نحو رؤية عقلانية للحركة العربية لحقوق الإنسان 3 – 3
نقد التجربة ورفدها بدماء جديدة كفيلان بتعزيز الإحترافية والعمل المهني
عبد الحسين شعبان
الاتجاه الرابع:وقد برزت وهو ما يمكن أن نطلق عليه الاتجاه التصالحي أو ” الاتجاه التفاهمي” أو ” التوافقي” الذي يسعى إلى فتح حوار مع الحكومات وصولاً إلى المداولة والشراكة، وذلك بعيداً عن التصادم أو التخاذل والتخادم. وبتقديري فإن هذا الاتجاه هو الأقرب إلى العقلانية والمهنية والنظرة الستراتيجية البعيدة المدى، وهو يقوم على النقد والتعاون، أي التطوير عبر التدرّج والتراكم وصولاً للتغيير في المجالات المختلفة. فمؤسسات المجتمع المدني وحركة حقوق الإنسان بطبيعتها لا تسعى للوصول إلى السلطة، كما هي ليست جزءًا من الصراع السياسي وهدفها ينحصر في تطوير المجتمع والدفاع عن حقوقه. في الفترة الأخيرة محاولات تدعو وتشجع على الاستقواء بالخارج وأحياناً بالترويج للتوافق بين مشروعها والمشروع الخارجي، ولعلّ حساسية الحكومات شديدة إزاء أي محاولات للارتباط أو الاستقواء بالخارج، مثلما هي حساسية الشارع العربي إزاء الاملاءات الخارجية والدعوات الأجنبية حتى إن كان بعضها إيجابياً، إلاّ أنها ستكون مشوبة بالكثير من عوامل الارتياب والشك.
وزاد الأمر التباساً أن بعض الحكومات تحاول عزل أية دعوة للإصلاح أو التغيير أو الاحتجاج بحجة أنها من صنع الخارج، الأجنبي، المشبوه. وقد واجهت الحكومات العربية جميعها الاحتجاجات العارمة التي انطلقت في تونس ومصر، بتهم جاهزة بأنها من تحريك أيادي أجنبية وأن هناك بعض المندسين والمدسوسين يقومون بأعمال تخريبية تريد إشاعة الفوضى وغيرها من التبريرات، ومع أن القوى الخارجية يمكن أن تستثمر الوضع لصالحها وأن تدفع بالاتجاه الذي يخدم مصالحها، لكن المشكلة هي داخلية بامتياز.
أما أهم المشكلات الفكرية والعملية التي تواجه الحركة العربية لحقوق الإنسان فهي:
أولاً – انصراف بعضها للتصدي لمهمات سياسية بما يخالف طبيعتها ودورها التنويري، خصوصاً وأن هناك العديد من المنظمات التي تم تأسيسها في السنوات العشر الماضية كان واجهة أو امتداداً لتيار أو حزب سياسي أو ديني أو عقائدي أو غير ذلك، وذلك لمعرفة الجهات التي تقف خلف إمكانية التأثير على أوساط مختلفة عبر يافطة حقوق الإنسان.
ثانياً- ضعف الثقافة الحقوقية، بل أن هناك نقصاً شديداً وفادحاً في الوعي الحقوقي والديمقراطي في المجتمع بشكل عام وفي بعض أوساط الحركة العربية لحقوق الإنسان بشكل خاص.
ثالثاً- غياب أو ضعف المبادرة على المستوى الفكري والعملي، وخصوصاً عدم التوجّه لدراسة الظواهر الجديدة كالعولمة، والإرهاب الدولي، والتدخل الإنساني، والإصلاح والديمقراطية، والخصوصيات الوطنية والدينية والثقافية.
رابعاً- تغليب الحقوق المدنية والسياسية على حساب الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لدرجة أن هذه الأخيرة غالباً ما تُهمل أو ُتنسى. والقليل من منظمات حقوق الإنسان والحركة الحقوقية العربية بشكل عام تبحث في حق العمل، والتعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي، وحق السكن، والتمتع بمنجزات الثقافة إضافة إلى الحقوق الثقافية، تلك التي لا تقل أهمية عن حرّية التعبير وحق المشاركة السياسية والحقوق الأخرى.
خامساً- إن الغالبية من أطراف الحركة العربية لحقوق الإنسان اتجهت إلى أن تصبح (قوة احتجاج) وقد آن الأوان لتتحول إلى (قوة اقتراح) وتنتقل من (قوة اعتراض) إلى (قوة اشتراك) ومثل هذا الدور يمكنه أن يؤثر على مسار الأحداث ويزيد من هيبة المنظمات ومكانتها خصوصاً بعد فترة من التجريب.
سادساً- التناقض الذي تقع فيه العديد من أطراف الحركة العربية لحقوق الإنسان، ولا سيما إزاء القضايا الحساسة مثل الخصوصية والشمولية، المحلية والكونية، الوطنية والعالمية، وغيرها … ومثل هذه الموضوعات تثير جدلاً وتباعداً بين بعضها، خصوصاً في ظل غياب الحوار أو ضعفه أو عدم الأخذ باستحقاقاته، مما يتطلّب تعاوناً وبحثاً وتوافقاً بينها لتقديم رؤية منسجمة أو متقاربة إزاء القضايا والتحديات المطروحة على بساط البحث.
سابعاً- الارتياب أو الاغتراب وهو ما تقوم به بعض منظمات حقوق الإنسان في العلاقة مع الأخر سواء كان أوربياً أو أمريكياً، غربياً أو عالمياً أجنبياً، بحجة أنه يريد نشر الرذيلة وكأن مجتمعاتنا مثالاً للفضيلة فكل شيء أجنبي غريب وكل غريب مريب، بل هو اختراع مشبوه حسب بعضهم. وبعضهم الأخر يرى في كل ما هو وارد من الخارج حالة تقدمية وحضارية متطورة حتى وإن كان الوارد هذا يسيء إلى المقدسات والمثل والقيم.
صحيح أن العالم أصبح قرية صغيرة وأن هناك المشترك الإنساني لكنه الصحيح أيضاً أن هناك مقدسات وخصوصيات لا يمكن التجاوز عليها أو التحلّل منها تحت أي سبب كان، وبخاصة تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف والرسالات السماوية، وإن كان علينا تأكيد الحق في الاختلاف وإقرار التنوّع والتعددية بروح التسامح وقيمه.
ثامناً- ضعف أهلية بعض القيادات التي ظلت متشبثة بمواقعها والتي تريدها مخلدة وكأن بعض المؤسسات أقرب إلى الشخصانية التي تجمع الأتباع والمؤيدين على حساب حيوية وديناميكية هذه المنظمات. ويتعلق الأمر أيضاً بنضوب الجاهزية الفكرية لدى بعض القيادات والمنظمات التي تحتاج إلى دماء جديدة أكثر حيوية وشباباً.
تاسعاً- ضعف الهياكل والتراكيب التنظيمية للعديد من مؤسسات حركة حقوق الإنسان وضعف نظام المعلومات والاتصال والوسائل التقنية، وفي أحيان غير قليلة تندلع منافسات وعداوات بين بعض القيادات والمنظمات بعيداً عن الاعتبارات المشروعة، بل أن بعضها يقوم على أساس الحساسيات والأمزجة.
عاشراً- إشكالية التمويل التي ظلت محصورة في المراوحة بين القبول المطلق والرفض المطلق بعيداً عن الضوابط ومعايير الاستقلالية والحياد. وهناك بعض المنظمات تأتمر بأوامر من الخارج وهو ما يضعف دورها أمام الحكومات التي تستغل هذه القضايا لاتهام الحركة العربية لحقوق الإنسان بكاملها أحياناً، وربما تخوينه وتجريمه. كما أن هناك ضعفاً في التمويل العربي لمؤسسات حقوق الإنسان، ولعلّ بعض القوانين المحلية والعالمية تحول دون ذلك، خصوصاً وأن هناك الكثير من التخوّفات لتقديم مساعدات أو تبرّعات لمؤسسات خيرية أو مدنية بعد حملة مكافحة الإرهاب الدولي وأحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة، وكذلك أعمال الإرهاب التي استهدفت العديد من البلدان العربية وبلدان العالم أجمع.
والملاحظ من خلال ما تقدّم أن بعض الإشكاليات والمشكلات التي يعاني منها المجتمع المدني العربي كانت قد انتقلت عدواها من الحكومات وبعض المؤسسات الرسمية، وهو الأمر الذي يتطلب المكاشفة بهدف وضع الحلول والمعالجات لكي تقوم الحركة العربية لحقوق الإنسان بدورها في تعزيز وتطوير المجتمع ككل وفي تقديم العون والمساعدة للدولة للمساهمة في عملية التنمية والنهوض وذلك من خلال تعميق دورها لتكون قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، وقوة انسجام وتلاؤم وليس قوة اعتراض أو رفض فحسب على أن تتجنب الانخراط في الصراع السياسي والإيديولوجي ووضع مسافة واضحة ومحددة بينها وبين الحكومات والمعارضات السياسية وتمسكها باستقلاليتها وحياديتها وسلمية وتدرجية المجتمع الذي تريد تطويره وتفاعلها مع كل فعل إيجابي.
ومن أهم الثغرات والمثالب في الحركة العربية لحقوق الإنسان هي:
1. غياب ستراتيجيات عمل محددة وواضحة، وعدم توفر معايير الحد الأدنى من الفهم المشترك لطبيعة عمل حقوق الإنسان وفلسفته وأهدافه ووظيفته.
2. ضعف الهياكل والتراكيب التنظيمية، بل استصغارها أحياناً، خصوصاً ما يتعلق بدور المؤسسة، ومحاولة التسلق عبرها أحياناً للحصول على وظيفة سياسية أو مركز حزبي أو حكومي.
