من‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬رفض‭ ‬الرأي‭ ‬الأمريكي؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

نعم،‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬رفض‭ ‬الرأي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬سياق‭ ‬الرفض‭ ‬هو‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬المسألة،‭ ‬اذ‭ ‬ليس‭ ‬الرفض‭ ‬والقبول‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬رغبات‭ ‬سلطوية‭ ‬رائجة‭.‬

‭ ‬وأرى‭ ‬هنا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬بأنّ‭ ‬الرضا‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬حكومة‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬سواها‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الصحيح‭ ‬للشعب‭ ‬العراقي،‭ ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬البلد‭ ‬كله‭ ‬كيف‭ ‬جلبت‭ ‬واشنطن‭ ‬عبر‭ ‬حاكمها‭ ‬المدني‭ ‬للعراق‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬حكومات‭ ‬نهبت‭ ‬العراق‭ ‬وأفقرته‭ ‬وخاضت‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬شعبه‭ ‬وأساءت‭ ‬لتاريخه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرف‭ ‬جفن‭ ‬مسؤول‭ ‬واحد‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬يظهر‭ ‬انّ‭ ‬الجانب‭ ‬العراقي‭ ‬السياسي‭ ‬لم‭ ‬يتعظ‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬المريرة‭ ‬ذاتها‭ ‬ولم‭ ‬يرق‭ ‬الى‭ ‬بلورة‭ ‬مفهوم‭ ‬وسياقات‭ ‬عمل‭ ‬جديدة،‭ ‬تجبر‭ ‬الامريكان‭ ‬او‭ ‬الإيرانيين‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬كخيار‭ ‬سيادي‭ ‬وطني‭ ‬يريد‭ ‬العلاقات‭ ‬الجيدة‭ ‬مع‭ ‬الجميع‭ ‬كأساس‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬والتركيب‭ ‬وليس‭ ‬كانتهازية‭ ‬وموقف‭ ‬متقلب‭ ‬شهدنا‭ ‬منه‭ ‬المئات‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬حكومية‭ ‬وسياسية‭ ‬للبلد‭ ‬عبر‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬مرّ‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬بغداد‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬هولاكو‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1258‭. ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬التشابه‭ ‬شبه‭ ‬المطلق‭ ‬حصل‭ ‬بين‭ ‬زمنين‭ ‬مظلمين‭ ‬لمن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يدفق‭ ‬رأسه‭ ‬في‭ ‬الرمال‭ ‬او‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬فقد‭ ‬سقطت‭ ‬مدن‭ ‬واستبيحت‭ ‬وأبيد‭ ‬شعبها‭ ‬وهُجر‭ ‬واستعبد،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬المعاصر‭ ‬حين‭ ‬ظهر‭ ‬تنظيم‮»‬‭ ‬مُدَولل”‭ ‬واحتل‭ ‬بلمح‭ ‬البصر‭ ‬مدناً‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬مساحة‭ ‬ثلث‭ ‬العراق‭. ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬العراق‭ ‬سنوات‭ ‬اغتيال‭ ‬للمفكرين‭ ‬والعلماء‭ ‬والعسكريين‭ ‬والمسؤولين،‭ ‬ونهبت‭ ‬بنوك‭ ‬وثروات‭ ‬وحرقت‭ ‬متاحف‭ ‬ومدارس‭ ‬وجامعات‭ ‬ونفائس‭ ‬اثارية‭ ‬ومقتنيات‭ ‬ثمينة‭ ‬وديست‭ ‬الطفولة،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬جرى‭ ‬بالتماثل‭ ‬بين‭ ‬حقبة‭ ‬هولاكو‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬والحقبة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬البلد‭ ‬منذ‭ ‬2003‭. ‬وحين‭ ‬استقرت‭ ‬أمور‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬السنين‭ ‬القليلة‭ ‬الاخيرة‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬شروع‭ ‬بسيط،‭ ‬فيه‭ ‬بصيص‭ ‬أمل‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه،‭ ‬نرى‭ ‬العقليات‭ ‬الحزبية‭ ‬المتصدرة‭ ‬للمشهد‭ ‬تتخبط،‭ ‬وقلما‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬العصر‭ ‬والتاريخ‭ ‬ومطالب‭ ‬الملايين‭.‬

انها‭ ‬مفارقة‭ ‬تاريخية‭ ‬مريرة،‭ ‬اذ‭ ‬نرى‭ ‬جميع‭ ‬الذين‭ ‬يرفضون‭ ‬الرأي‭ ‬الأمريكي‭ ‬اليوم‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬الداعمين‭ ‬للموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬لعق‭ ‬الأحذية‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية