
بغداد – الزمان
يدعو موظفون عراقيون من أصحاب المدخولات المتدنية، إلى حسم قانون سلم الرواتب الجديد، الذي تتلاقفه أروقة الحكومة والبرلمان، وسط اتهامات بالمماطلة في حسمه.
ويرمي البرلمان العراقي، الأسباب على الحكومة في تأخر مناقشته، فيما يدعو نواب الى سرعة إنجازه وإرساله إلى البرلمان لغرض التصويت عليه.

والجدل حول تعديل سلم الرواتب في العراق، يتعلق بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل بين مختلف الفئات في المجتمع، ومن المفترض، أنه نظام يحدد كيفية توزيع الرواتب والمزايا للموظفين في القطاع العام والقطاع الخاص وغيرهم.
وتشكلت لجنة في مكتب رئيس مجلس الوزراء العراقي، من أجل إعداد سلم موحد لرواتب موظفي الدولة، إلا إنها تحتاج إلى وقت أكثر، وفق التصريحات الرسمية.
الباحث الاقتصادي جليل اللامي يرى في حديثه لـ الزمان أن «استياء الموظفين في الوزارات ذات الرواتب المتدنية دفع الحكومات العراقية منذ 2003 إلى إعداد مسودة لقانون سلم رواتب جديد يحقق العدالة بين الموظفين، لذا بقي العمل على رواتب ومخصصات موظفي الدولة والقطاع العام بموجب القانون 22 لسنة 2008 المادة 3 / ثانياً والتي تنص على ان لمجلس الوزراء تعديل مبالغ الرواتب المنصوص عليها في جدول الرواتب الملحق بهذا القانون في ضوء ارتفاع نسبة التضخم لتقليل تأثيرها على المستوى المعيشي العام للموظفين».
يضيف «رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي اصدر قرار مجلس الوزراء رقم 366 لسنة 2015 المتضمن تعديل جدول الرواتب الملحق بقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008، والذي بموجبه تم تقليص عدد الدرجات الوظيفية إلى 10 وإجراء تعديل طفيف في رواتب بعض الدرجات بزيادة حدودها وتقليل رواتب الدرجات ابتداء من الأولى بما تسبب بانقاص الرواتب الاسمية لفئات من الموظفين الأولى بمبلغ 38 ألف دينار واقل».

وأكمل: «حتى حكومة السوداني التي شكلت لجنة لإعداد سلم رواتب جديد والتي انصدمت بقاعدة البيانات الجديدة للأيدي العاملة في الدولة، والذين فاق عددهم أربعة ملايين بالإضافة إلى حجم السيولة المالية المطلوبة لتنفيذ السلم الجديد والتي تقدر من 8 إلى 11 تريليون دينار ورغم النقاشات و على مدى الاشهر الماضية حول سلم رواتب جديد لموظفي الدولة والقطاع الحكومي إلا أن اللجنة المشكلة في مجلس الوزراء حول الجدول الجديد للرواتب الذي يبدأ من الدرجة الأولى الى الدرجة 11 والذي بموجبه ستكون العلاوة السنوية لكل درجة بالإضافة الى المخصصات بنسبة 50% تحت مسمى تحسين معيشة، و30 % تحت مسمى مخصصات خطورة مع إلغاء المخصصات كافة التي منحت بموجب قرارات مجلس الوزراء، وكذلك المخصصات التي وردت في التشريعات، لم تنجز شيء لحد الان والعمل مستمر لإقراره، بالإضافة إلى ذلك فإن قانون سلم الرواتب الجديد المقترح لم يخلو من صبغة سياسية و خلافات سياسية ايضا واعتراضات وزارية قد تؤخر تشريعه، رغم أن القانون يهم شريحة واسعة من العراقيين هم الموظفون، وتحديدا اصحاب الدخول الضعيفة والبسيطة».

وهناك تاريخ طويل من الاحتجاجات في العراق من أجل سلم رواتب عادل. ففي العام 2019، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد بعد أن خفضت الحكومة رواتب الموظفين، واستمرت الاحتجاجات لعدة أشهر. في العام 2020، اندلعت احتجاجات أخرى في بغداد بعد أن ألغت الحكومة قانوناً كان يمنح الموظفين مكافآت مالية. واستمرت الاحتجاجات لمدة أسبوعين. وفي العام 2021، اندلعت احتجاجات أخرى في بغداد من اجل تحسين رواتب الموظفين وزيادة القدرة المعيشية للمواطنين بشكل عام.