3. عدم وجود تخصص في العمل، الذي من شأنه أن يمنح القوة والفاعلية، فمعظم مؤسسات حقوق الإنسان تعمل في مجالات قطاعية متعددة فهي: ترّوج للديمقراطية، وتدعو لحقوق الإنسان، وذلك من خلال تعليم حقوق الإنسان أو التربية عليها وبثقافة حقوق الإنسان وإعلام حقوق الإنسان، وترصد الانتهاكات، وتكتب الدراسات والتقارير، وتهتم بنفس القدر بحقوق المرأة والطفل، وفي مجالات العمل الخيري والإنساني، والإغاثة، والمعوّقين وذوي الاحتياجات الخاصة وغير ذلك، مما يجعلها منظمات مركزية تهتم بكل الجوانب لكنها لا تختص بجانب منها مما يضعف قدرتها في تراكم الخبرة.
4. غياب الخبرة العملية وعدم وجود كوادر متخصصة أو مدربين، والافتقار إلى المهارات والدراسة والخبرة بعمل مؤسسات المجتمع المدني بشكل خاص والعمل العام بشكل أوسع، ويعود الأمر إلى حداثة العمل في هذا الميدان وعدم وجود معرفة نظرية.
5. ضعف المهنية والحرفية، خصوصاً في ظل انحيازات واستقطابات طائفية وإثنية، مما يؤثر على صدقية الكثير من المنظمات، والكثير من القيادات ظلّت محكومة بمعادلات غير مهنية سياسية أو طائفية أو حزبية أو دينية أو عشائرية أو جهوية أو غيرها.
6
إن غالبية المؤسسات الحقوقية سواءً الناشئة حديثاً أو الموجودة قديماً فضلاً عن أن قياداتها وكوادرها جاءت من الوسط السياسي وبشكل خاص الراديكالي: يساري، قومي وفيما بعد إسلامي، أتقنت ثقافة المعارضة والثقافة الاجتماعية والانتقادية والمطلبية والتوظيف السياسي في أحيان غير قليلة، لكنها لم تتقن الثقافة الاقتراحية، البرنامجية، المنهجية، ولهذا ظلّت حركتها أو ممارساتها أقرب إلى الأداء السياسي المعارض أو الرافض، مما أوقع بعضها في إطارات انعزالية أو ساهم في تقريبها من بعض الأوساط السياسية بما فيها تلك التي تتعارض مع فكرة فلسفة المجتمع المدني.
لعلّ حركة الاحتجاج والتغيير التي انفجرت في العالم العربي منذ مطلع العام 2011 تستوجب من الحركة العربية لحقوق الإنسان دراسة عدد من الظواهر والإشكاليات الجديدة، منها العلاقة بين الدين والدولة في الدساتير العربية الجديدة، ومسألة اللامركزية والفيدراليات المطروحة في عدد من البلدان العربية، وعلاقة الجيش بالمؤسسة المدنية ودوره اللاحق، والدور المزدوج للمؤسسة الدينية ارتباطاً بقضايا حقوق الإنسان سلباً وإيجاباً، دور التربية والتعليم في تعزيز الثقافة الحقوقية، ودور الإعلام في نشر وتعميق الوعي الحقوقي.
وما السبيل للحفاظ على الحقوق والحريات، والتفريق بين العمل السياسي والأعمال الإرهابية والعنفية، وبين العمل الحقوقي والعمل السياسي، وبين المهني والوظيفي؟ وكذلك البحث في أهمية إجراء انتخابات حرّة ونزيهة وترسيخ قاعدة الحق في التنظيم وبناء القدرات، وخصوصاً بعد رفع الحظر عن السياسة التي كانت مؤممة لسنوات طويلة، وكل ذلك يحتاج إلى نقاشات معمّقة ودراسات موسّعة وحوارات جادة على مستوى عربي للبحث في القاسم المشترك، وعلى المستوى القطري في كل بلد مع مراعاة خصوصياته.
وهنا لا بدّ من رفد الحركة بدماء جديدة، فجيلنا قدّم ما لديه بما له وما عليه، وعلينا نقد تجربتنا موضوعياً، لكي يستفيد منها الجيل الجديد، ولاسيّما الشباب وبشكل خاص لا بدّ من إعطاء دور متميّز للمرأة في إدارة المنظما الحقوقية، كما ينبغي الاهتمام بالحقوق الثقافية التي ظلّت خارج دائرة الاهتمام، أو أن الاهتمام بها كان محدوداً، ولاسيّما حقوق المجاميع الثقافية الدينية والإثنية واللغوية والسلالية وغير ذلك انطلاقاً من فكرة العيش المشترك، وتساوقاً مع التطورات الاجتماعية، وإعادة اللحمة الوطنية للهويّات المتنوّعة والمختلفة.
{{{
محاضرة ألقاها الباحث في القاهرة في المؤتمر الإقليمي الذي نظمه مركز التأهيل والمعلومات لحقوق الإنسان (تعز) ومؤسسة المستقبل الدولية (التي مقرها عمان ) والمنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة) والبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان (القاهرة) في 19-20 أيار (مايو) 2014.
























