مكاتيب عراقية ذبّاحون بلا حدود

مكاتيب عراقية ذبّاحون بلا حدود
علي السوداني
هذا هو شهر رمضان . شهر الطاعة والهدوء والراحة والكرم والتسامح والتأمّل، وغسل الروح وشطفها وتطهيرها، مما علق بأذيالها من درن وخبْث وخبائث . سلام على أرض، تتجاور وتتصادى وتتباوس فوقها والفجاج، أجراس كنيسة، نغمة بنغمة مع تنغيم جامع. الإيمان الحقّ، هو الإيمان بالجوهر، وليس الشكل، أو التمثيل الرديء، والإخراج السيّىء الذي تنام عليه البلاد، ويصحو على مرآه العباد . في الزمن الذي كان فيه أهل كركوك، يتهيئون لشمر تمرات الإفطار الحلال في أفواههم، طعماً وسنّة، صاح صائح من بطن المدينة، أن أمراً جللاً قد وقع . عصبة من وحوش على هيئة بشر، اقتحموا دار عائلة كركوكلية مسالمة، وذبحوا بالسكاكين، الأب والأم وابنتيهما ــ تخيّلوا الآن، وجع وحزن الذبيحة الأخيرة ــ ولأن البلاد تائهة، والحكومة دائخة ودائحة، فلا أحد حتى اللحظة، عرف هوية هؤلاء الذبّاحين. على الأرجح، أن الذبّاح كان مسلماً وصائماً، وربما كان مخّه التالف الوسخ، مقمّطاً بفتوى أو نصح أو تأويل من شيطان أكبر. مسلمون صائمون ساجدون موحِّدون، يتناطحون بالرؤوس وبالمناكب وبالسكاكين وبالبارود، حول مسألة ظهور عمر بن الخطاب على الشاشة الملونة، طويلاً ضخماً وسيماً قوياً، ذا صوت جهوري مؤثر، يكسر الصخر ويرعب القلب، صحبة علي بن أبي طالب ــ ثمة من عارض ظهوره، كما حدث العام الفائت، مع الحسن والحسين ــ هنا، شفنا علياً، على شبهٍ عظيم مع أشهر صوره الشائعة في العصر الحديث. المنطحة في هذا الباب، هي زيت مضاف، يسقي ناراً، يخيل الى ناظرها، أنها ستنخمد، حتى تثور ثانيةً، وقودها الناس وحجارتهم وتجارتهم وسلامهم . ذبيحة تجرُّ حبل ذبائح، والذابح والمذبوح، هم مسلمون وصائمون. مسلم صائم مصلٍّ، يلغّمُ جسده، ويفجّره بين حشد من مسلمين، فيقتلهم، وييتّم أطفالهم، ويرمّل نساءهم، وهو على يقين ومعتقد راسخ، أن روحه وجسده، سيحطان بعد قليل، في جنة الله الواسعة، حيث العشاء، صار ممكناً، على أعتاب مائدة العظيم محمد، وآله الطيبين الطاهرين . مسلمون صائمون قائمون راكعون، يخرجون جيرانهم من ديارهم بغير حقّ، ويغتصبون مالهم وحلالهم، من دون رفّة جفن، أو نغزة ضمير . مسلمون صائمون حاجّون معتمرون، نهبوا وسلبوا وقتلوا وكفّروا وزوّروا وضلّلوا وجهّلوا وخدعوا وخانوا، وخدّروا الناس، بخرافات وبِدَعٍ وضلالات وأساطير ومنتظرات لا تأتي . مسلمون صائمون، يسبّون مسلمين صائمين، بسبب من أسمائهم . مسلم صائم، جبهته مكويّة من أثر السجود، يقتل مسلماً صائماً، لشبهة ثأر وقعتْ قبل ألف واربعمائة سنة . مسلمون صائمون قائمون قاعدون مسبّحون ملتحون معمّمون، فعلوا بمسلمين صائمين مؤمنين، ما لم يحدث في كل تأريخ بلاد ما بين القهرين الحديث، وقد استندوا في هذه الوحشية وهذه الجهالة والضحالة والضلالة، على فتاوى، نازلة من مسلمين معمّمين ملتحين، بُحّت حناجرُهم، وتقبّحت خِلَقُهم من شدة الكذب. ألذبحُ وأسبابه، والشتم ومسوّغاته، واللصوصية وأُصولها، والخرّاب الذي ولّد اليباب، لم يكن منبعه، مسلمون صائمون معمّمون فقط، لأن جند وجنديات أمريكا الوغدة، والإنكليز الحرامية، الذين غزو البلاد وخرّبوها ونهبوها وأمرضوها، بالبارود، وبالحثالة التي والتهم وظاهرتهم، وصارت نعلجات حديد ببساطيلهم، كانوا كلّهم ــ أو جلّهم ــ من مسيحيين مؤمنين صائمين، قارعين لأجراس المحبة والسلام، حتى دخلوا قريتنا، فأفسدوها، وقلبوها على البطانة . أيها الناس، اصحوا قبل أن تخسروا آخر ما تبقى . يا رجال الدين، يا نساء ورجال وأغضاض السياسة ، حرام السكوت، ومثله التجهيل والتغرير والتضليل. عيب، والله العظيم، عيب وحرام، فما تأكلونه اليوم، سيصير غداً، ناراً في بطونكم، وسمّاً وزقنبوتا.
/8/2012 Issue 4271 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4271 التاريخ 7»8»2012
AZP20
ALSO