
ميمي أوديشو ترسم تمظهرات اللغة الشعرية بالقصيدة الحديثة
صلاة في مبغى إسمه العالم
علاء حمد
تتحدد اللغة من حيث معطياتها الشعرية بعدة جوانب ، فهناك اللغة الشعرية الطبائعية وهناك اللغة الحسية وهناك اللغة التواصلية ( لقد توصلت الى الكثير من الحالات اللغوية تنتاب القصيدة ) حسب نسبة البناء في القصيدة الحديثة ، ولكن مايهمنا هنا هو اللغة الشعرية الحسية واللغة الجمالية والتي يأتي تأثيرهما للمتلقي أسرع من اللغة التفكيرية أو الإعتبارية ، واللغة التواصلية وتمظهراتها لها المستوى الإشاري الرمزي ، وهي تذهب الى اللغة التعبيرية واللغة الحسية والجمالية .. ومن هنا فان اللغة الشعرية لا تتحدد إلا من خلال وظيفتها البنائية داخل النصّ الشعري ؛ وتشير أحيانا الى التزاوج في أبعادها ، فمن جهة التواصل تحمل ” مضمونا ” ما ومن الجهة الأخرى تذهب الى التأثيرات النفسية والجمالية واللقطات الفلاشية على المتلقي ، وخصوصا الان يرغب المتلقي بالصور الفلاشية الخاطفة والتي تنبت في المخيلة وتزرع الرغبة الذاتية في التواصل . ومن خلال العملية الشعرية في بناء القصيدة الحديثة نتوصل الى مستويين : المستوى الإخباري والذي يحمل اللغة الاعتبارية والصناعية وكذلك اللغة التفكيرية ، والمستوى الرمزي الإشاري ، والعلاقة بينهما هو الفصل بين المفردات وإمكانية الشاعر اللغوية ، وهنا يكمن الجدل التواصلي في كيفية رسم الحدث الشعري في ناصية النصّ ورغبة الباث بادخال مايرسمه الى ذهنية المتلقي (( كل مايطرح من اشعار وقصائد على جميع المستويات ، يرغب الباث وهو على قناعة تامة بأن ما قدمه هو الشيء المميز لديه ، وآخر نصّ يقدمه ، هو آخر امكانية كتابية إبداعية )) .
الشاعر خلاّق في النمذجة الجمالية للشعرية لذلك يتكئ على معان غير مطروقة ، كما هو الحال مع الشاعرة العراقية ميمي أوديشو ، والتي كلفت رحلتها التنقيب بين اللغة الجمالية التواصلية ، وكذلك الصور الشعرية والصور الحسية الصادمة والتي تتجمع في جسد القصيدة :
نعتوني بالتيه ،
وحين كنت ضائعة
الكلّ وجدني .. ماعداي ..
من قصيدة : توبة الأبالسة ص 8
الشاعرة تنازل ذاتها ؛ الذات التي لاتكتمها عن الاخرين ، لذلك أوجدتها ضائعة مابين ابناء بلدها ، هذه المغايرات التي اعتمدتها الشاعرة هي زحافات في اللغة ، وقد تطابقت لغويا مع المعنى الذي بحثت عنه الشاعرة ، وهنا لم تنس الشاعرة بأنها قد أوجدت بديلا للذات المتكلمة ، وهي الذات الداخلية والتي نطقت وطوّقت الحدث الشعري ..
