موج يوسف – بغداد

موج يوسف – بغداد

تسيّد الخطابُ منذ القدم على المجتمعات ، وسلطته تكمنُ عندما يوّجه وفق أيديولوجية معينة ولو عدنا بنظرة موجزة إلى التاريخ العربي سنلحظ أن في العصر الجاهلي تُقرعُ طبول القبيلة عندما ينبغُ فيها شاعرٌ ؛ لأنّه سيكون المسؤول عن تخليد أمجاد قبيلته حتى ولو كان المجد لا قيمة له تذكر ، وفي حروبهم يكون الصوت الإعلامي الذي يهزمُ بخطابه العدو قبل سن السيف ، ولا ننسى أن النبي محمد في دعوته إلى الإسلام قد اتكأ على شعراءٍ وظّفهم تحت مسمّى ( شعراء الدعوة) لينصروا الدين وقائده في شعرهم وخطابهم المباشر وبهذا قد استطاع النبي أن يرسّخ هويته الإسلامية ويجعلها مركزية في عموم الجزيرة العربية وخارج حدودها ، كذلك لا بد من ذكر أن بعض الشعراء قد قتلوا بسبب خطابهم وخير مثال على ذلك أغلب شعراء الدولة العباسية عندما بدأ شعرهم يهاجم السلطة وحكامها وخرج عن أيديولوجية الدولة فكان القتل حليفهم ، و بشار بن برد أحد الذين تخلصت منهم السلطة حين أقام الخليفة المهدي عليه حدّ الخمر وكما هو معروف في التشريع الإسلامي أن هذا الحد غير مميت ، لكن جلاديه أسرفوا بالجلد إلى أن قُتل ؛ ليتخلصوا من لهيب خطاب بشار المعارض لهم . وإذا أمعنا النظر في صورة خطابنا الإعلامي المعاصر في العراق لا نكاد نجزم بالقول : إنَّه متعدد الايدولوجيات التي تبدو نموذجاً للحرية لكنها صارت قاتلة فيما بعد  ، وهذه التعددية الايدولوجية بثت في لغتها رسائل العنف ضد الآخر ، ولا شك أن هذا الأخير صار ثيمةً لصيقةً في الخطاب . قد يستغرب القارئ ويتبادر في ذهنه تساؤلات منها : كيف لخطابٍ موّجه إلى الجمهور أن يشيع فيه الإرهاب ؟ وآخر قد يقول : وما علاقة العنف بالهويّة ؟

ميشيل فوكو ابرز منظري الخطاب يرى : أن الخطاب هو النصوص أو الأقوال كما تقدّم بمجموع كلماتها ، ونظام بنائها ، وبنيتها المنطقية أو تنظيهما البياني. في حين إن الخطاب الإعلامي ينطلق من منتجه حاملاً المعاير التي وضحها فوكو فضلاً عن تبوبيه بعقيدةٍ أو فكرٍ أو جهة نظر معينة توّجه إلى المتلقي بلغة سلسة بسيطة من دون مجازية أو شيفرة ، وإنما بلغة تقريرية إخبارية ــــ وهي مطلب إعلامي ــــــ تتلاءم مع جميع المستويات الثقافية للفرد . من هنا يتضح أن الخطاب الإعلامي في العراق سيما بعد 2003 أغلبه كان المحرض الرئيس في صناعة الكراهية بين أفراد المجتمع : ذي التعددية في الهويّات والتي تتطلب لغةً حيادية تتوافق مع هذا التعدد ، لكن هناك من استثمر هذه الهويّات المختلفة لصالح سياسته الخاصة ومصالحه الشخصية وما وراءها من منافع تخدم الآخر عبر ما يبثه في قناته الخاصة ، فلو رصدنا بشكل سريع ما يبث في البرامج الحوارية والإخبارية نرى أولاً خلوها من المهنيّة الإعلامية ، وابتعادها عن المصداقية في نقل الخبر ، الخطاب الذي صار يتضمن عبارات السب ، والشتم  ، والقذف بشكل واضح وصريح ــــ يمكن العودة إلى قاموس مفردات الكراهية في الإعلام العراقي ــــــ فضلاً عن التصريحات التي تخلو من الأدلة والشواهد ، والأمر الأهم التأكيد في الخبر على عدد القتلى أو الجرحى بحسب هويّاتهم ، والتنبيه على تكرار ألفاظ معينة توحي إلى إشاعة الترهيب النفسي في المتلقي . كلُّ إذاعة أو قناة إعلامية غير حكومية نلحظ في خطابها أنها تننصر لإيديولوجيتها على حساب إقصاء الآخر . وفيما يبدو أن اللغة المتناولة في الخطاب الإعلامي قد مارست كل سطوتها على المجتمع وهذا ما ذهب إليه العديد من الباحثين أن عنف اللغة هو أخطر من العنف المادي ، ونعتقد أنها قد نحجت في تجزئة الهويّة العراقية وعملت على تشظيها ، هبوط المحتوى والمضمون ممّا روّج لصعود الثقافة الشعبوية ، والإسفاف في اللغة وهذا المرض قد انتقلت عدواه إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي سادت بشكل مفرط في الأعوام الأخيرة والتي أصبحت متاحة بين العامة ، وقد يعترض أحد القارئ على رؤيتنا بحجة أنه يعيش وفق تطوّر استورده من الغرب ومن حقه أن يمارس حرية التعبير بشكل مطلق ، وأن يعلو صوته ضد من يراه بعيداً عن الحق ويزج تهديده ووعيده فأحدى المطبات الكبرى التي وقع  في شباكها رواد التواصل الاجتماعي من العراقيين أنهم صاروا ضحايا وجلّادين في حين أن المادة 48 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لعام 1969 المعدل المادة 200 فقرة 2 نصت المادة أنه يعد شريكاً في الجريمة من حرض على ارتكابها فوقعت بناءً على التحريض ، والمادة الثانية من قانون الإرهاب العراقي رقم 13 لعام 2005 قد نص على الأفعال الإرهابية منها العنف أو التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم للخطر ، وإذا تتبعنا الواقع العام لم نجد تطبيقات لهذه المواد ، فكثير من الأفراد قد وقعوا ضحايا من يقود المنظومة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية وكلّ ما نحتاجه إلى تطبيق حقيقي لهذه القوانين مع ضمان حرية التعبير التي تبتعد عن لغة العنف ، ونعود بسطور سريعة لموضوعة الهويّة فقد بينا فيما تقدم كيف عمل خطاب العنف على تمزيقها وحصرها بزاوية ضيقة و حتى تقلصت إلى هوية فرعية صغيرة ، لكن مع هذا يمكن أن يعاد بناؤها عبر الإعلام أيضاً عندما يشذب من كل ألفاظ العنف والتحريض ، تكثيف معاني المواطنة ، توشيح البرامج بالخطاب المتصالح مع الآخر والذي يقبل المختلف عنه في الرأي والايديولجيا والهويّة والاثنية والعرقية والدين وتكون مصلحة البلاد هي العليا والهم المشترك بين جميع أفراده . وممّا تقدم يمكن القول إن الصحف يقع على عاتقها جزءً من إعادة صناعة الهويّة الممّزقة من جديد وهذا ما نأمله من هذا المنبر.