معلمتي وحرف القاف

 معلمتي وحرف القاف

 كانت الأيام الأولى لبداية دخولي المدرسة ، مفعمة بالنشاط والحيوية ، وانا ابدأ بقراءة دار .. دور وغيرها ،ومرة كتبت كلمة دور بحرف الدال مطولةكأنها زاوية حادة !فقالت لي معلمتي : ماما ليش تكتب الحرف بهذا الشكل ، فقلت لها .. ست ( غير)!!؟ مثل دربونتنا طويلة !! ضحكت بصوت عالٍ وهي تضع منديلها لتسد فمها وارى نظراتها المتتالية لباقي الطلاب ثم قالت : عفية بالشطوري تم تعود وتكمل ابتسامتها العريضة .

انا كنت صدك شطوري وحباب ووالدي حارس المدرسة ومسؤول الحانوت ، حيث ان مدرستنا المشاعل الابتدائية المختلطة في مدينة الثورة وكان طريق مليئة بالأطيان تفصلنا بين المدرسة وبيتنا القريب من مقهى جاسم حطاب، سنة 71 .. كنت مدللاً من قبل المعلمات بسبب وجود والدي ، وانا لم انس معلمتي بالقراءة ست سميرة وست االهام بدرس الحساب ولمياء بالفنية والمديرة جاكلين ومعاونتها ست سهام ! كان كل نشاطي المدرسي هرجاً ومرجاً ! باصابع ترفع وصوت عالٍ ست .. ست .. ست والمعلمة توافق لتخلص مني ! وفي يوم من ايام الدراسة وعند وصولنا بالقراءة الى صفحة حرف القاف بموضوع قدوري قزاز وميزان قبان ، توقف كل شئ من صراخي وشطارتي وكاني اصبحت فرن مطفياً ، فأصابني الخجل والاعتكاف في زاوية الصف الأخير وصرت كسلاناً درجة أولى !! وان هذا التغيير المفاجئ اصاب المعلمات الدهشة والحيرة من أمري ، وفي يوم توزيع النتائج في ساحة رفعة العلم ، قرأ اسمي مع الطلاب الراسبين وبأربعة دروس !! فخرج الطلاب، وقفت انظر الى معلمتي ودموعي تسيل بدون شعور ، فتقربت مني المعلمة وقالت لي : ماما عبود ليش رسبت ؟ ليش تحولت من شطوري الى كسولي وكرهت الدروس الباقية ؟ فهمني وقول بصراحة فانا مندهشة ! فتقربت لها وانا ابكي ورفعت راسي لها قائلا .. ست انا ماأقدر انطق حرف ق ولساني يرتل وينطق حرف أ وحرف غ انطقه ع !! اخجل من يسمعني احد !فعانقتني وسقطت دموعها على رأسي وقالت .. ليش ما تخبرني في وقتها . ثم طلبت مني التغلب على هذا الخجل وبينت لي بطبيعة الحال ونسبة العمر ، فقلت لها .. ست اوعدك بالسنة والسنوات القادمة سوف اعمل المستحيل ولم ارسب ، فبدأت مرة اخرى بميزان أبان .. وأدوري أزاز ووووغيرها من الوجوجة والآهات وضحكات الطلاب فتخرجت من الابتدائية ، والمتوسطة والثانوية ، ومن المرحلة الاولى بدون رسوب وحصلت على شهادة بكالوريوس علوم طيران ! وكتبت الأبحاث والطرق العلمية ، وطبعت لي وزارة التربية قانوناً في منهج الرياضيات !! ولدي الكثير من الأطروحات والمشاريع ومساهمات في الثقافة والأدب ، وكل هذا لم تذهب الحسرة مني لعدم أخبار معلمتي اين هي هل تحت التراب !؟ ام في بلاد الغربة فان لدي شرارة الأمل مستمرة برغم عمري نصف قرن من الزمان ، ربما تقع صحيفة الزمان تحت يد احفادها ام احد يدلني على مكانها ، فأن وعدي لم يكتمل الأ بوجودها لأقبل يدها الكريمة بما انا الآن .

عبود حسن الساعدي – بغداد