مقاربات قصدية في اللغة والمعنى
إدخال العنصر الجمالي بشكله المباشر مع قصدية الشاعر الى القصيدة ، يضيف حركة خارجية إضافية الى الجمالية التي يعتمدها الشاعر عادة في بناء النصّ الشعري ، والعنصر الجمالي المباشر هي تلك المعاني الجديدة والمستحدثة والتي تعتمد على صور حسية صادمة ، تلوّح بتواصلها الايجابي ، وإن أضطرّ الشاعر الى إضافة العنصر السلبي الى القصيدة ، وحذف العنصر الايجابي ؛ فالقصدية هنا قصدية تواصلية تعتمد عامل اللغة الحسي وكيفية إدارة المفردات وطرق بناء القصيدة ، وهي تلاحقنا عادة في القصيدة الحديثة لإعطاء المعنى الجمالي والجمالية الظاهرة :
أيتها الشياطين
فلتعصري دماء وطاويط الجحيم في ثغره
ولتصطفّ الملائة والأنبياء أمامه
ليتمرّن على اصطياد المصائب
قبل حدوثها
ولتحلّ لعثة مولودي
على كلّ مؤمن
وليعاقب بميتتين
الميتة الأولى
حين يُطرح أرضا بعيدا عن حضني
والميتة الثانية
حين يؤمن بغير عقله …
من قصيدة : ميتتان ص 6
تتطرق الشاعرة العراقية ميمي اوديشو الى نظرية الفعل ، وهي تقودنا الى ” البراغماتية ” حيث تكمن الحالة الفعلية اللغوية تاركة خلفها الدلالات التي كانت خير وسيلة للغة الحسية المعتمدة والعوامل النفسية للمتلقي من ناحيتين : ناحية الحدث للمتلقي وتقبله ، والناحية الثانية ، التهيأة النفسية للشاعرة وغوصها لغويا بقصدية واضحة للمثول أمام الأفعال : تعصري فعل امتدادي لم ينته بمفرده
تصطفّ فعل امتدادي نحو الملائكة والأنبياء
لذلك لم يكتف بمعناه … ولذلك يتمّ توظيف القصدية بأفعال المفردات لتقودنا الى دلالات ، يقصدها الشاعر ، وهو في وعيه الشاعري ، مدفوعا نحو منبهات المفردات الشعرية ، واتخاذها كوسيلة للتوظيف ، فهنا ومن خلال قصيدة ” ميتتان ” ذهبت بنا الشاعرة الى لغة تعبيرية ، لتعيين المقاصد المرسومة في رحلتها القصائدية ، واستطيع أن أقول أنها حملت مقتولها على كتفها ، وراحت تشيّع الفكرة وحدها ( سوف نأتي الى اللغة الانفرادية فيما بعد ) .
يقول سيرل : (( القصدية هي تلك الخاصية للكثير من الحالات والحوادث العقلية التي تتجه عن طريقها الى الاشياء وسير الاحوال في العالم ، أو تدور حولها أو تتعلق بها . ص 151 – صلاح اسماعيل ، فلسفة العقل دراسة في فلسفة سيرل )) .
المعنى لا وجود له قبل القصيدة ، ولايمكن تحميله خارج اللغة التي تكون العامل الفعال في بناء القصيدة الحديثة ، لذلك لاتجتمع جميع اللغات في معنى واحد ، فالمعنى لايتحمل الا لغة تعبيرية مثلا أو سيريالية ( ماوراء الواقع ) أو لغة حسية مباشرة أو لغة معلقة تخرج عن طريق الفلاش باك .. الخ .
الشاعرة العراقية ميمي أوديشو تعتمد الصور الشعرية الامتدادية والتي تكمل معانيها من خلال القصيدة الواحدة ؛ فجسد القصيدة = هو المنظور الفعلي لجمع تلك الصور في جعبته ، والحاضن الأول للغة المعتمدة لتلك الصور الشعرية ، الميتة الأولى / حين يُطرح أرضا بعيدا عن حضني / والميتة الثانية / حين يؤمن بغير عقله … فالمعنى الأول هنا له علاقة متروكة مع دلالة العنوان الذي يحمل كلمة ” ميتتان ” ومن هذا المنظور السيميوطيقي ، تجلت المعاني لدى الشاعرة وهي تتقشف في اللغة معتمدة على الرموز والاشارات في لحظتها الشعرية لبناء القصيدة ، فالميتة الأولى ؛ اعتمدت على الفعل : يُطرح ” ، بينما الميتة الثانية ربطت الفعل الأول بالفعل الثاني ” حين يؤمن بغير عقله ” .. ” من ناحية المعنى ” ، لتحصل على نتيجة نهائية لقصيدة ” ميتتان ” .
