معرض سعيد حجي بالرباط مانيكانات بلا وجوه
فيصل عبد الحسن
عندما تكون اللوحة بديلاً للحلم يكون من العسير أن نعرف ماذا أراد الفنان أن يشكله في فضاء كل لوحه من لوحاته، وما مغزى كل لون وخط فيها على وجه الدقة ؟
المعرض الفردي العشرون للفنان سعيد حجي في قاعة النادرة، الذي افتتحه الفنان مؤخراً وسط مدينة الرباط وضع جمهور الفن التشكيلي أمام العديد من الأسئلة، وقد كانت ألوان اللوحات وتشكيل العوالم الغريبة التي أنتجتها فرشاة الفنان حجي هي المجيب الوحيد عن هذه الأسئلة.
خمس وثلاثون لوحة جديدة من لوحات الفنان حجي حكت قصة أبهام التجريد في الرسم المغربي، فالتجريد كمدرسة فنية اتاحت فرصاً كثيرة لمن لا يقول شيئاً، ليوهم الناس بإنه يقول شيئاً، فيما أنتج من لوحات مما جعل الفرز بين الفن الحقيقي والخربشة اللاهية على القماش من الأمور المصيرية للفن التشكيلي.
وربما هذا هدف بعينه من أهداف الرسامين التجريديين الأوربيين، ولكن الرسام المغربي أوالعربي في بلدان عربية أخرى جعل من التجريد وسيلة رمزية ليقول من خلالها بالفرشاة ما يعتقده، وما يبثه في رسومه من مطالبات كثيرة، معظمها موجهة إلى الحكومات وأهل الحل والعقد فيها، واضعاً مطالباته بحياة أفضل لأبناء وطنه في محاولة من الفنان لأن يبعث في الفن رسالة ثورية تقود إلى التغيير في المجتمع.
والكثيرون من الفنانين يضمنون لوحاتهم بأفكارهم ومعتقداتهم، واراءهم في السلطة وفي الأديان وقضايا الفلسفة المختلفة، لينقلوا لجمهورهم عبر الخط واللون ما يعبر عن رغبتهم بتغيير ظروف حياة الناس في بلدهم.
صوفية فياضة
الفنان سعيد حجي الذي ولد في حي شعبي من منطقة الدار البيضاء يسمى ” سيدي البرنوصي” عام 1954 وجد نفسه يعبر عن أحلام وآمال ناس ذلك الحي بالحياة الحرة الكريمة.
فقد حملت الكثير من لوحات معرضه الجديد هذا النزوع نحو أحلام الناس وأمانيهم ومخاوفهم ومشاعرهم العميقة بالعزل الطبقي والإجتماعي لهم وبنفي ذلك الجزء من المجتمع المرفه لهم ونظرته إليهم التي تشعرهم بالدونية.
المشاعر الفياضة بالعزلة جعلت الفنان يرسم في أغلب لوحاته نسيج العنكبوت في أعلى قمم لوحاته، وأشباح الكراسي المبثوثة كأجزاء مهمة في تأثيث اللوحة، فالكرسي هو المركز والبؤرة الملونة، الذي تدور حوله جميع الأشكال التي اختارها الفنان كالدوائر والمثلثات والخطوط الفوضوية التي لونها بالبني والأزرق عكست مشاعر الحزن والأنسحاق.
ومن كل ذلك الألم ينبثق نور يشرق على جميع اجزاء اللوحات مهما كانت موضوعاتها حزينة وفاضحة للعنف والظلم، أنه نور الإيمان بوجود الله الواحد الأحد الكريم، القادر على التغيير من حال إلى حال.
مشاعر صوفية فياضة تنتاب من يزور المعرض ويحدق ملياً في لوحات حجي، هذه المشاعر تجعله يقترب كثيرا من الأحساسات التي أراد الفنان توصيلها لنا عبر اللون، مستخدماً الموضوع الإنساني الذي تضمنته كل لوحة من لوحات المعرض للأقتراب من قلوب زائري معرضه وكسب محبتهم لطرائقه الفنية في التعبير عن ذاته وذواتهم أتجاه هموم مشتركة تجمعهم.
