ميثولوجيا الدين بين فلسفه الفرض وثقافه الإقناع
أسراء الجزائري
1-)الأصل في حقائق الأمور أما تكون حقيقة ثابتة و منطقية, وعابرة وهامشية ,فهي تختلف طبقا لمحل التطبيق ووفقا لمصدر الانبثاق,ولكن نادرا ما نجد من يبحث عن الحقيقة المنطقية,لان المنطق مستند للعقل وبغياب العقل او دخوله في سبات نجد ان الأمور تلقائيا تجافي المنطق,وهو أمر وارد خصوصا بوجود وتدعيم
الدوغمائية,والتي نتج عنها الجمود العقائدي الذي يشكل بواقعنا الحالي ابرز مشاكل العصر..عمومآ إن الفكر والمعتقد يكونا وليدي البيئة والمحيط الداخلي,فهي التي توجهه الإنسان وتحدد خطاه أما مغلق ومحدود الفكر,فبالتالي تؤدي لحالة الجمود,ويكون معطل القدرات داخل مجتمعه ,وبعيد كل البعد عن ثقافة الحوار والجدال السليم,-وأما متفتح الإدراك وواسع المدى,فيشكل بتالي المقود الفكري الموجهة للاستنتاج والتحليل بثوابت المنطق وبأعمال العقل,للوصول لجادة الصواب والرشاد,بإرادة الإنسان
واختياره وبتحكيم واستعمال أهم أداة تميزه عن غيره من الموجودات إلا وهو العقل!!!!فالفكر العربي بطبيعته يعاني من أعاقة ناتجة عن تراكمات القبلية واجتماعية وقناعات البدائية التي هيمنة بشكل من الأشكال ع الفكر والمعتقد الديني مما مثل
انتكاسة وحالة من التردي والوهن, والذي أنتج بتالي حالة من التعارض مع معطيات الواقع الحديث وعدم مواكبة لحركة التطور الحضاري,مما جعله موضوع لتشكيك ووالنقدالدائم والذي أفرزته الأنماط الفكرية والمعتقدات القبلية اللصيقة به والتي
لم نجد لها غالبا أي إجابات منطقية من النخبة ممن يعتبرون أنفسهم ممثلين لدين ناطقين عنه,و إن وجدت فتكون غالبا لا تتطابق مع معطيات العصر او تطوراته فنجد اغلب النصوص التشريعية تفسر من منطلق عرفي مستمد من بنية القبلية للمجتمعات العربية متناسين وغافلين عن جوهر الدين الذي يجمع بين خصيصتين التطور والثبات في تناغم الهي مبدع,وتناسق رباني رفيع,حيث يمثل من جهة القواعد الشرعية الثابتة و القطعية التي لا مجال لتغيرها,ومن جهة أخرى دعوى وارشاد المجتهدين لما يمكنهم به من استخراج حكمها حسب مقتضى الزمان والمكان والمنطق.قال الرسول الأعظم عليه افضل الصلاة والسلام (من لم يعرف الزيادة في نفسه كان لنقصان اقرب)في هذا الحديث دعوة لتفكير والتأمل بعيداعن فكرة التناقل الوعائي الأفكار,ونبذ الضمني لجمود الفكر والعقل خصوصا بما
يتصل بفكر الديني الذي نجده في اغلب الأحيان يغلب عليه طابع الجهل ورداءة التفكير وهذا ما يتعارض من ناحية منطقية مع المنظومة الدينية السوية القائمة بالإرادة الإلهية المعصومة عن الخطأ والتدليس.لذا اعتقد ان هذا المنعطف يستحق وقفة جدية وتأمل قد خفي عن كثير من الأجيال التي توارثت أحاديث ومواقف متناقضة ومجردة عن المنطق وبعيدة كل البعد عن الصواب الذي تمثله وتدعو أليه الرسائل السماوية, فا الانحسار بتداول الألفاظ
والكلام ونقله دون معرفة يقينية للمقاصد او سكن بلغة الثقافة,جعل من المنظومة الدينية بواقعنا ومجتمعاتنا بذات هيكلية مغلوطة ومؤولة ومجردة عن المنطق وبعيدة ومتناقضة ومتعارضة مع أفكار الحداثة,بالعودة قليلا لمنهجية وواقع الفكر العربي الذي نلحظ جميعا انه في تراجع مستمر وبائن حيث
كان منذ ثلاثينيات القرن الماضي يتمتع بقدر من حرية ولو ضئيلة بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى ولكنه كان ع المسار المنتهج والساعي لها,أما الآن فقد مساره وتبعثر خطاه فلم يعد يعرف له أي اتجاه وهدف خصوصا بعد سيطرة الأيدلوجيات السياسية وعلو المصالح الاقتصادية وأولوياتهما عليه.