ويرى الدكتور مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء العراقي، في تصريح لـ الزمان، أن «هناك مفارقة في مدخولات العاملين او ما يطلق عليها اصطلاحاً (تعويضات المشتغلين) ممن يعمل في القطاع الوظيفي الحكومي والتي تسمى احيانا بسلم الرواتب، اذ ان مركز ثقل تلك المرتبات او المعاشات هو ما تستغرقه النفقات العائلية او تكاليف المعيشة للأسرة الواحدة بموجب نظام الاعالة المعتمد في بلادنا».
واستطرد «ففي الوقت الذي يلامس متوسط دخل الفرد في الناتج المحلي الاجمالي بما يزيد على ٦ الاف دولار سنويا وحسب البينات السائدة حالياً، فان متوسط دخل الفرد للعاملين في الدولة ظل يتماسك ومنذ اكثر من عشرة أعوام بمتوسط ثابت هو بنحو ١٠ الاف دولار سنويا».

وتابع «من الناحية الشكلية فان متوسط مستوى معيشة الطبقة الوظيفية وتحديداً للموظف الواحد يفوق متوسط دخل المواطن في الناتج المحلي الاجمالي مفترضين نظريا ان هناك توزيعاً عادلا ومتساويا للدخل».
واستأنف القول: «المفارقة الموضوعية الحاصلة اليوم في سلم الرواتب تؤكد ان هناك ست درجات وظيفية من اصل عشر درجات او اكثر وتضم بين صفوفها تقديرا قرابة ثلثي العاملين في الدولة يتلقون دخلاً سنويا على وفق نظام الاعالة يبتعد كثيرا حتى عن متوسط دخل الفرد الواحد في الناتج المحلي الاجمالي للبلاد بل يضع اغلبهم على خط الفقر الاسري و ربما دونه للبعض منهم، وينطبق الحال ايضاً على شرائح المتقاعدين بشكل مماثل الى حد ما، لذا فان اي تعديل لسلم الرواتب ينبغي ان يأخذ معيارا تلقائيا قوامه متوسط دخل الفرد السنوي في الناتج الحلي الاجمالي من جهة ودرجة الاقتراب والابتعاد عن خط الفقر الاسري من جهة أخرى، على ان يعدل ذلك السلم كل ثلاثة اعوام صعودا دون اغفال العدالة الضريبية في الاعفاء او الفرض او التعويض (أي اضافة نفقات معيشة او ما يعرف بالضريبة السالبة على الدخل السنوي).
وتعود جذور عدم الرضا عن سلم الرواتب إلى العام 2003، وهو العام الذي شهد الغزو الأمريكي للعراق وشكل حكومة جديدة، ومنذ ذلك الحين كانت الحكومات الجديدة ضعيفة ومفككة، ولم تتمكن من حل العديد من المشاكل التي كانت تعاني منها البلاد، بما في ذلك الفقر والبطالة وفساد الحكومة، وقد أدى ذلك إلى غضب شعبي كبير، وبدأ الناس الاحتجاج على الحكومة بسبب الفوارق الطبقية الهائلة بين الطبقة السياسية وعموم الشعب.
جبرت الاحتجاجات الحكومات العراقية على إجراء بعض التغييرات، لكنها لم تتمكن من تلبية جميع مطالب المحتجين. ولا يزال الكثير من الناس في العراق يعانون من الفقر والبطالة والفساد.
ومن المتوقع أن تستمر الاحتجاجات في العراق من أجل سلم رواتب عادل حتى يتم حل هذه المشاكل.
ويتحدث المحلل الاقتصادي المهندس علي جبار لـ الزمان عن أن «سلم الرواتب هو عنوان لجدول التسلسل الوظيفي، ومقدار الراتب والدرجة الوظيفية المرتبطة بقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008، وهو موضوع يثار في كل مرحلة يتم فيها مناقشة الموازنة وكذلك في مراحل الانتخابات اذ تحول إلى سلعة يتاجر بها البعض».
