ملاحظات عامّة على الإنتخابات المصرية
سمير درويش
يوم 30 يونيو والأيام القليلة التي سبقته نزل قطاع واسع من المصريين إلى الشوارع، يهتفون: “انزل يا سيسي مرسي مش رئيسي” و”انزل يا سيسي عاوزك تبقى رئيسي”، أي أن قرار انتخاب السيسي اتخذ تحت ضغط فشل جماعة الإخوان في إدارة مصر، صحيح أن جزءًا من الفشل يرجع إلى عدم تعاون المؤسسات القوية معهم، لكن أغلبه راجع إلى محاولاتهم للهيمنة وإلغاء الآخرين وعدم وجود رؤية تقنع الناس أننا على الطريق الصحيح، ومن هذه اللحظة بدأت الحقيقة تختلط بالوهم، ونشطت الذاكرة المصرية في إسباغ صور تخصها على وجه الرجل، كالصور التي أسبغوها سابقًا على صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وغيرهما، كل فئة حسب تصوراتها عن بطلها الذي تنشده، فمحبي عبد الناصر رأوا فيه ناصرًا جديدًا، رغم أنه لم يظهر عداءً للغرب الرأسمالي، ولم يلمِّح إلى قوانين اشتراكية، وأعلن احترامه لمعاهدة السلام مع إسرائيل حتى دون أن يشير إلى ضرورة تعديلها، وفق ما تسمح به بنود الاتفاقية نفسها، كل هذا لم يمنع من انتشار الصور التي تجمع الرجلين، على تباعد توجهاتهما. كذلك فإن محبي السادات رأوه صورة منه بأريحيته وعدائه للإخوان، مع أن السادات هو الذي أخرجهم من القمقم الذي دخلوه في عهد ناصر، وأشرف بنفسه وبأجهزته السرية على هيمنتهم على اتحادات الطلاب والنقابات العامة والنوادي. وكارهو مبارك يرون أنه المؤهل للقضاء على الفساد واستكمال مطالب الثورة، مع أنه يظهر في الصور مع رموز الفاسدين، الذين يغرقون شوارع مصر بلافتات دعائية له تحمل صورهم بجوار صورته.. والمشهد يزداد كوميدية حين يرفع الناس صوره مع عبد الناصر، في حين أن منافسه في الانتخابات ناصري له تاريخه في الدفاع عن مكتسبات ناصر! السيسي نفسه غائب رغم هذا الإقبال الكاسح على انتخابه – بين المشاركين في الانتخابات طبعًا، فهناك قطاع يقاطع وآخر لا يهتم -، فمؤيدوه ينتخبون تصوراتهم عنه، فهو رجل غير معروف ولا يعلن عن انحيازاته وليست له مواقف إيجابية غير بيان الثالث من يوليو الذي أقصى الإخوان عن الحكم، بل إن مشاركته في الفظائع التي ارتكبها مجلس طنطاوي، وغض الطرف عنها كأنها لم تكن، تضع علامات استفهام حوله، خاصة أنه لم يقدم برنامجًا انتخابيًّا، ولم يعد بتنفيذ شيء ولم يلتزم بوقت كما يفعل كل الراغبين في كسب تأييد الناخبين، اللهم إلا شعارات جوفاء خالية من المضمون، مثل “لا أعدكم إلا بالعمل” و”تحيا مصر”، والأخير شعار إنشائي حماسي أجوف غير عملي لحملته الانتخابية، فـ”تحيا مصر” نعم، لكن: كيف تحيا؟ ومتى؟ هو لا يجيب، وغير معني بالإجابة! قطاع كبير من مؤيديه يختاره- أيضًا- كرهًا في الإخوان، باعتباره الرجل القوي الذي ستمتثل له الأجهزة السيادية المسلحة للقضاء عليهم باعتبارهم فاشيين، وهؤلاء أيضًا لا يهتمون كثيرًا بالنهضة أو التحديث والتنمية، أو بالديمقراطية وإرساء دولة القانون، ويرون أن القضاء على الإخوان هدف أسمى يجب أن تتراجع أمامه كل الأهداف وتنزوي، فمن الرفاهية الآن- حسبهم- الحديث عن حرية الرأي أو حق التظاهر السلمي، وبالطبع لا يستنكرون حبس النشطاء على خلفية أفعال لا تُرى بالمقارنة بما كان يتم من حراك معارض في عهد الإخوان، كما لا تجرحهم صور بطلهم الشعبي مع رموز الفساد، فهم يثقون أنه سيقصيهم عندما يصل إلى الحكم، الغاية تبرر الوسيلة يعني، كما أن الفاسدين في ظنهم أقل شرًا من الإخوان ويمكن احتمالهم، فهم تدربوا على العيش معهم والتعامل لسنوات طويلة حتى أصبحوا منا وعلينا. غير أن أهم مظاهر المشهد الانتخابي هو العنف الذي يلازم مؤيدي السيسي في الترويج له، أو فرضه فرضًا على