مغامرات كريستين سولبيرغ في أفغانستان
ماقيمة الحياة إذا لم تكرس لخدمة المرأة
جواد غلوم
اعتدّتُ منذ امد طويل وتحديدا من نعومة اظفاري ان اتابع النشاطات الصحفية الملفتة والجريئة غير المسبوقة للوصول الى حقائق مايجري في كل مفاصل الحياة المتعددة أينما كانت في هذه المعمورة وابراز مظاهر الاقدام وتخطّي الضوء الاحمر وتجاوز الممنوعات وأطر التقليد المتعارف عليها وكسر التابوهات من قبل بعض الصحفيين الدؤوبين لاظهار نتائج مساعيهم من خلال تجاربهم الخلاّقة وعرض استنتاجاتهم على الرأي العام واضحة للعيان
لاأخفي فقد اثارت فضولي المساعي والجرأة الزائدة عن اللزوم التي قامت بها الصحفية النرويجية ” كريستين سولبيرغ ” العاملة في صحيفة ” كريستيان ساينس مونيتور ” قبل بضع سنوات ؛ اذ اقدمت هذه المرأة المفعمة بالنشاط على مغادرة بلدها طواعية مفضّلة العيش في جحيم افغانستان بل وملازمة النسوة هناك والتعايش معهن وهي تلتفّ بالشادور إزارا ورداءً وتغطّي وجهها بالبرقع اينما حلّت وارتحلت ، تراها مرة في مدارس البنات القليلة العدد التي افتتحت من قبل الدولة خوفا من بطش الحركات الاسلامية المتطرفة وطورا اخر في جمعية صغيرة نسوية ضمن جمعيات المجتمع المدني الناشئة حديثا او في المشافي لمعاينة الظروف الصحية للأمّهات وهن يضعن المواليد الجدد في صالة العمليات وكثيرا ماكانت تجرؤ وتصرّ على زيارة سجون النساء للاطلاع على معاناتهنّ وأسباب اعتقالهنّ
ثلاثة أعوام بالتمام والكمال قضتها هذه الصحفية الناشطة وهي تدور في اغلب المناطق الساخنة وتتعرّف على مايجري هناك من عنتٍ واضطهاد ينوش المرأة الكبيرة والصغيرة والفتيات المتطلعات الى غدٍ قد يشرق يوما ما وهن يسعين الى التعليم وممارسة النشاطات التي تليق بهن رغم التهديدات المتكررة من العناصر التي لاتريد الخير والنماء لهذا البلد الذي تعرّض ويتعرّض باستمرار الى النكوص بسبب الحروب المتكررة وارتفاع نسبة التخلف والجهل والمرض الذي ابتلي به هذا البلد الفقير بموارده والعسير بتضاريسه الارضية والفكرية
كانت ترسل تقاريرها الدورية وتسلّط الاضواء من كابول العاصمة الذي يعدّ من أسوأ البلدان في العالم من حيث التعامل مع المرأة ولكنها ايضا كانت ترصد الاصرار من قبل النسوة اللائي كنّ يظهرن الرغبة الشديدة على التعلّم وتغيير اوضاعها العامة نحو الاحسن بالرغم من العقبات الكثيرة امامهن اذ بدأت ترى البنات يذهبن الى المدرسة بلباس موحّد رغم قلّة اعدادهن لأن نصف البنات المطلوب تعليمهن لايذهبن الى المدارس كما ان 4 بالمئة فقط من طالبات المرحلة الثانوية يداومن على استمرارية تعليمهن تمهيدا للدخول الى الجامعة ، اما البقية الباقية فهنّ قعيدات البيت . ولوحظ ان الكثير من النسوة اخذن يعملن في مكاتب الدوائر الرسمية كموظفات حديثات العهد بالعمل في الدوائر الرسمية ومنهن من مارسن الرياضة وكتبن في حقل الاعلام مع قلة عددهنّ ؛ حتى وصل الامر بهنّ الى دخول 25 بالمئة منهن الى البرلمان الافغاني مع ان العمل بهذه الحقول يعرضهنّ دوما للتهديد وربما القتل والاغتيال بدم بارد من قبل الجماعات المسلحة الاسلامية المتطرفة ، كما تعرضت العديد من الابنية المدرسية الخاصة بالبنات الى التفجير والنسف بالعبوات وتهديد أرباب الاسر في حالة استمرار دوام البنات في المدارس
