نظرة عامّة على العلاقات العراقية – الصينية بعد 2003 – مقالات – إبتسام محمد العامري
انطلقت مسيرة العلاقات العراقية – الصينية في العام 1958 بعد وصول عبد الكريم قاسم الى السلطة واسقاطه للنظام الملكي ، ولكن سرعان ما اصاب الجمود هذه العلاقات نظرا لعلاقة العراق القوية مع الاتحاد السوفيتي ، اذ لم تتطور هذه العلاقات كثيرا واقتصرت على تقديم المساعدات الاقتصادية في ستينيات القرن الماضي ، ومشاريع بنى تحتية في العقد الذي تلاه ، ثم الى عقود مبيعات اسلحة اثناء الحرب العراقية – الايرانية 1880 – 1988 والتي وصلت أقيامها الى نحو 5 مليار دولار ، كما ساعدت الصين على تطوير منظومة الدفاع الجوي من خلال تقديم المساعدة في مجال القابلوات الضوئية ، وبعد الاجتياح العراقي للكويت في العام 1990 تراوح الموقف الصيني من العراق بين التصويت لصالح قرارات اصدرتها الامم المتحدة لأدانة هذا الاجتياح مثل القرار 661 وبين الامتناع عن التصويت لصالح قرارات تجيز استخدام القوة ضد العراق مثل القرار 687 الداعي لخروج العراق من الكويت .
عدت الصين من الدول القليلة التي تحدت الحصار والعقوبات المفروضة على العراق من خلال شرائها للنفط العراقي على وفق برنامج النفط مقابل الغذاء محتلة المرتبة الاولى حتى العام 2001 بواقع 400 الف برميل طن من النفط الخام ، لكن ذلك لم يمنع من ان تحرص على الموازنة بين احترامها للقانون الدولي والعقوبات التي يفرضها القانون الدولي على العراق وبين عقوبات الولايات المتحدة المنفردة ، فأستطاعت بنجاح استغلال الثغرات وتقوية صلاتها التجارية والاقتصادية مع العراق .
سعت الصين بعد احتلال العراق الى تطوير علاقتها معه بشكل كبير والتي تطورت بشكل متسارع بدءا من قيام الصين بأفتتاح سفارتها في بغداد في العام 2004 ودعم النظام السياسي الجديد في العراق وتقديمها مساعدات مادية وفنية له ، ودعوة المسؤولين العراقيين لزيارة الصين ، اذ زار الرئيس العراقي السابق جلال طالباني الصين في العام 2003 عندما كان عضوا في مجلس الحكم ثم في العام 2007 بعد تسنمه منصب الرئاسة ، واسفرت زيارته عن توقيع خمس اتفاقيات تضمنت اولا : حل المشاكل المتعلقة بالعقود النفطية بين الشركات النفطية الصينية والحكومة العراقية في عهد النظام السابق ، ثانيا : الغاء الصين لديونها الحكومية البالغة 8,5 مليارات دولار المستحقة على العراق بنسبة 100 بالمئة وتخفيض ديون الشركات الصينية الخاصة بنسبة 80 بالمئة على مدى 17 عاما ابتداء من العام 2010 ثالثا : تعزيز التعاون ما بين وزارتي خارجيتي الصين والعراق ، رابعا : تعزيز التعاون في المجالين الاقتصادي والفني ، خامسا : توفير برامج تدريبية للكوادر الوظيفية العراقية ،اعقبها انشاء آلية تشاور سياسي بين الطرفين عقدت اول اجتماعاتها في كانون الثاني 2008 جاءت زيارة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في العام 2011 خطوة اخرى بأتجاه تعميق العلاقات العراقية – الصينية ، اذ أثمرت هذه الزيارة عن دعوة العراق للجانب الصيني لزيادة استثماراتها في القطاع النفطي ، وأقامة صندوق لأعمار العراق ، وتقديم قروض منخفضة الفائدة في قطاع المواصلات العراقي .
