نحن غرقى

نحن غرقى

 

قصيدة للراحل موسى كريدي تنشر للمرة الاولى كانت (الزمان) قد عقدت ندوة عن القاص والروائي الراحل موسى كريدي،

 

 وخصصت له ملفين في صفحاتها الثقافية، وهي تواصل الاهتمام بادبه وشخصيته،

 

وما ترك من بصمات وسيسعدها ان تختار عائلته  (الزمان) لنشر هذه القصيدة.

 

موسى كريدي

 

كل جرح على الجباه دعاء

 

دمه نحن والنزيف ابتداء

 

كان افقا وكان صوت نبي

 

كلنا في دليله اسماء

 

وارعو الليل والخطاة، ونجم

 

تنطوي في اللظى خطاه البطاء

 

ساكنو الرمل بعدهم لاح صرعى

 

ثم اسرى بجنبهم، أولياء

 

والمحبون، والنساء، وطفل

 

شاخص ما لمقلتيه انطفاء

 

شرعا بكروا وساروا بارض

 

عبروها: فكانت الرمضاء

 

جمعتهم بعد التفرق روح

 

جذ اغصانها البتول شتاء

 

فانبرى في مدارج الصمت يبكي

 

ملعب للعبا الغريد وماء

 

{ { {

 

لا جذور، لنخلة، لا ارتواء

 

شجر مات نصفه واللحاء

 

لا حديد ملء اليدين فيبقى

 

انما تبتدي هنا الحصباء

 

لا طريق ولا افتراره  ثغر

 

لا نجوم وليس ثم اهتداء

 

لا لسان لموجة طي سفح

 

يترامى ولا رسا ميناء

 

لا الصباحات تنجلي عن وليد

 

والمساءات هوة غبراء

 

لا عيون ترى اخضرار نجاد

 

اينما سرت افلتت حرباء

 

{ { {

 

رحل الألف واختفى الندماء

 

هييء النعش واقترب بافناء

 

صدأ اللحن في لهاة المغني

 

وتراخى الصدى وبح الغناء

 

سقط الكأس واليدان انتظار

 

طال حتى مس البروق عماء

 

وئد الحب في مهاد ضجيع

 

ومشت خلف نعشه الصحراء

 

{ { {

 

خمر الوقت والزمان قصير

 

وارتوت من خموره البيداء

 

ظيء الكأس في شفاه الحيارى

 

كيف بلّت هذا الصدى صهباء (1)

 

نتعاطى  حسو الحراء ونسلو

 

حيث شينا وقام فينا الرثاء

 

بين حشد من الكلام وحشد

 

تتبناه نغمة جوفاء

 

نحن شرخ من الكلام  وصرع

 

رددته، بحلقها ببغاء

 

فمتى النطق يستقيم لغر

 

ومتى يطرد الظلام ضياء

 

ومتى تنسل الرياح خيولا

 

ومتى للهوى تعود النساء

 

ومتى يخرق الحديد شعاع

 

 دم الشعر زينة يستضاء

 

يولد الشعر في الجراح ويبقى

 

ومن الجرح يولد الشعراء

 

كم (متى) في لهاتهم تتلوى

 

(ومتى) ان طال السؤال هجاء

 

{ { {

 

من ترى ينفذ الجمال وصوتا

 

قطعت خيل ريحه النكباء

 

عاشق  ضوء لحظة حقل قمح

 

فلقت فيه حجرة زرقاء

 

قائم يحمل السؤال بعين

 

رسمت قوسه الخضيل ذكاء (2)

 

شاعر  بمحض السهوب  جلاء

 

وعليه من الضحى لألاء

 

فيه من تبأة الرحيل نفير

 

ومن الشيء  في الروى اصداء

 

هو درع من الزهور الدوامي

 

وهو في مغرب الصفوف لواء

 

يسكن الشمس عاشقا كل حين

 

وله فوق سمتها ندماء

 

ظل كفيه في اللظى زعفران

 

بضعة منه للطريح شفاء

 

شددوا الحبل في  يديه وقالوا

 

كيف يرخى لخارجين رثاء

 

ثم قالوا خذ والحسين رمادا

 

فاخذنا، فازلزل الجبناء

 

ثم عدنا نحو الشهيد نراه

 

يكسر اليل جنبه الوضاء

 

ثم قلنا لشاهد مات حيا

 

نحن عدنا، فجلجلي باسماء

 

{ { {

 

حدثونا فما لنا من حديث

 

نحن موتى فمن هم الاحياء

 

حدثونا عن الرجاء زمانا

 

قد قتلنا فاين  اين الرجاء؟

 

حدثونا فويح نفس دهاها

 

من حديث لمارقين عزاء

 

قتلوا الحب والكميّ توارى

 

فارتقت فجر ارضنا الخيلاء

 

شيدوا في رواقهم قصر عدل

 

قد دخلناه والشهود دماء

 

ونظرنا لغلنا ثم قلنا

 

كل قصر لنا به، سجناء

 

وكذا الحلم، يزال رهينا

 

حلم هزأة وصوت رغاء

 

