من منك صافح السراب ؟ – زيد الحلي

فم مفتوح .. فم مغلق

من منك صافح السراب ؟ – زيد الحلي

لن  يصدقني احد ، حين اعلن انني التقيتُ سرابا ، صافحته ، وعانقته بحنو ، مرحبا به ، وبذلك لا يصح القول ان السراب محض مصطلح يُستخدم للتعبير عن مظاهر محددة ناتجة من انكسار الضوء في الجو، تشتمل على توهّم رؤية السطوح المائية في الصحارى أو فوق السطوح الإسفلتية أو الإسمنتية الجافة تماماً بعد تسخُّنها الشديد ، او يتضمن رؤية مزدوجة لأجسام محددة متباعدة خلف الأفق أو خارج مدى الرؤية بالعين المجردة ، إنما هو حلم وأمل كان  مخزونا في وجدانك ، لم يجد فرصة للظهور إلا عندما لاح لك ذلك السراب المخبوء في حياتك طوال السنين.. سراب على قمة الفرح رأيتـه….. جلجل اذني في الحق صوته…انه الرضا بالقدر، جنة الدنيا..

قبل سنوات ثلاث ، عشت دوامة بين قلق يومي ، وبين تراسل أحداث الحياة بين الماضي والحاضر ، دوامة اطارد فيها الأوهام في كل صوب، ثم اهدأ ، بعد ان اكتشف أنها مجرد أوهام ، لكن  بعد ثوان  ارى أوهاما جديدة في الأفق فأُطاردها ، مع قناعتي إن الأوهام هي التي تجعل الحياة أمراً يمكن احتماله لذلك يكره الناس الحقائق ، لأنها تبدد الأوهام وتضعهم أمام مرارة الواقع .. هي السراب ، الذي يعلقنا  بالأمل ، وفي فسحة الأمل فسحة للحياة.

قد تكون سمعت عن ظاهرة السراب، وربما واجهتها، فأثناء سيرك بيوم حار مشمس، مثل الذي نمر به حاليا ، ربما تصادف رؤية بركة من المياه على الطريق على بُعد مئات الأمتار، وعند الوصول إلى مكان تلك  البركة لا تجد الماء ،  وحينها ستجد أن الماء انتقل بضع مئات من الأمتار مرة أخرى، وحينما تصل تكون البركة قد اختفت ايضا  ، ومن الممكن أن يتبادر إلى ذهنك أن الماء الذي رأيته، قد تبخر قبل وصولك إليه ، ومن هنا تبدأ حكاية السراب ، ويا لها من حكاية  تشبه ظهور قوس قزح، لا يمكن ان ننفي وجوده كمعطى حسي ، كوننا نرى تلك الألوان الزاهية التي تزين السماء، بعد هطول الأمطار في الأجواء المشمسة ، غير ان الفيزياء تخبرنا  أنه يحدث بسبب انكسار الضوء على قطرات الماء وتحلُّله إلى ألوان الطيف السبعة ، والحال نفسه مع  السراب ، واذا  لم يكن هُناك إنسان، فلن يكون هُناك قوس قزح ولا سراب. فهذه الظواهر هي ظواهر حسية ، رغم انه لا وجود لها في الواقع الموضوعي..

 وعن دواعي كتابة  هذه السطور في مفتتح عمودي ، اشير الى نقطة مهمة في سيرورة الانسان ، وهي  ان الحياة المتبناة في الاحلام لا اجدها، كما يصفها البعض بأنها مثل السراب. الذي تراه من بعيد رقراقاّ، فاذا جئته لن تجده… واقول : كلا، ربما يكون هذا السراب ، إن تخيلته “واقعا ملموسا”  ، فمن المؤكد انه سيكون دافعا  للمضي في الحياة  لتحقيق كل الاماني ، وهذا ما وجدته حين التقيتُ السراب .. ورحم الله ، شاعرنا الكبير السياب الذي قال  في احدى قصائده : سنمضي.. ويبقى السراب !