مما يظهر جليا على الواقع الفكري خصوصا ما يتعلق بالجانب الديني تجرده من فلسفة الحوار حيث اعتمد على تبني النظرة الأصولية لدين والتطبيق التام لنص وانعدام أعمال العقل وفن المناظرة وعلم الكلام.لذلك نجد كثير من الثغور والشقوق بهيكلية
الفكر الديني والتي من المفترض ان تتصف بثبات والتكامل والإنصاف ولكن نتيجة خضوعها لهيمنة الجهل وجمود الفكر مما أدى تلقائيا امتزاجه بالخطأ وتداولها معه وهذا جاء نتيجة لغياب الحوار والجدال السليم والنقاشات اللاهوتية الهادفة.ففي واقعنا الذي يتميز بمشكله عظمى تميزه عن باقي الامم البشرية إلا وهو تناقل الأفكار التعبوية وتخزينها بقدسية ,فالجهل هو عدم المعرفة ويوجد بصوره مقابله للخطأ لكون الجهل يخلو من الإثبات بينما الخطأ هو إثبات المنحرف,والجهل المقدس هو اعتقاد الإنسان انه لا يحتاج إلى معرفه* وبطبيعتها الهيكلية الفكرية للمجتمعات العربية هيكليه كسيحة للأسف,تتصف بجمود والقوقعة,فمن هذا كانت أمة سهلة
الاستلاب والقيادة,حتى انها لم تجد في أعظم مرشد أرسل لها أي تغيير يذكر,ف عندما بعث فيهم سيد الخلق الرسول محمد(عليه أفضل الصلاة والسلام)لغرض التغيير والإصلاح والتنوير ولهدف تحديد خطى لهيكليه بشريه سويه,قائمه على أساس أنساني تسمو على فقه البداوة وسطوة التقاليد الباليه,يهدد لتكيل هيكليه بركائز عميقة وصلبه قادرة على مواجهه التحولات والتطورات الطبيعية للجنس البشري,من دون وجود فكره العصر الاستثنائي,ألا أن الأفكار المتحجمه والدائرة بإطار ما هو قائم ومتوارث والمناهض لفكره طرح البدائل والخروج عن المألوف,نال بأيديولوجيته المتردية من منهجيه الفكر العقائدي, واثر سلبا على بنيته المادية,نتيجة تبنيه لأسس تهدف لسير باتجاه واحد وبنمطية معينة وبشكل مبرمج,بعيده عن كليآ ثقافة الإقناع والمنطق السليم.وبالنتيجة سطت الأفكار المجتمعية على الأفكار الدينية حتى باتت تمحيها,وخلقت بونَ شاسع بين الواقع والتطبيق,فالفكر الديني هو فكر روحي وحاجه إنسانية فطرية تجعل الإنسان يبحث عن سبب وجوده والهدف منه,فتجده يبحث بشكل تلقائي عن خالقه وعن طرق لتواصل معه,نظرا لحاجته العاطفية وتركيبته النفسية,فعلاقة الإنسان ب ربه علاقة
سامية,لكونها تقوم على أساس حسي وتأملي,ووفق منظور غيبي,تجعله يستشعر باستمرار ان هناك من يحيطه ويحميه.