قرأت تقاريرها المثيرة عن احوال السجون التي تضم النساء المتهمات بجرائم وجنح اخلاقية وحالات الهروب من المنازل بسبب العنت العائلي والقسوة المفرطة تجاه المرأة والتضييق عليها ومنعها من ممارسة حياتها بالشكل الطبيعي والممارسات الجنسية المبتذلة غير المشروعة مثل زنا المحارم الشائعة هناك والاغتصاب بسبب القيود الصارمة جدا وتزويج الصغيرات غير البالغات سنّ الحلم غصبا وجورا بهدف التخلص منهن ومن إعالتهنّ خوفا من الانزلاق في العار والانحراف عن جادة القيم والمعتقدات الصارمة اضافة الى الطمع في استحصال الاب على مَهرها المعجّل بسبب الفقر المدقع مما ترتب على ذلك كثرة الخيانات الزوجية والمعاشرة قبل الزواج والهرب من الوضع المزري الذي يعشنه مما ولّد فيهن نموّ ظاهرة الانتحار خلاصا من الظروف القاهرة التي لاتطاق
تشير تقارير الصحفية ” سولبيرغ ” عن الجانب الصحي هناك وسوء الخدمات الصحية للأمّهات والإهمال الواضح للطفولة في المراكز الصحية والمشافي وفي صالات الولادة فحدثْ ولاحرج بسبب ماتلاقيه الام من لامبالاة فيما لو تعرضت للنزف او التعسّر في الولادات حيث يمنع الاطباء من التقرّب من النسوة الحوامل او تقديم التسهيلات لها باعتبارها حراما للنقص الحاد في عدد طبيبات الامراض النسائية بل هناك ماهو انكى فهناك من العوائل تمنع نساءها من مراجعة المشافي للعلاج او الانجاب وترغمهنّ على وضع ولاداتهن داخل البيوت دون اية مستلزمات العناية الصحية مما نتج عن ذلك زيادة نسب الوفيات للحوامل وموت الولادات اذ تذكر السيدة ” سولبيرغ ” في احد تقاريرها بروز اعلى معدلات الوفيات للنساء والمواليد الجدد في افغانستان مقارنة بدول العالم اجمع وتشير الى ان كل 30 دقيقة تموت امرأة افغانية لانها لاتحصل على الخدمة الطبية اللازمة نتيجة تعرضها لفقر الدم والتلوث وسوء الخدمات وقلة الرعاية والإرهاق المفرط عند الانجاب
هذه الصحفية الناشطة تعلمت اللغة الافغانية في غضون فترة المعايشة هناك وكان لها مساس حيّ بمنظمات المجتمع المدني التي تعنى بالمرأة والطفولة واحتياجاتهما ، لم تعتكف في مكان اقامتها بالفنادق الفخمة كغيرها من رجال الصحافة الاجانب خوفا وانما كانت تلتقي النسوة والطالبات في الشارع والمدرسة والمستشفى وداخل البيوت المحصنة بالتابوهات التقليدية واسوار الحرام ورعب الاختلاط بالمجتمع وظلّت ترتدي الزيّ الافغاني النسوي المغطّى من الرأس حتى اخمص القدمين واضعة البرقع امام الوجه كله بما في ذلك العيون واكتفت بالثقوب الصغيرة المرتسمة البائنة امام مرآها لترى كل شيء وتُظهره امام العالم كله واضحا للعيان دون ان تأبه للرقباء عتاة التخلّف والهمجية الذين كانوا يرصدون تحركاتها وهي تنتقل من مدرسة الى مشفى وتدور وتجول في تلك المنظمة المدنية الصغيرة لتقابل هذه الفتاة التوّاقة الى تنمية مهاراتها العقلية وتحكي مع تلك المرأة المريضة الحامل الراقدة على سريرها وتحاور الناشطة في حقوق المرأة ، لم تقابل مسؤولا حكوميا فاسدا مضلّلاً مخادعاً يُظهر الاكاذيب ويُضمر الحقائق بل كانت اغلب تحرّكاتها ونشاطاتها في محيط النساء المسحوقات اللائي ابتلين بالعسف داخل البيوت الخانقة وفي معاهد تعليم البنات والمستشفيات واماكن منظمات المجتمع المدني وفي سجون الحريم اللاتي قسا عليهنّ المجتمع الغارق بالتخلّف والجهل والظلامية والقهر والاذلال والتجريس الذي لاحدّ له ووضعهنّ في زنزانات ” الإصلاح والتأهيل ” لمجرد ان ثارت تلك الفتاة المعتقلة على عسفٍ واضطهاد لايحتمل فرفضت الزواج من شيخٍ هرم أو هربت من بيت ابيها الذي أرغمها على ممارسة البغاء لسدّ نفقات واحتياجات أسرتها المعوزة أو تعرضّت للاغتصاب من قريبها الاخرق السافل فاعتبرت عاهرة وزجّ بها في السجن أو شابة في مقتبل العمر أغواها حبيبها فحملت منه سفاحا أو أرملة اضطرت للاستجداء في سوق او على قارعة الطريق أو امرأة سرقت شيئا بخسا لتطعم بطنها ونسلها الجائع فأمسكها الشرطيّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وأودعها الزنزانة حشرا مع بقية المظلومات من ابناء جنسها
