مقاطع من معلقة التحدي
مترجم رباعيات الخيام يهجو الحاضر
رمزي العبيدي
نشرَتْ جريدة الزمان الدولية، بعددها 2739 الصادر يوم الخميس 5 تموز 2007م، مقالة للأديب والباحث العراقي الأستاذ مهدي شاكر العبيدي، كتبَ فيها صورة قلميَّة للشاعر العراقي الكبير طالب الحيدري، يسألُ عن هذا الشاعر المنسي أينَ هو؟ ولماذا هذا الصمتُ لصوتٍ كانَ هادراً عبرَ السِنين الماضية، جاء في آخرها أو في خاتمتها ما يلي
وثمَّة مأثرة ثقافية يجدرُ ذكرها هنا أو التنويه بها على الأقل، ذلك أنَّه يعني الشاعر الحيدري أصدر يومها ترجمة جديدة لـ رباعيات الخيَّام ، كأَنْ أرهقته مواجع بلاده وطول التفكُّر بها، فاْلتمسَ راحة باله في الأنس بـ رباعيات الخيام ، فمَا جلبَتْ له غير الحيرة وزادته إرهاقاً على إرهاق، ويطلُّ تموز ويملأ النفوس بهجة وسروراً في الأيَّام الأوائل، وتتداول الأيدي ديوانه الضخم بعض الشيءِ والمحتوي على أشعار وافى بها كامل الجادرجي يومَ كانَ سجيناً عُقَيْبَ أحداث بور سعيد وفشل العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر واندحاره، والجادرجي يمثل في الساحة السياسية داعية للديمقراطية وسليلها بعد صنوه جعفر أبو التمن قبل أنْ تجتاح غوائل التعصب الذميم والتشتت المقيت بنعراتٍ وانحيازاتٍ مقيتة في ذمَّة الزمن، وللقارئ إذا شاء أنْ ينقب عنها في ما وراء الستار، لكنَّ الأحرى أنْ يُهتدَى أولاً إلى مكان هذا الشاعر المنسي ويُكشَف عن السرَّ في سكوته الطويل .
ويبدو أنَّ الشاعر الكبير طالب الحيدري قرأ تلك المقالة الضافية بتمعُّنٍ وتأثَّر بها كلَّها أو بما نقلناه لكم ممَّا جاء في آخرها لا فرق فكتب ما أسماها هو معلقة التحدي تشبُّها أو تشبيها بالمعلقات الجاهلية المعروفة من حيث الطول وجودة النظم، وأسميتُها أنا مطوَّلة التحدي ، ذلك لا اعتراضاتي الكثيرة على تلك القصائد المزعوم تعليقها على أستار الكعبة، وما ذلك إلا لأنَّني اعترض على الشعر الجاهلي كلِّه، وأؤمن بما جاء في نظرية الانتحال التي ابتدعها ووضع فرضيَّتها وأثبتها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رحمه الربُّ وطيَّب ثراه عنها وعنه، وليس هذا موضوعنا هنا ، ولنْ أقبل بها كـ معلقة إلا إذا كانَتْ من العِلْق بمعنى النفيس ، أو لأنَّها علقَتْ في أذهان الناس كما علقَ ذاك الشعر المنحول.
وعَن الحيدري الكبير، أقول إنَّه ولد بمدينة الكاظمية البغدادية عام 1928م، وتلقَّى علومه في مدارسها الدينيَّة، قِيلَ عنه إنَّه نظم الشعر في السنة العاشرة من عمره المديد، وإنْ صحَّ عنه هذا القول، فإنَّه يكون قد نظم أولى أبياته في العام 1938م، وليس هو وحده مَن نظم الشعر في هذه السنين المبكِّرة من حياته، فقد سبقه كثيرٌ من الشعراء قدامى ومحدثينَ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر من القدامى بشار بن برد العباسي، يوم تعرَّض بهجائه للأموي جرير بن عطية الغنوي، ولمْ يلقَ منه إلا التجاهل لئلا يشتهر على حسابه، ومن المحدثينَ كذلك على سبيل المثال لا الحَصر المصري حسن البنا، مؤسِّس ومرشد جماعة الأخوان المسلمين في مصر، هو الذي طلَّق الشعر بعد أنْ ودَّعه بحرق أشعاره، كانَ ذلك حينَ فكَّر بتأسيس جماعته اللعينة التي أنأى بنفسي عن الاستطراد والتفصيل في الكتابة عنها في هذا الموضع.
أمَّا دواوينه الشعرية فهي ألوانٌ شتى 1949م، رباعـيَّات الحـيدري 1951م، نضال 1958م، الألـواح 2008م، الـمـرايا 2011م، و شـمـوع الـدمـوع 2011م.
في العام 1998م، كتب مطولة العشق ، وفي العام 2007م، كتبَ مطولة التحدي ، وفي عامي 2008 و 2009م، صدرَتْ سلسلته الشعرية من وحي آل الوحي بأربعة أجزاء، هي ملحمة كربلاء، الحيدريَّات، الباقيات الصالحات، الحجازيَّات وبقيَتْ ترجمته لـ رباعيات عمر الخيام شعراً التي صدَرَتْ في العام 1950م، من أروع وأدق وأجمل ترجماتها، وكانَتْ قصيدة أينَ الحضارة هي آخر قصائده وقد كتبها عن حادثة كنيسة سيدة النجاة.