دموع تأبى أن تتساقط
كثقتي بالعالم ..
أحتاج قسوة حضنكَ
لأرمّم انكساري .
من قصيدة : صفعة ص 11
إنّ التصورات التي تعتمدها الشاعرة هي تصورات إدراكية ، الادراك الذاتي والتي تحلت بالشعرية لعكس العلامات المحمولة وإدراك الآخر الذي دخل الذات الشاعرة (( إنّ كلّ شيء يدرك بصفته علامة ، ويشتغل كعلامة ، ويدلّ باعتباره علامة . فالتجربة الانسانية بدءا من صرخة الرضيع الى تأمل الفيلسوف ليست سوى سلسلة من العلامات المترابطة والمتراكبة ، إنّه مبدأ الإمتداد الّذي يجعل من التجربة الإنسانية بكلّ لغاتها ” أو مواد تعبيرها ” تجربة كلية ، تنتهي معه العلامة الى الانصهار في الفعل . ص 73 – السيميائيات – من كتاب السيميائيات والتأويل لمؤلفه : سعيد بنكراد )) . وهنا لكي نكون أكثر تأكيدا بأن الذات هي الذات المتحركة ، وعندما تكون الذات متحركة ، إذن هي قابلة للانفتاح ، فالتصور بمجمله هو تصور عملية الادراك للذات ، ومنها ذات الاخر وذات ” الأنا ” والذات الداخلية للباث والتي تعني الينا الكثير في حالة الصمت والاشتغالات الصامتة مع الذات . في المقطع أعلاه ، كسّرت الشاعرة اللغة وبلغت حدّها لكي تعيد البناء من جديد ، فهذا التكسير يقودنا الى معان ذاتية ، لأن في أساس المكسرات للمفردات ، مكسرات لإشتغالات ذاتية : دموع تأبى أن تتساقط / كثقتي بالعالم .. / أحتاج قسوة حضنكَ / لأرمّم انكساري . / انكسار الجسد ، بالمعنى الذي رسمته الشاعرة ، انكسار مهلهل ، وقد أوجدت من خلاله المطلوب إثباته في الذات المتحركة ، والاتكاء على حركة الأفعال المتواجدة في الجمل الشعرية ، وهي لاتخرج عن هذه البنية الا وتاركة دلالات خلفها ، مما يؤدي الى نظوج العملية الشعرية ، واتخاذ القاعدة كهدف أمامها .. فالقاعدة الشعرية التي تبنى بشكل انفرادي ، وإنما تتطابق مع الكثير من الحالات والنتاجات في القصائدية ..
أصنع من روحي مصطبة
أبيع عليها تمرا
وزبائني سعف النخيل ..
في مشوار مليء بالقبور
أدفن في كلّ خطوة
جزءا منّي
كي أحضن من ضاعت ملامحه
وأهديه وجهي
المضرّج بسرب دمع
وقع عنوة
في
شبكة
لاصطياد
المطر …
من قصيدة : صيادو المطر – ص 22
من خلال قصيدة ” صيادو المطر ” تقودنا الشاعرة العراقية ميمي أوديشو الى تجربة ثانية ، وهي تلتزم بالعنونة كتجربة أولى ، ومابين التجربتين تكمن المفردات التي هندستها بشكلها المطري ، مما أعطت للعنوان نشاطه الإضافي في عملية الرصد والدخول الى البوابة الشعرية ، وقد اتكأت في تجربتها الأولى الى عامل الادراك وكيفية رسم الجمل بمغايرات قصدية ، بينما التجربة الثانية وهي ” في نفس مجموعتها الشعرية – صلاة في مبغى – اسمه – العالم ” .. وفي التجربتين وتعلقها بالعنونة التي من الممكن جدا تحليلها سيميوطيقيا وعلاقتها بالقصيدة كجسد فعال جعلت منه ذو حسية خاصة ، ليدخل المخيلة عبر عملية ” المفهوم الفينومينولوجي ” وقد أكد ” إدموند هوسرل – الذي اهتم بالفلسفة الظاهراتية ومفهوم القصدية ” حول أول مفهوم القصدية أو الطابع القصدي للوعي الذي يعد مفتاح الفينومينولوجيا لفهم العلاقة بين الوعي والوجود بموضوعاته أو بموجوداته “.. القدرة اللغوية وعملية الغوص بها من خلال المعاني ومن خلال المفردات المرسومة ، تعطينا نتائج ايجابية في النصّ الشعري ، وبدون هذه القدرة لايمكننا الدخول الى غرفة العمليات الكيمياوية وتحويل المفردات وتجاورها .. من المفردات العادية الى المفردات التي تحمل من الصيغ المؤثرة في القصيدة الواحدة : أصنع من روحي مصطبة / أبيع عليها تمرا / وزبائني سعف النخيل ..
