه، عاد الى وكره وقبل كل شيئ عرَّف نفسَه على نفسِه ثم استقال من كل وضائفه وأعلن عن هدر دمه في أول يوم ستقوم به القيامة.
لِتـَمش ِ، سِرْ… حتـَّى تـَنـْزُفَ قدماك، ستعرف حينها، ياسارق العوسج والصبـَّار كيف يلتئم الجرح ولا ينتهي الألم.

/8/2012 Issue 4272 – Date 8 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4272 التاريخ 8»8»2012
AZP09