الآخرين، فكثيرون منهم يقرن بين اختيار السيسي والحفاظ على مصر ودرء الشر الذي يحيق بها، عودة إلى فكرة أنا الدولة والدولة أنا، ووصل الأمر إلى اتهام كل من لا ينتخبه أو كل مقاطع بالعمالة، والخيانة، أو التبعية للإخوان وقطر وتركيا. غير أنهم لا يقنعونك بجدارته كرجل وكقائد بصفاته، ولكن بسوء الآخرين وضعفهم، فهو البطل السلبي، الذي أفضل من الإخوان التابعين للتنظيم الدولي، ومن حمدين صباحي الذي- في رأيهم طبعًا – ضعيف ومتلون وإخواني وحنجوري وليس هذا وقته، وبالطبع أفضل من المنسحبين: سامي عنان ومراد موافي وأحمد شفيق، فهو متوازن، عاطفي، متدين، منضبط عسكريًّا، ومدني بدليل ارتدائه بدلات إيطالية وكارفتات باهظة الثمن، ولم يثبت عليه أنه فاسد. وقد التقط هو هذا الفهم واعتمد في دعايته عليه، فركز على منع الإخوان من التواجد في المشهد المستقبلي، وقال للمحاور التليفزيوني: “لن أسمح لك” أن تقول لفظ “عسكر”، فأحب مؤيدوه ذلك على ما فيه من عنف وديكتاتورية، لأنه يرسخ صورة الرجل القوي الذي يسمح ولا يسمح! المصريون كذلك يبلعون الزلط لمعشوقهم الذي صنعوه من أهوائهم، فلا يجرحهم مثلاً ظهوره اليوم ليدلي بصوته وسط مجموعة من الشباب الأشداء، الذين تعاملوا بفظاظة وغلظة مع الناس، حتى المحبين الذين يريدون التقرب منه، ورجال الإعلام، فيلفت نظرهم أنه أعاد نظارة وقعت على الأرض في طريقه إلى صاحبها، ولا يلتفتون أن النظارة وقعت حين لكم أحد حراسه الرجل في وجهه. ذلك في مقابل صورة حمدين صباحي الذي يقف في الدور بين الناس منتظرًا دخول لجنته والإدلاء بصوته. في نيويورك قابلت شابًّا جامعيًّا في الخامسة والثلاثين في أبريل الماضي، يردد كلام الفضائيات كأنه يحفظه، ويتحمس للسيسي بشكل قوي لأنه قاهر الإخوان الخوارج، سألته: ماذا لو فشل السيسي في تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين حال المصريين؟ والمفاجأة أنه قال لي إن الشعب سيكون هو المخطئ ساعتها لأنه لم يساعده، فالرجل قال إنه لا يمتلك عصا سحرية، وإن على المصريين أن يعملوا بأنفسهم. وقتها قررت أن أجري حوارًا معه لمصلحة المجلة التي أعمل بها، باعتباره الصوت الأمين الصادق للنبض الشعبي في هذه الفترة، وأرفقه بتحليل علمي من أحد المتخصصين، لكنني أحجمت عندما رفض أن ألتقط له صورًا مع عربة (الهوت دوج) التي يعمل عليها، حتى لا ينكسر قلب أهله! وإذا كان عبد الفتاح السيسي هو رئيس الضرورة كما قال الأستاذ هيكل في أحد لقاءاته التليفزيونية، فإن حمدين صباحي هو مرشح الضرورة، الرجل الذي لا يكتمل المشهد الانتخابي- أو العرس كما يطلقون عليه- إلا به، فهو يقوم بدور إطار الصورة ببلاغة منقطعة النظير، فقد ظهر على الشاشات بكثافة، وتكلم في كل الموضوعات كلامًا حماسيًّا وطنيًّا، لا يعيره الغالبية اهتمامًا، لأنهم عقدوا العزم على انتخاب بطلهم، وأظن أن الرجل ومؤيديه يعلمون ذلك قبلاً، وهم سادرون فيما يفعلون بإيمان غريب، لا بانتصارهم ودفع مرشحهم لمقعد السلطة، بل للمزيد من الكلام المنمق، الذي يذهب إلى حد الراديكالية وعدم الموضوعية أحيانًا، كأن الكلام هنا بات غاية في ذاته، على الأقل لسد فجوة عدم قدرة السيسي على الكلام! منذ 3 يوليو 2013 ومصر كلها تعلم أن السيسي سيكون رئيسها القادم، وأن المتبقي بعض التفاصيل الإجرائية التي تحوِّل هذه الرغبة الطاغية إلى (شكل) ديمقراطي: لجنة انتخابية ومواعيد ترشح وتوكيلات في الشهر العقاري وحملات دعائية وبرامج تليفزيونية وصناديق اقتراع وقضاة ومشرفون دوليون وإقليميون ومحليون، ولافتات في الشوارع، وطبل ورقص، لكن ليس من شك أن السيد حمدين صباحي هو أهم عناصر هذا الشكل.
