هنا عامل الزمن قد ادخلته الشاعرة في الصيغة الشعرية ، وهو موسم التمور ، وإعطاء صورة شعرية خارجية لتعكس مايدور في المخيلة من حجج ومفردات ورحلتها الشعرية ، فتراكم الأفعال له الدور الايجابي للنصّ الشعري ، بل يقود القصيدة ليرسم الدلالات ، فالدال هنا هو الباث ، لذلك فقد احتلت الأنا الصدارة في النصّ ، وهي حالة مرضية كابتسامة الرضى . النصّ المتبقي ومايحمله من صورة شعرية متواصلة قد عبّر عبر لغته المرسومة ، وهنا قد دخلت الشاعرة الى شروط توظيف اللغة التعبيرية وهي تناشد المقبرة ، والتي تحوي على مختلف الأجناس ..
المقـــاربة التداولية
تتوسع المدرسة القصدية في اللغات وتذهب بنا ليس فقط الى الجمالية والتواصلية ، وإنما تتقارب أيضا من التداولية والتي أكد حول ذلك الدكتور الناقد والباحث المغربي جميل حمداوي :
((إنّ المقاربة التداولية تدرس النص أو الخطاب الأدبي في علاقته بالسياق التواصلي، والتركيز على أفعال الكلام، واستكشاف العلامات المنطقية الحجاجية، والاهتمام بالسياق التواصلي والتلفظي. وبتعبير آخر، تركز المقاربة التداولية على عنصر المقصدية والوظيفة في النصوص والخطابات. وبهذا، تكون التداوليات قد تجاوزت سؤال البنية، وسؤال الدلالة، لتهتم بسؤال الوظيفة والدور والرسالة والسياق الوظيفي. كما تعنى المقاربة التداولية بفهم العلاقات الموجودة بين المتكلم والمتلقي ضمن سياق معين؛ لأن البعد التداولي ينبني على سلطة المعرفة والاعتقاد. وتسمى هذه المقاربة كذلك بالمقاربة التواصلية، أوالمقاربة الوظيفية، أوالمقاربة الذرائعية، أوالمقاربة المنطقية، أو المقاربة البراجماتية، أوالمقاربة الحجاجية… وهلم جرا )) ..
ولكي نكون مع هذه المقاربات التداولية منها والقصدية وكذلك التواصلية ، فلدينا عامل اللغة وتفكيكها من العوامل التي لها قيمة فعالة في النصّ الشعري ، وكذلك قيمة عنصر الدهشة واللقطات الفلاشية والصور الحسية التي تعد من الصور الاشتقاقية للصور الشعرية ، فالصورة الشعرية تهيمن على جسد القصيدة ، بينما عنصر الدهشة واللقطات الفلاشية الصادمة ، فهي جزئية تابعة للصورة الشعرية الأم .
وأنّ الشهادة مؤامرة
صدقتها الملائكة
وغنتها الشياطين
دون أن يفهم كلماتها أحد ؟
….