يشير جبار إلى إن «الوظيفة في القطاع العام أسس لها مقياس يسمى (سلم الرواتب) يأخذ عدة عوامل منها العنوان الوظيفي، الشهادة، سنوات العمل، راتب التسكين (الاسمي)، ويضاف لها العلاوات والاستحقاقات الأخرى، فيما الخلل الحاصل هو تلاعب القائمين على هذا الموضوع بمزاجية غير مهنية». يتابع جبار: «يضاف لهذا الخلل هو التوظيف الكمي السلبي في القطاع العام الذي أصبح الأعلى عالميا حيث ان عدد الموظفين في العراق يتجاوز ال 4.2 مليون موظف بمعنى موظف واحد لكل عشرة مواطنين، وفاتورة رواتب موظفي الدولة تستهلك ما يعادل 76 % من إيرادات النفط حسب قراءات موازنة 2023، في حين المعيار العالمي لهذا الموضوع هو موظف واحد لكل 100 مواطن».
ويكشف جبار عن إن «فاتورة رواتب موظفي الدولة تتراوح بين 518,000 دينار (المعدل الأدنى) و 9,150,000 دينار (الحد الأعلى) ومعدل الراتب الشهري للموظف في العراق هو 2،050,000 دينار في الشهر، ومعدل مقدار الراتب الاسمي من فاتورة رواتب موظفي القطاع العام تشكل 37 % فقط، والبقية هي الحوافز والعلاوات وغيرها من الإضافات».
يتحدث جبار عن ان «المشاكل الحاصلة في عملية احتساب سلم الرواتب تحتاج الى إعادة ضبط وتقييم، ويجب تحديث اعدادات هذا السلم في كل مرحلة وبشكل ثابت (كل عشرة سنوات، على سبيل المثال)».
يشير جبار إلى «تكاثر ظاهرة الدراسة لموظفي الدولة للحصول على الشهادات لغرض رفع قيمة الراتب والعنوان الوظيفي فقط، وليس لتطوير الأداء الوظيفي، وهذا أحدث خللات في زيادة الرواتب لغير المستحقين فيما لا زالت عملية احتساب الخبرة من خلال سنوات العمل، وهذا مفهوم قديم،حيث تبين ان كثير من الموظفين لا يملكون أداء إيجابي او متطور، ومن خلال التجارب تجد ان عدد من الموظفين يؤدون اعمال روتينية فقط بتكرار ولسنوات».
يدعو جبار إلى «تحديث طريقة تقييم سلم الرواتب للموظفين من طريقة ترتيب العنوان الوظيفي الى طريقة احتساب النقاط وتصنيف الاعمال (الوظائف), والتي تتيح احتساب الإضافات على الراتب من خلال الأداء المهني والإنتاج والخطورة، بالإضافة للأوزان الأخرى (الدراسة، المسؤوليات، وغيرها)، وإعادة التوازن لسلم رواتب الموظفين من خلال الغاء الرواتب المكررة والمزدوجة لفئات كثيرة من الموظفين المدعومين سياسياً، وتخفيض معدلات رواتب الدرجات الخاصة المستحدثة (البرلمان، مجالس المحافظات، وأصحاب الدرجات العليا، كذلك فئات رواتب ما سمي بالسلة الواحدة».
ويتوقع الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن حسين في حديثه لـ الزمان، إن «قانون سلم الرواتب لم ولن يمرر كما لن يتم تعديله وما يحدث هو اوراق انتخابية بسبب عدم وجود ثقة تربط الحكومة والمواطن الذي وراء لقمه العيش دون جدوى».
ويروي عبد السلام انه «قدم مشروع دراسة يوفر إيرادات بنحو من 500 الى 600 مليار دينار عراقي شهريا عبر مشاريع استثمار وقدمه إلى الجهات المعنية لكن ركن في الادراج لكثرة المنتفعين الفاسدين».
ويتحدث الخبير القانوني علي التميمي لـ الزمان عن إن «قانون سلم الرواتب ٢٢ لسنة ٢٠٠٨ وتعديلاته، حدد في جداول ثابتة رواتب الموظفين والدرجات الوظيفية، وأجاز لمجلس الوزراء تعديل الرواتب في ضوء ارتفاع نسب التضخم لتقليل أثر ذلك على المستوى المعيشي».
ويرى التميمي «علاقة طردية في التعديل من قبل مجلس الوزراء حسب هبوط قيمة الدينار أو صعوده واثر ذلك على الأسواق بالتضخم، فإذا انخفضت قيمة الدينار وأدى إلى تضخم الأسعار وصعودها فإن ذلك مدعاة للصعود بالرواتب من مجلس الوزراء وفق هذا النص لمواجهة أية أزمة».