وأجمل وصف سمعته ويستحضرني الآن هو وصف بابا الفاتيكان عندما وجهه كلمته للملحدين وقال حينها(يكفيكم فعل الخير لمعرفه الله) أوجز الفكر العقائدي وذات الالهية بفكرة سامية وأساسية لتعايش السلمي,الواهي الخير,بعيدا عن المعوقات التي رسمها تجار الدين في واقعنا الحالي,من أفكار مركبة وتشوهات وإرهاصات نالت من المنظومة الإيمانية وجعلتها اقرب ما يكون للخرافة والرجعية والبداءة,حتى أصبح الدين في حاضرنا مجرد مستلزم ظاهري,وضرورة خارجية,متجرد من هويته الداخلية ومن سمته الروحية المتناغمة مع الذات,حتى أمسى مجرد فكرة مقترنة بأهداف معينة وباتجاهات محدده,متبنين مبدأ عام يجب أن يكون الجميع مسلمين ومن لم يكن فعليه التقييد المظهر العام,متغافلين عن جوهر فكرة الدين وهي أن تكون مؤمنا قبل ان
تكون مسلما.حتى أصبح الفكر الديني مجرد فكر تعبوي تداول داخل قلاع حصينة مسورة بتجريم السؤال أو البحث او التقصي, للحفاظ ع خطى محددة انتهجها أهواء مشوهة لبعض القائمين عليها.فالسؤال بطبيعته هو حق أنساني و وسمة وجودية كون الطبيعة البشرية تتميز بامتلاكها ألقدرة على التفكر والتخيير وتسعى دائما للوصول للمنطق وحقائق الأمور حسب منظرها ,وهذا مقرون بالنظرية النسبية لكل شخص,فليس من المعقول تفنيد جميع الآراء وإلغاء الآخر وتزمت بالرأي بحجة التمسك بأتون النص الذي لا يمكن الخروج عن مساره.وسط هذا التعميم كله استحضرتني الحقبة الزمنية التي مرت بها أوربا في القرنين السادس والسابع عشر بين الأصولية الدينية والأصولية العلمانية,والتي كان الدافع الرئيس لهذا الصراع هو حكر رجال
الدين وتسلطهم واستغلالها البشع والمفرط لحاجات العامة حتى وصفها (نيكوس كازانتراكس) بقوله–الكنيسة في الحالة التي أوصلها رجال الدين اصبحت كحظيرة بها آلاف الأغنام المذعورة-… ديننا في وقت الحالي ليس بحال أفضل مما وصلت اليه المسيحية بالقرن السابع عشر وما أصابها من تصدعات وتشوهات في جميع المفاصل مما جعلها أرضية خصبة وسببية مباشرة وغير مباشرة لظهور حركات مناهضة ومعادية للدين ,فالفوضى الذي صنعها رجال الدين والعمل المستمر على تحريف وتشويه تعاليمه وتعقيدها جعل من تركها أمر ابسط وأسهل وأفضل من الخضوع له بأتباعه أو إتباع تعليماته المركبة,,,,,,ابذآ الهوة التي خلقها رجال الدين بين الناس والدين كانت أشبه بحاجز يصعب على الجميع تخطيه برغم مرونة ويسر التعاليم السماوية بطبيعتها بشكل عام والدينية بشكل خاص ,فيسر الأحكام الدينية وبساطة تداولها سمة مقترنة بتعاليمه,حيث ذكر الشيخ محمد عبده أن لكل مسلم ان يفهم عن الله من كتاب الله وعن الرسول من كلام الرسول بدون التوسط من احد من السلف ولا من الخلف…(المصدر الأعمال الكاملة لشيخ محمد عبده)..وهذا الكلام قد لا يروق لبعض ولكن الحقيقة التي
يسير بها مجتمعنا الإسلامي هي أشبه بطريق نحو الهاوية,نظرا لما حملته الحقبة الزمنية الأخيرة وما حملته من تشوهات الفكر الديني والتي لعبت دورا سلبيا يستحق من الوقوف عنده والبحث بأسبابه,خصوصا بوجود مواقف لاانسانية بدت تعكس صورة مغايرة عن الدين ومعتنقيه. هذا كله مماثل وليس ببعيد عن مواقف المشينة لرجال الدين الكاثوليك قبل الثورة الفرنسية عام 1789بعد تحولوا لطواغيت ووحوش كاسرة من محترفين سياسيين ومستبدين تحت شعار الرهبنة والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران,ووقوفهم ضد العلم وهيمنتهم على الفكر والتقدم,وتشكيلهم لمحاكم تفتيش,واتهامهم العلماء بالهرطقة,كما كانوا يعاملون بوحشية كل ما لا تروقهم أفكاره مثل ما اقدمو على تعذيب صانع التلسكوب(جرادانو)وهو في سبعين من عمره حتى لقي حتفه من شدة التعذيب,اما صاحب مدرسة النقد التاريخي(سبينوزا)الذي كان مصيره الموت مسلولا,نتيجة احتجازه ومنع الطعام عنه ايام عدة,بسبب أفكاره التي لا توافق أفكارهم,حتى أصبحت الثورة الفرنسية حصيلة هذا
العنف والصراع,لتكون اول حكومة الدينية بعد هذا الوحشية التي أفرزتها الحكومات الدينية وهي بالأصح لا دينية,حيث بدأت الثورة ضد مظالم رجال الدين وانتهت ضد الدين نفسه,,حتى أمسى أي لفظة حكم ديني تحمل بطياتها ماضي عنيف ومرير ورجعي !!!!!