وحضنت آخر أنفاسه
وأنا أردد أغنية المغدورين :
الشهادة
ليست
بالدم
بل
بالحناء .. ،
والقمر جاسوس على أبرياء
منازلة ذهنية
من قصيدة : ريعان الغباء – ص 12
امتد العنوان لدى قصيدة الشاعرة ميمي أوديشو ليشمل القصيدة بحضنها المفتوح ، وهنا النصّ طالما تعلق بالغائب والحاضر ” الحاضر هو الأداة الأولى للنصّ المفتوح = الباث ” .
العالم بوجوده كما اللغة بحضورها وكينوتها ، وكما اتجاهاتها القصدية مابين المعاني النازلة من الذهنية خارج المعاني الجاهزة والمطروحة على الطاولة ، فالاشتقاق بالمعاني مسيرة الشاعر الحديثة ، وهي المعاني اليومية والتاريخية وكذلك الذاتية الخاصة ، رائية الشاعر التي تنزل بشكلها الجدلي ، وهنا نذهب مع الشاعرة وهي تقودنا من بوابة واسعة المذاق ، لتمنحنا الجديد الكلي وما حملته المخيلة : وأنّ الشهادة مؤامرة / صدقتها الملائكة / وغنتها الشياطين / دون أن يفهم كلماتها أحد ؟
لونلاحظ عملية التزاوج بين الجمل المركبة واعتماد الشاعرة على – بين الأنا من جهة – وبين العالم الذي يحيط بها من جهة أخرى ، فالأنا هنا ضمنية تعيينية مكتومة ، لاتظهر الى اللفظة المعتمدة ، ولكن اعتمدت المعنى في سيرورته الممزركشة بالنقد . الشاعرة وتركيب جملها الشعرية اعتمدت على فكر مغاير غير عادي ، وهي تنتقد الموجودات لديها . وطالما التداول ينبني على سلطة المعرفة والإعتقاد ، فذهبت معرفتها واعتقاداتها في تشريح فكرها الحاضن للقصيدة ، وهي تعكسه إلينا كمرآة دون محدودية ؛ فالأثر الفعلي الأول :
وحضنت آخر أنفاسه – امتد على الجملة لتبيان المعنى ، وبقي يمتد على الأثر الفعلي الثاني : وأنا أردد أغنية المغدورين : / امتداد الأفعال الى المعاني وتشخيصها كأن تشخّص الشاعرة المطلوب اثباته ، فقد كانت أعلى استمرارية لديها ، فعانقت ” الرؤيا ” ، وكانت ابتسامتها الأنا الفعالة ، وكما نتوقف عند الفعل ” أردّد ” ؛ فهنا الشاعرة في أفق المواجهة التجددية ، والمواجهة التجددية من الطبيعي تقودنا الى كلّ ماهو مذهل في الجمالية المعتمدة ….
لكي نذهب من الأفعال نثبّت مارسمته الشاعرة من أفعال القول ، وهي تنقلنا بعلاقاتها بين فعل القول والجملة الشعرية الصورية ، وهناك الكثير من الجمل تحمل اللغة الصورية لو اعتمدتّ على تشريحها وما هو متواجدا مابين الحروف من حركات ، إعتمدت الى تنغيم متتالي في تحريك الجملة : وأنا أردد أغنية المغدورين : / الشهادة / ليست / بالدم / بل / بالحناء .. ، – والقمر جاسوس على أبرياء / لو نلاحظ حركة اللفظة هنا وهي قابلة للتموسق الخارجي والداخلي ، معتمدة الشاعرة على دربة الأذن في تعيين ألفاظها ، وهي تدوّر بالالفاظ تارة ، لتستقيم الموسيقى ، وهي تعتمد التراكمات تارة أخرى ، لتكملة التنغيم في اللغة الصورية .