وفي المجمل، يعتقد الكثير من العراقيين أن سلم الرواتب لا يحقق العدالة الاجتماعية بين مختلف الفئات الاجتماعية، حيث الاختلاف الكبير في مستويات الرواتب بين الطبقات المختلفة.
لكن المشكلة إن سلم الرواتب سوف يؤدي إلى تضخم الرواتب دون وجود تحقق فعلي للإنتاجية أو الأداء، هذا يؤدي إلى زيادة الضغوط على الميزانية الحكومية ويمكن أن يؤثر سلبًا على الاقتصاد.
ومن الصعب تمويل زيادات في الرواتب بشكل مناسب، خاصةً في حالة وجود أوضاع مالية صعبة للحكومة.
ويثير سلم الرواتب قضايا حول الشفافية والفساد في توزيع الرواتب والمزايا، مما يؤثر على الثقة العامة في النظام.
وأرجع النائب عن دولة القانون فراس المسلماوي، أسباب تأخر تعديل سلم رواتب موظفي الدولة، إلى أن اللجنة المعنية لم تصل إلى نتائج نهائية لتعديل وتوحيد سلم رواتب الموظفين، وإنها تعمل على معالجة رواتب الأدنى في الوزارات والدوائر ومؤسسات الدولة.
لكن العجز الموجود في قانون الموازنة البالغ 64 تريليون دينار، أحد أسباب تأخر اقراره، وقد يكون ذلك سببا أساسيا في المماطلة، وفي حين أن التعديل سوف يؤدي إلى تحسين مستويات الرواتب في الفئات الأدنى دخلاً، ولكن قد يؤدي أيضًا إلى زيادة في التضخم الهامشي لأن الزيادة في الرواتب قد تتسبب في زيادة في أسعار السلع والخدمات.
وأنشأ عراقيون على موقع التواصل الاجتماعي، حساب حمل اسم «مطالب بسلم الرواتب»، يتجاذب فيه
المهتمون، الجدل، والتصورات والمقترحات حول الرواتب، وغياب العدالة في توزيعها.
وكتب مغرد على الموقع: اين الوعود بتعديل الواقع المعيشي، الا تسمعون الناس المطالبين بقرار سلم الرواتب العادل.. ألم ترو اعتصاماتنا واضراباتنا.
وفي العاشر من آب/ أغسطس الماضي، تراكمت النفايات في سوق الجمهورية في محافظة البصرة بسبب استمرار اضراب كوادر مديرية البلديات المطالبة بتعديل سلم الرواتب. وقبل ذلك، في بداية السادس من آب/ أغسطس الماضي، تظاهر موظفون في أمانة بغداد مطالبين الحكومة بالإسراع في إقرار «سلم الرواتب العادل لموظفي الدولة».
وكتب الناشط جهاد مهدي على موقع أكس، انه و»بعد وصول السوداني لمدينة العمارة، فأن عمال النظافة وباقي الدوائر الخدمية انتظروا رئيس الوزراء الذي وصل إلى المدينة، كي يتحدثوا معه عن تعديل سلم الرواتب».
واعتبر المتابع لملف الرواتب مصطفى الصالح في تغريدة على موقع اكس أيضا، أن «الوعود بتعديل سلم الرواتب، اصبحت مثل السراب في ظل تصريحات حكومية متكررة وتشكيل المزيد والمزيد من اللجان»، متوقعا بأن «الموظفين سيبلغون سن التقاعد ولم يقبضوا سوى كلام في نهاية المطاف». واعتبر المدون ابو احمد العراقي أن «بعض النواب وعدونا بحسم تعديل سلم الرواتب، وصدقناهم، ليتضح مع مرور الوقت، بان كلامهم كذبة كبيرة، اذ لا وجود لسلم رواتب جديد، على الاطلاق».
وتختلف الفوارق الطبقية في الرواتب داخل الدولة العراقية، وتعتمد على عدة عوامل، منها الاقتصاد، والنظام الضريبي، والقوانين العمالية، والثقافة، والقوى السياسية، والاجتماعية. ويعكف النقاش في المجتمع العراقي على مستوى النخب والناس، حول عدم المساواة الاقتصادية والفوارق بين الأجور بين الطبقات المختلفة.
























