
من التاريخ الى الجغرافية – حسين الصدر
-1-
جاء في التاريخ :
” ان ابراهيم بن المهدي كان عند الرشيد ، فاذا رسول قد أتى ومعه أطباق عليها مناديل ومعه كتاب ،
فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول :
أبره الله ،
وَصَلَه الله ،
أحسن الله اليه ،
فقلت :
يا امير المؤمنين :
مَنْ هذا الذي أطنبت في ذكره حتى نشركك في جميلِ ذِكْرِهِ
قال :
هذا عبد الله بن صالح
ثم كشف المناديل ، فاذا أطباق في احدها فستق ،
وفي آخر بندق ،
الى غير ذلك من أنواع الفواكه الرطبة ، فقلتُ :
يا امير المؤمنين :
ما في هذا البِّر ما يستحق به هذا الدعاء والوصف ،الاّ أنْ يكون في هذا الكتاب شيءٌ قد خفي عليّ ،
فنبذ اليّ الكتاب فاذا فيه :
{ دخلتُ يا أمير المؤمنين بستانا في داري ،
عمرّته بِنِعْمَتِكَ ،
وقد أينعت فواكهها ، فأخذتُ مِنْ كُلِّ شيءٍ وصيّرته في أطباق قضبان ، ووجهتُه الى امير المؤمنين ليصل أمير المؤمنين من بركة دعائه مثل ما وصل اليّ من نوافل بِره .
وعندها قال ابراهيم للرشيد :
واللهِ يا أميرَ المؤمنين ما في الكتاب أيضا ما يستحق به الثناء
فقال لي :
أما ترى كيف كنّى بالقضبان عن ذكر الخيزران إعظاماً لنا بسبب أمّنا رحمها الله “
تاريخ الغرابي /ص 261-262
-2-
لم يدرك ابراهيم بن المهدي السر الذي دعا الرشيد للتفاعل الحار مع الكتاب الذي ارسله (عبد الله بن صالح ) مقرونا بالأثمار والفواكه
لقد عزف (عبد الله بن صالح) ألحاناً أطربت الرشيد وهزّتْه في الصميم ، حيث لهِج بِذِكْر ما أنعم به الرشيد عليه وتغنّى بالبّر الواصل اليه منه …
وهكذا جاءت المعزوفة مُحرّكةً لأوتار قلبِ الرشيدِ وأطربتُه أيّما طرب .
-3-
انّ معظم السلطويين تُطربهم ألحانُ المديح الزائف ، والملق الرخيص الذي يُحسنه باعةُ الضمائر من الانتهازيين والوصوليين، فتراهم يخطبون ود السلطويين بما يدبجونه من معسول الكلام ورقيق العبارات :
انهم لا يكفون عن التسبيح بحمد ذوي السلطة والنفوذ ويصلون عن هذا الطريق الى ما يريدون .
أما الأحرار والحرائر فليس من شأنهم عبادة الاصنام البشرية، ويجعلون هموم الشعب والوطن نصب أعينهم حين يخاطبون الحُكّام وهذا مالا يروق لمعظم السلطويين .
-4-
ولا تعجب بعد هذا إنْ رأيتَ أصحابَ البراعة في الملق والدجل يُقدَّمَونُ على أصحاب الحس الوطني من ذوي الكفاءة والمهارة والقدرة على النهوض بالمسؤوليات الكبيرة .
انهم يستبعدون لأنهم لا ينحازون الى ارضاء الحُكّام ويواجهونهم بما لا يريدون الاستماع اليه ..!!
-5-
وهكذا يحتل الانتهازيون من المواقع المهمة مالا يستحقون ، ويحرم الخبراء والمهنيون الوطنيون مما يستحقون .