هبّت من نافذة اسمكَ
نسائم ماقبل العاصفة
ليستفيق النهدُ
ويصرخ بأعلى غلوائه
محذرا زوايا مفاتني
بين الـ – أتوسّل إليك تعال –
وبين الـ – دعني وشأني أرجوك –
من قصيدة : خديعة ص 27
الأفعال التي كانت في النصّ الشعري هي أفعال من مباهج الاستيطان لخلية اللغة المعتمدة في نصّ الشاعرة العراقية ميمي أوديشو ، هبّت من نافذة اسمكَ = ليستفيق النهدُ – فالفعل هبّ وكذلك الفعل يستفيق ، هما لغة رئيسية تشكلت في المساحة التي اوجدتها الشاعرة ، وهذه المساحة تكميلية المعاني ، فليس من المعقول ، ترك الأفعال وحدها تسبح بمعان عادية اتنتج الينا ، كلاما عاديا خارج المؤثرات الشعرية وما يقال على البياضات يقال في القلب قبل نزوله ، فتشغل البياضات جزءا من القلب وتشغله معها في المعاني واختيار المفردات المتجانسة ..
بما أنه نتواصل مع كتابتنا في قصائد الشاعرة العراقية ميمي أوديشو خارج التجريبية ، بل نعتمد الموضوعية ، فكذلك النصوص التي أمامي اعتمدت الحقيقة المشروطة ، وهنا تساوت الرؤيا ، مابين المطروح ، وما رسمته الشاعرة ، ومابين سعينا لايجاد دراسة نقدية تلائم هذه الجهود التي واكبت الشاعرة في رحلتها الشعرية .. ومن المعاني المشروطة التي اعتمدتها الشاعرة مثلا : بين الـ – أتوسّل إليك تعال – /
وبين الـ – دعني وشأني أرجوك – / هذه المعاني كانت بشكل يومي ، وشكلت حوارا ظاهريا مابين الأنثى والذكر ، ولكي تكون الشاعرة أكثر تقاربا ، راحت ترسم الذاتية وتعكسها بدلا من الآخر ، وهي الذات الثانية كما أسميتها بالعديد من البحوث والاستقراءات ..
لانذهب الى النزعة الجزئية لمواكبتها في البناء القصائدي ، فالاشياء تكون منقولة بكمالها وكذلك بجمالياتها ، وهي جهد الشاعرية التي تتبناها الشاعرة لذلك ننتمي بكل أريحية مع تلك الاشياء ونتجاوز الجزئيات ، فالجزئيات لاتدعو الى تكامل النصّ الشعري ، بل تتركه مشلولا يعاني من رؤية قد تكون إضافية ، وهنا عامل التجريب خارج الموضوعية . (( إذا كان الكلام متعدد الأشكال ؛ متنافر المسالك ، مختلف الصيغ ، تتنازع دراسته مجالات متعددة من طبيعية وعضوية ونفسية ؛ وينتمي الى الدائرة الفردية والأجتماعية معا ؛ فإنّ اللغة على عكس من ذلك كلٌ مستقلّ في ذاته قابل للتصنيف ؛ فإذا ما أعطيناها أولية على وقائع الكلام فإننا ندخل بذلك نظاما طبيعيا على مجموعة غير سواء لاتسمح بتصنيف آخر . وعلى هذا فاللغة نظام من الرموز المختلفة التي تشير الى أفكار مختلفة . د . صلاح فضل – نظرية البنائية في النقد الأدبي – دار الشروق – القاهرة )) .
ليس استيعاب العملية اللغوية قراءتها فقط ، وانما يشترك النطق بها أيضا ، وهنا تظهر اللغة الداخلية للنص ، وتظهر الإشارة التي تدل على شعرية النصّ ، ومدى استيعابه بشكل أسرع ، وطالما نتكلم عن الاشارة والعلامة فلا يسعنا أن نتخلى عن الرمزية وماتحمله اللغة الخارجية والتي تكون عادة مدفوعة بواسطة الرموز من اللغة الداخلية .. والكتابة في صمتها نستطيع أن نقول أنها (( إنفجار السكون كما أكد على ذلك دريدا : – التفكيكية – النظرية والممارسة – ص 58 – كرستوفر نوريس – ترجمة : صبري محمد محسن ، أستاذ علم اللغة المساعد )) .