اخذت هذه الاتفاقيات حيز التنفيذ ابتداء بتنشيط اتفاقية حقل الاحدب النفطي في العام 2008 بعد ان تم توقيعها في العام 1997 اتفاقية حقل الحلفاية في العام 2009 بعد ان تم توقيعها في العام 1998 وعلى الرغم من ان الظروف المحيطة بالعراق في ذلك الوقت كانت تنبئ بأستحالة استثمار الصين لهذه الحقول بسبب الحصار المفروض على العراق الا ان الصين استغلت الفرصة بتوقيع العقد نظرا لرغبتها بأنتزاع تنازلات من الحكومة العراقية قد لا تتوفر بعد تغيير الحكومات او تطالب الحكومات الجديدة بتنفيذها ، فالصين كما هو معروف عنها حذرة جدا في توجيه استثماراتها نظرا لتجاربها المريرة في خسارة استثماراتها بعد تغيير الانظمة كما حدث في ليبيا .
تدفع التنمية الاقتصادية كونها المحدد الاساس لسياسة الصين الخارجية نحو البحث عن :
1- الاستثمار في العراق : اذ وصل عدد الشركات الصينية العاملة في العراق بنهاية عام 2011 حوالي 108 شركة استثمارية في قطاعات الطاقة والكهرباء والمواصلات والاتصالات .
2- الاسواق : لتصريف منتجاتها اذ بلغت قيمة الصادرات الصينية للعراق في العام 2013 ما يقارب 7 مليار دولار امريكي .
3- تعزيز التبادل التجاري ما بين البلدين : والذي ارتفــــــع من 1 – 5 مليارات دولار في المدة ما بين 1991 – 1995 الى نحو 2,5 مليار دولار في المدة ما بين 2004 – 2009 ليقفز الى 14 مليار دولار في العام 2011 ثم الى اكثر من 17 مليار دولار في العام 2012 ما جعل العراق الشريك التجاري العربي الرابع للصين ، وجعل الصين الشريك التجاري الاجنبي الاول للعراق ، وواصل التبادل ارتفاعه ليصل الى 24 مليار دولار في العام 2013 والى 22 مليار دولار في الشهر التسعة الاولى من العام 2014 ويبدو ان التبادل سيواصل ارتفاعه في السنوات القليلة القادمة .
ويشكل النفط ثلثي قيمة التبادل التجاري ما بين العراق والصين فضلا عن الكبريت والفوسفات والتمر ، ويصدر العراق للصين ما يقارب 280 الف برميل يوميا في العام 2011 و 300 الف برميل يوميا في العام 2012 و500 الف برميل يوميا في العام 2013 و850 الف برميل يوميا في العام 2014 ما يجعل العراق يحتل المرتبة الثانية بعد السعودية في قائمة مصدري النفط للصين مزيحا انغولا عن مرتبتها في قائمة الدول المصدرة للنفط في الصين . ويعمل العراق على تطوير علاقاته العسكرية والامنية مع الصين ، ومن المتوقع زيادة فرص توريد الاسلحة من الصين مع التقدم الحاصل في نوعية الصناعة العسكرية الصينية ولدعم هذا التوجه تم فتح الملحقية العسكرية في بكين في العام 2004 والتي تم غلقها في العام 2009 ليعاد فتحها في العام .2013
مهدت هذه الخطوات لمزيد من التعاون ، وتعزيز الثقة المتبادلة ، وتبديد المخاوف تجاه اي تأثير خارجي على السياسة الخارجية العراقية تجاه الصين ، وبما ان العراق يعد منتجا ومصدرا للنفط لذا تنظر اليه الصين كدولة ذات اهمية ستراتيجية ، ويمكن للعراق ان ينشئ سياسة خارجية ذات علاقات متنوعة ، وتخفيض مكانة او مستوى علاقاته الحالية مع واشنطن والتركيز على زيادة تعاونها مع الصين الذي لا يبدي اهتماما بالشؤون السياسية اكثر من اهتمامه بالشؤون الاقتصادية ، فضلا عن ان علاقة العراق مع الصين لا تشكل ضررا للولايات المحدة .
{ جامعة بغداد/مركز الدراسات الستراتيجية والدولية


