اجل مثل هذه الحالات المريرة قد عرضتها السيدة ” كريستين سولبيرغ ” في تقاريرها العديدة الى صحيفة كريستيان ساينس مونيتور وكلها كتبتها نتيجة تجوالها الدائب في تلك الامكنة وحدها طوال ثلاث سنوات في بلد مليء بالمخاطر وضياع القوانين وتحكمه القوة والسلاح وأمراء الحروب وتعشعش فيه القبلية والأعراف غير السليمة والخرافات والخديعة ويتغذى على فكر مشوّه من ألاعيب السلف الطالح لا الصالح ومغلّف بالشرائع التي يدّعون انها إسلامية غير قابلة للنقاش والتفسير، فلا عجب ان تعرّضت ” سولبيرغ ” خلال وجودها هناك الى محاولتي اغتيال في العاصمة ” كابول ” كادت ان تودي بحياتها لكنها نجت بأعجوبة وأنهت مهامها على أتمّ وجه
الطريف انها سئلت مرةً بعد نجاتها من محاولة الاغتيال الثانية : كيف تخاطرين بحياتك وانت تجولين بهذا الشكل دون حراسة من الجنود المتعددي الجنسيات التي تمتلئ بهم افغانستان . فأجابت على الفور : وما قيمة حياتي ان لم أكرسْها لخدمة المرأة والطفل اينما كان وحيثما وجد ؟؟
ولم تكتفِ ” سولبيرغ ” بسعة نشاطها الصحفيّ هناك بل ساهمت مع ناشطات افغانيات حيث أسست مدرسةً للبنات بالتعاون مع اللجنة الافغانية النرويجية – السويدية وأدخلت مجموعة من الفتيات الافغانيات تتراوح اعمارهنّ بين 17o25سنة في منطقة ” ورداك ” لتعلم بعض المهارات في التضميد والتوليد الصحيح وفق الطرق الطبية السليمة ومساعدة جرحى العمليات العسكرية وإنقاذ ارواح البشر ، اضافة الى إلقاء محاضرات وافية حول حقوق المرأة ومعنى السلام وغاياته لأجل ترسيخه ولو على المدى البعيد عسى ان يتمّ تأهيل هؤلاء العاملات الناشطات في المدرسة ليكوننّ سفيرات للسلام وناشطات في حقوق الانسان وتنمية مهاراتهنّ وتدريبهن على هذه المهام فأمامهنّ واجبات عسيرة لاحقا وعليهن توعية تلك الحشود الهائلة من النسوة الافغانيات الرازحات في مضائق التخلف والجهل ، حقا انها مدرسة تعلّم معنى الحياة ومباهجها ورقيّها وتنميتها نحو الاحسن حتى لو كانت محاطة بالموت في كل جانب
بعد عودتها الى بلادها النرويج وإنجازها لمهامها في افغانستان ؛ ها هي تعزم على تأليف كتابها حول تجربتها طوال الثلاث سنوات التي قضتها ملتفّة بالشادور الافغاني ورأسها ووجها مغطّى بالبرقع وقد أكملت كتابها واعتبِر أفضل عشرة كتب في الاهمية سنة صدوره على مستوى العالم في حينه ، هذه المرأة الصحفية الشجاعة أبصرت كل شيء ولحظت من خلال الثقوب الصغيرة امام عينيها مايدور ومايجري في العلن والخفاء في هذا المجتمع الغريب الاطوار الذي تحكمه القبيلة والدين الذي خالطته تخاريف رجاله المنتفعين والجاهلين والفتاوى الفاسدة والأعراف الهزيلة التي لا تنســــجم ولا تتكيّف مع روح الألفية الثالثــــة التي نعيشها الان ، يضاف اليها قسوة الحياة ووعورة ارض الافغان والفقر العريض الشامل معظم سكانه وفوق هذا وذاك القوات الاميركية والقوات المتعددة الجنسيات التي ترافقها والتي احسبها تجثم على صدور الافغان فتزيد الانفاس خناقا وضيقاً.