يامن أفتّش عنك
في حيطان قريتي
وبين إيقونات كنيستي القديمة ..
بين دفاتري وبين السطور
التي تحاول عبثا
أن تحمل الحروف
التي قفزت من أنامل طفلة
تحاول الكتابة ..
أبحث عنك في تجاعيد الجدّات
من قصيدة : فتى الخابور
التجنيس الشخصي للشاعرة جاء ضمن حسية ظاهرية ، وقد سجلتها في مفردات لتكوين تلك الماهية التي تنتمي اليها الشاعرة في حياتها الدنيوية ، وبما أنّ التداولية تتناول مجموعة من البحوث اللسانية ، و كذلك الدراسة التي تعنى باستعمال اللغة ، وتهتم بقضية التلاؤم بين التعابير الرمزية والسياقات المرجعية والمقامية والحديثة والبشرية ، وتهتم باللغة وتواصلها وهذا ماجاء به وأكد عليه تأكيدات كثيرة من المنظرين والنقاد والباحثين بمراجع عديدة. فقد وظفت الشاعرة العراقية ميمي أديشو لغتها وهي تشير الى ذلك الفتى (( فتى الخابور )) ومن خلال العنونة للقصيدة المرسومة بمجموعتها الشعرية ، وهي تحاول أن تتوسع أكثر وأكثر بالاشوريين والكنيسة التي مثلت علامة من العلامات ، وكذلك الجدة وتجاعيدها التي زينتها ( ، أبحث عنك في تجاعيد الجدّات ) فالكنيسة وحضورها رمزت بها لإحتوائها الطقوس الخاصة بهذه الديانة ، والجدات لهن تقاسيم خاصة من التجاعيد .. ولم ننس الحضارة الاشورية التي تركت تاريخا واسعا ، ومعظم الحضارات الواسعة تبنى على الانهر ، وهناك العديد من القرى تقع على حوض نهر الخابور ، وهناك الكثير من التسميات الآرامية لبعض القرى كقرية ((Iyil )) اسمها ربما مستمد من عبارة آرامية ” ” أين د إيل والربيع .. أي الله…
تجنيس شعري
هذا التجنيس الشعري الذي رسمته الشاعرة العراقية ميمي أدويشو ، وقد عاشت لفترة طويلة في سوريا ، وهي تخاطب الكنائس القديمة ، وترتاد الكنائس العراقية كغطاء ملمّ بجنسيتها الاشورية ، وقد عكس ذلك من خلال الشعرية ، وظهور تلك المحسوسات على شكل كلمات مركبة ..
25
لم تصدّق يوما
إلا في وعد من وعودك
حين قلتَ لي على تلك البحيرة :
( ثقي بي )
وستمشين فوق المياه ..
وياليخيبتي فقد فعلتُ
ووثقت بكَ
فانتشلت أرضي
ولا زلت أمشي
على المياه التي لاتستكين ..
ص 67 من قصيدة : مرويات نادلة السراب
تأخذ الجملة الأولى كوظيفة دلالية داخل الأفعال أي ؛ ركبت الكلمات معتمدة على الفعل ، واذا ركبت الوظيفة الدلالية معتمدة على الاسماء كالـ ” مبتدأ والخبر ” فهنا تكون خارجية ، وهي تتحلى بالتغييرات والتحولات الطارئة ، فالجمل المعتمدة لدى الشاعرة العراقية ميمي أديشو ، هي من الجمل الفعلية ذات الوظائف الداخلية ، مما يكون وظيفتها الفعلية معتمدة على الافعال وحالة إعراب كلّ فعل حسب موقعه الوظيفي ، أما من ناحية المعنى ، فحركة المعاني تظهر بشكلها المتقارب وهي تطرق باب القصائدية المتواصلة ، أي اعتمادها على نظرية التواصل ، لذلك نلمس من هذا التواصل ظهور الدلالات وكذلك ظهور الأصوات في القصيدة الواحدة ، وعندما نقول ظهور الدلالات بكل تأكيد يظهر لدينا الدال والمدلول … أما من الناحية السيميوطيقية وظهور الجمل الاسمية ، فهي ظهور داخلي ، من ناحية التوظيف التداولي ، وظهور تواصلي سيميوطيقي يشرّح لدينا حالة الجملة وكذلك يفكك الينا المعاني حسب الحالة المعتمدة لدى الشاعرة :
لم تصدّق يوما = حين قلتَ لي على تلك البحيرة
( ثقي بي ) / وستمشين فوق المياه .. = ووثقت بكَ / فانتشلت أرضي / ولا زلت أمشي
هذه المعادلة من المعاني يقابلها : على المياه التي لاتستكين ..