نحن الآن لسنا بمنأى عما حدث بفرنسا قبل الثورة فنجد من يدعون بأنهم يقيمون التعاليم الإلهية على الأرض هم اكثر الأشخاص بحقيقتهم يبثون الفساد والعنف دون اي رادع او مانع,فالمنعطف المماثل الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية لا تحتاج برأي لأبعاد الدين أو نفيه كحل امثل على غرار الثورة الفرنسية,لكن الحل الأمثل يتجسد بفكرة الإصلاح الديني والعودة لتعاليه السوية عن طريق نظرية الاصلاح (لمارتن لوثر كيينغ)الذي عمل على إصلاح الفكر الديني الذي ربطه بتحطيم حواجزه الثلاث,وهي كسر عصمة رجال الدين من الخطأ والهالة التي يصنعوها حول أنفسهم والتي تفوق هالة الأنبياء والمرسلين,والثانية مساواة السلطة الدينية بسلطة العلمانية أي اعطاء فرصة لافكاراخرى وهي طريقة لتقبل الآخر المختلف,واهم حاجز يتوجب كسره ومحوه هو حاجز السلطة الدينية التي تمتلك الحق وحدها دون غيرها بفهم الدين وتطبيقه,فكل انسان له الحق في فهم التعاليم الدينية وتطبيقها حسب استيعابه وادراكه,
وعدم حصرها برجال الدين دون غيرهم,,,,لو تم تطبيق فكرة ثورة الاصلاح الديني ببنودها الثلاث,وخصوصا بعصرنا
الحالي عصر الفتاوى التهريجية,والعبث الديني لكانت السلطة الدينية حققت انجازات تفوق التصور نظرا لما تحمله المنظومة الدينية الشمولية من منهاج اقتصادي اجتماعي سياسي متكامل,بعيدا عن النظرة الضيقة والسلبية التي أشاعوها رجال الدين وأصبحت سمة سلبية متلازمة معه,حتى بدأ الجميع بوعي ومن دونه بالمناداة بالعلمانية كحل الأمثل لإشكالات التطبيق المفاهيم الدينية,متناسين أن العلمانية هي فكر جاهز اقتحم
المجتمعات الإسلامية والشرقية بتحديد كحل طارئ لظروف عرضية,(لذا مصيرها سيكون مصير الماركسية بخمسينيات وستينيات القرن الماضي,برهان غليون)وستعود برد فعل عكسي.
الفكر العربي المعاصر لعب دور سلبي للمنظومة الدينية واثر تدريجيا على وضوحها,حيث كان يتميز الفكر العربي سابقا في الثلاثينيات من القرن المنصرم,بمرونه واستيعاب اكبر حتى
صدر في وقتها كتب متعددة عن فلسفه الدين والإيمان والإلحاد وكان يتم تداول الأفكار وتناقلها بشكل هادف ومُجدي,حتى كتب احد المفكرين كتابا بعنوان (لماذا اناملحد)وصدر كتاب اخر بعنوان (لماذا انا مؤمن) وهكذا سمح للفكر والفكر المضاد بتداول
والمواجه والنقاش السليم بحريه,وسمح كذلك ب الاطلاع كلا الطرفين المؤمن وغير المؤمن والمعنى ب الأيمان والملحد ب الاطلاع والتفكر والتخيير وتبني الافكاروالاتجاهات المنسجمة مع ذاته,وقناعاته,دون الخشية من رد الفعل العنيفة أو المتشجنه
او للاعقلانية وما يظهر جليا في الواقع وعلى الصعيد الفكري خصوصا ما يتعلق بالجانب الديني تجرده من فلسفة الحوار حيث
اعتمد ع تبني النظرة الأصولية وانعدام أعمال العقل اوفن المناظرة وعلم الكلام.
