واليكم مقطعا من معلقة التحدي
وَيلاهُ لِي صَمتِي كَقَولِي قَاتِلٌ
وَالأَقتَلُ الأدمَى احتلالُ أجَانِبِ
كُنَّا حَمَامَاتِ السلامِ وَلَم نَزَلْ
رَكبَ الهَوَى فِي عَالَمٍ مُتَحَارِبِ
لكِنَّهَا امتَدَّتْ فَأحْرَقَتِ الحِمَى
أَطمَاعُ جَارٍ أو أَذَى مُتَنَاسِبِ
هِيَ صَفقَةٌ لَمْ يَجْنِ مِنهَا شَعبُنا
إلا شُرُورَ كَوَارِثٍ وَمَصَائِبِ
وَتَنَاهَشَ الشرَكَاءُ لَحْمَ فَرِيْسَةٍ
مُرَّاً مَعَ الدَمِ فِي الحَلِيبِ الرَائِبِ
وَالحَبلُ يَنتَظِرُ الذِينَ تَجَرَّؤُوا
كَكَوَاسِر ظَمآى البُطُونِ سَوَاغِبِ
وَلَكُم حَيَاةٌ فِي القِصَاصِ وَطَالَمَا
فَسَدَتْ قُرَىً لَمْ تَرتَدِعْ بِمُعَاقِبِ
أَنَا مِن تُرَابٍ قَد تَغَذَّى نَخلُهُ
ونما عَلَى الدمِ وَالنَجِيع ِ السَّاكِبِ
سَلْ قُرنَةَ الشَّطَيْنِ عَن جَدِّي
وَعَن تِلكَ العمامة كمْ أتَتْ بِعَجَائِبِ
ضَحَّى لِيَفتَدِيَ الترَابَ بِنَفسِهِ
وَيَخُرُّ قُربَاناً كَخَيرِ مُحَارِبِ
البُندِقِيَّةُ وَالرصَاصُ وَسَيفُهُ
مَا فَارَقَتْ أَحضَانَهُ مِن صَاحِبِ
وَأَنَا الحَفِيدُ وَلِلشهَادَةِ عِندَنا
إِرْثٌ وَأمجَادٌ وَحُسنُ عَوَاقِبِ
فِي الصدرِ أَوسِمَتِي جِرَاحُ مَعَارِكِي
وَعَلَى الجَبِينِ سَوَادُ لَيلِي الدَائِبِ
وَعَلَى المَراتِبِ كُلِّهَا بِجُنُونِهَا
وَبِحُسنِ حِكمَتِهَا تدِلُّ مَرَاتِـبِي
لِلشعبِ مَا عِندِي بِكُلِّ جُمُوعِهِ
وَهَوَاهُ لِي أَعلَى جَمِيعُ مَكَاسِبِي
عِندِي الكُنُوزُ عَلَى الرفُوفِ تَوَزَّعَتْ
وَمِن الترَابِ تَجَلْبَبَتْ بِجَلابِبِ
وَلِتَافِهِيْنَ يُدَقُّ طَبلٌ فَارِغٌ
لأميرِ شعرٍ بِالضَرَاعَةِ عَاصِبِ
رَقَصُوا قُرُودَاً وَاستَفَاقُوا ضَحْوَةً
مَا بَينَ مَخضُوبٍ خِنَىً أو خَاضِبِ
مَنْ لِلبَيَانِ بِمَنخَلٍ وَبِنَاخِلٍ
تَرمِي يَدَاه رَوَاسِباً بِرَوَاسِبِ
هُوَ يانصيبٌ نَحنُ مِن أَدَوَاتِهِ
وَالخَطُّ مَرتَهَنٌ بِكَفِّ السَّاحِبِ
مَنْ لَمْ يُحَارِبْ يُعْطَ أَوسِمَةً بِهَا
يَعلُو ويُمنَح عَقلَ شَيخٍ شَائِبِ
وَالمُستَمِيتُ يُدَّعُ فِي زِنزَانَةٍ
دَعَّاً كَمَا تُرمَى جُمَارُ الحَاصِبِ
مَا عَادَتِ الأَعْرَاقُ إلا سُبَّةً
شَرَفُ المَنَاسِبِ لَمْ يَعُدْ بِمُنَاسِبِ
يُعطَى الحَلِيبُ لِمَنْ يَنَامُ إلَى الضُحَى
وَيَلُوبُ مِن سَغَبٍ رَضِيعُ الحَالِبِ
سَأَكُونُ لِي أَنا.. إِنْ أَلَمَّ بِمَوطِنِي
خَطبٌ وَمَا لَبَّيْتُ أوَّلَ عَائِبِ
/8/2012 Issue 4279 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4279 التاريخ 16»8»2012
AZP09
