وهنا اصبحت لدينا لغة تقابلية تعتمد المعاني ولغة الحوار الداخلية ، وقد كانت قصيدة : مرويات نادلة السراب .. امتدادا للقصيدة التي قبلها ، فسيدنا المسيح هو الذي كان يمشي على المياه وهي إحدى معجزاته النبوية ..
المشي فوق المياه حالة من الحالات غير المعقولة ، ولكن توظيف الشاعرة لهذه الحالة ، وهو توظيف اللامعقول ضمن المعقول في بلاد مابين خنجرين ..
أقود حطامي
ورنين بقاياي يسبقني
أحسست بالدنيا ثكلى
ولك يكسر صمم اللحظة
سوى عويل نبضي
الذي يهرول ليلتقط فرحة
وتهبّ في وجه القلب
أنفاس كرامة معلولة
ووجع متعفّن
حتى وصل الخبر
عبر الضمير الزاجل لشفتيّ
اللتين ركعتا تتضرعان :
وااااااااابتسامتاه …
فلم يستجب الا النفاق الرحيم …
قهقهة قهري تعلو
والمؤامرة تهمس لمثيلاتها
وصلت أخيرا أجرّ تابوت العزّة
قرب مقابر الهروب
من وجع لوجع .
من قصيدة : واابتسامتاه – ص 112
المعرفة القصدية لغرض التعريف بها ، تعتبر إشارة واضحة معرفة ، وليس من الضروري ، أن ننقاد الى اشارات ورموز واضحة ، وانما هناك المخفي منها ، ولم تكن هذه اللغة محصورة لشخص دون الآخر ، فالقصائدية موجهة ، والكل يكتب بها ، وكذلك الكلّ يستمع ويقرأ . اعتماد الشاعرة في قصيدتها المرسومة عدة مفردات استدلالية ، وهي تقودنا مابين المعرف الجمعي الشامل ومابين المعرف المفرد .
مفردة الدنيا .. من المفردات المعرفة الشاملة وظفتها الشاعرة العراقية ميمي أديشو بجملة مركبة لتشخيص المعنى : أحسست بالدنيا ثكلى / ولكن هذا التخيص لمفردة عامة وشاملة ، أرادت منها أن تكون معكوسة لتجربتها الحياتية : أقود حطامي / ورنين بقاياي يسبقني / أحسست بالدنيا ثكلى
ومابين الذات التي اشتغلت من خلالها الشاعرة والاشياء المرمية والمتواجدة أمامها ، توحدت الذات وهي تذهب بنا الى المقبرة مثلا وكذلك الى الوجع ، والوجع ، وجع مشترك بين الذين من حولها وبين أناس في بلاد الرافدين ، والشاعرة لم تكتف بتلك النوايا الذاتية المعكوسة ، بل تعدت الى الطبيعة وكذلك الى المحسوسات التي تراودها بين الحين والاخر ، مما تقود الافكار ” أفكارها ” مثلا الى تسييس الفكرة ، وتجعل منها مواضيع صالحة للتقاربات الشعرية ، وكذلك صالحة لعكس الاخر في ذاتها الداخلية .

