وليس غريباً على سعيد حجي هذه الشاعرية في اختيار موضوعات رسمه، فهو شاعر أيضاً، وله ديوان شعر مطبوع بعنوان” ديوان كاميكاز صدرعام 2001″ و” ذاكرة فينيق 2006 أرواح بيزكارن ” والأخير مجموعة رسوم تقع بين التشكيل والكلمة الشعرية المعبرة.
مانيكانات بلا وجوه
معارض الفنان سعيد حجي داخل المغرب وخارجه حققت للفنان شهرة مغربية وعربية، فقد حصل الفنان حجي مؤخراً مع مجموعة من الفنانين العرب من جمعية بصمات الفنية بالقاهرة على وشاح خاص، كتكريم من الجمعية لمجموعة معارضة الفنية، وما قدمه خلال السنوات الماضية من جهود فنية لتطوير أساليب الفن التشكيلي بالمغرب.
أتصفت لوحات المعرض الأخير مقارنة بلوحات معارضه السابقة في المغرب وخارجها بكونها لوحات كبيرة نسبياً، فقد جاءت قياسات معظمها بين ” 2 متر في 1,5 متر ” و ” 1,5 متر في 1,2 متر ” وتعتبر هذه القياسات مهمة، وتتيح للفنان مساحة كافية للتعبيرعن موضوعه، لكنها أيضاً تكون سلاحاً ذا حدين، فهي تضع فرشاته ازاء فراغات كبيرة عليه أن يمليها، وأن لا يشتت خلال ذلك رؤيته الجمالية في الأشكال التي يرسمها.
وبسبب الحرفية والمران المستمرين للفنان منذ عشرين سنة تقريباً، وهي الفترة التي قضاها الفنان في تدريب عينيه وأصابعه وروحه لتقديم تجاربه في التشكيل للجمهور من خلال معارض جماعية وفردية فقد استطاع الفنان أن ينتج لوحات معبرة عن مشاعره العميقة المُحبة للناس.
فإن كل لوحة من لوحات المعرض الآخير حملت رؤيا مستقلة عن الأخرى، لكنها تشابهت باستخدام ذات الأشكال الجمالية، وطرحت ذات الأفكار التي تحكي عن عزلة الانسان وفقره، وقدراته المشلولة بسبب ظروف لا يد له فيها.
فأشكاله الجمالية التي استخدمها في أغلب اللوحات هي: الكرسي، نسيج العكنبوت، مانيكانات ليس لوجوهها قسمات محددة، قضبان، أجساد مكتفة بأذرع متعددة، دوائر وأشكال هندسية.
وقد استخدم الألوان الساخنة: اللون الأصفر والأحمر والبرتقالي في اللوحات التي تناولت قضية الحرية، والشعور بالظلم، والسخرية من الكرسي كمكان لمزاولة السلطة القامعة، واستخدم الألوان الباردة في رسم الفضاءات الفارغة، كالسماء، الماء، الثلج، الفراغ، وبرع باستخدام هذه الألوان، ومزجها بطريقة خاصة به، فأزدانت لوحاته باللون الأزرق، والنيلي، والأخضر المزرق. أن عوالم لوحات سعيد حجي لم تتأثر بالجديد في عالم التشكيل، وبقيت محافظة على عوالمها الخاصة، تلك العوالم التي تعود إلى فترة السبعينات من القرن الماضي، قارئاً حواضن الفقر والحاجة في الأزقة الشعبية من” سيدي البرنوصي ” بالدار البيضاء، محملاً لوحاته أقصى ما يستطيع من أحساسات الرفض والشعور بالعارمن تلك الفترة التي عاشها في مقتبل عمره.
مانيكانات بلا وجوه هذا المعرض ستبقى في ذاكرة الجمهور طويلاً، فقد عكست بصدق عذابات السنين وذل القهر والفقر والحاجة، لأعداد كثيرة من الناس لا تزال تحتفظ في ذاكرتها الجمعية في مدينة الأقتصاد الحر في المغرب بذكرياتها القاسية عن تلك الحياة الصعبة في احيائها الفقيرة الواقعة في أطراف كازابلانكا ” الدار البيضاء” المدينة الكبيرة.
