تاه فيه المدى وغارت دروب

 

وافترقنا، كاننا غرباء

 

شفق منه لا يرى وانتظار

 

نلتقي لحده عيون ظماء

 

كلما قاربال اليقين خطانا

 

ظللتنا بليلها، العنقاء

 

قيل انا على النبوة،بتنا

 

وافقنا، فما لنا، انبياء

 

حين شيدنا من الدماء قصورا

 

انكر الموت اننا شهداء

 

كبر الجرح لنا غير حلم

 

ابنته، بسعفها، كربلاء

 

{ { {

 

وبكينا فما استجد بكاء

 

وشربنا من كاسه ما نشاء

 

كل كاس من الدموع بلاد

 

كم بنى وهمها الجميل شقاء

 

وسد الصيف ماءها برماد

 

فارتوينا وفاح ثم جفاء

 

قرب الكاس من حريق شفاه

 

واسكن النار بعدنا يا اناء

 

نحن من في هوى الهجيرة، رهط

 

يحل البيد في البكور، اماء

 

نحن شيء في عرف من شيئونا

 

ثم لا شيء ان سرت اشياء

 

كلما انشأ اليمام يغني

 

فاجأ  الصحو، والنهار، عواء

 

نحن غرقى فكيف يبصر حي

 

ومتى يقشع الضباب جلاء (*)

 

اشارة الى بيت ابي العلاء المعري

 

{ { {

 

نحن غرقى وللغريق زمان

 

ضاق في شأوه العميق فضاء

 

والمعري قالها منذ الف

 

نحن غرقى بلى فاين النواء؟

 

نحن غرقى فاني التجأنا

 

بيرق ينطفي، وضد يضياء

 

وسيوف على الطريق وطين

 

ودوار ونخلة جرداء

 

ورجال من الدمى، وشفاء

 

يابسات وطفلة بكماء

 

وخيول من الخطأ صافنات

 

تتصلى دموعها الكبرياء

 

نحن غرقى فمن يعيد، رؤانا

 

ان  صبانا، بعد الرحيل، بقاء

 

نحن غرقى وحلمنا بعض لحن

 

ينشر الصبح وهمه والمساء

 

نحن غرقى فلا نرى غير رمل

 

عرشت في سكونه الظلماء

 

نحن غرقى وحولنا  ان شردنا-

 

ضارعات، وزهرة، مومياء

 

نحن غرقى . بلى. يقول المعري

 

كيف اخلى بيوتنا النزلاء؟

 

{ { {

 

كم لقطنا من الحصى شذرات

 

ورمانا، الى الوثاق، قضاء

 

ورشفنا من الكلام رحيقا

 

واستشاطت من نطقه، ورقاء

 

ونسينا ان المدى ملتقاها

 

رجعت صوت فتحه الزهراء

 

ونسينا بدء الخطا الحسين

 

ثم سرنا، وفي المسير، نداء

 

شعشع اتون في طريق الثريا

 

وجرى خلف رجعه الفقراء

 

والى الطف(1)،قبلنا، ساحر (2)

 

ضوءات طرف ليله السراء(1)

 

اذ مضينا يوفي خطانا علي

 

وجهه الشمس والنجاد رداء

 

حين بتنا على الطريق نغني

 

اقمر الليل واستقام الحداء

 

وحملنا بكف نور تراءت

 

ثم شعت على السرى الجوزاء

 

من شفيع بكربلاء تواره

 

رددت سر وجده الحوراء

 

ان وعد الشفيع وعد لقاء

 

فمتى يسعف الخلي لقاء؟

 

{ { {

 

لا تقولوا لنا الوداع وتمضوا

 

كل ارض، اذا رحلتم، خلاء

 

عرجوا الان للينابيع تعل

 

نبرة الشوق والنذور ذماء

 

وارتدوا جلد صوتكم ولعمري

 

انما البر للضفاف وفاء

 

كيف يمشي بعد الهشيم رماد

 

بض ارض الرافدين نماء

 

دجلة في عروقكم فيض حب

 

وحباكم الى الفرات ولاء

 

انتم واحد في اقتسام الاضاحي

 

والذي وحد الجراح غناء

 

صافحوا النور كلما جد نور

 

وانشروا النور، نلتمع الاء

 

اقراءوا الفصح في المدى واستضيئوا

 

انما فصح من يضيء ثراء

 

واقرأ البحر في كتاب الثواني

 

قطرة منه، للقصي، سناء

 

كم سألتم عن الندى كيف يأسى؟

 

كلكم في جراحه اصدقاء

 

في العشيات كم اضأتم سراجا

 

والعشيات ملككم، والنقاء

 

آن أن تمنحوا اليمام مكانا

 

ولكن في ظلاله ابناء

 

 

 

(1) – الصدى العطش

 

(2) – ذكاء . الشمس

 

(*)((نحن غرقى فكيف ينقذنا، نجمان في حومة الدجى، غرقان))

 

(1)  الطف. المثان الذي جرى فيـه مقتل الحسين

 

(2)  الحر الرياحي