مصر في العين اللامة ـ يوسف بعدراني

مصر في العين اللامة ـ يوسف بعدراني
تسارعت أحداث مصر في السنوات الثلاث الأخيرة كما لم تتوال في القرنين الماضيين أي منذ بدء الغزو الصليبي لنابوليون. التسارع منع الكثير مِن المسلمين مِن فهمِ حقيقة ما يجري وغلب عليهم تصديق الاعلام الذي يقول انها ثورة على مبارك الظلم والديكتاتورية في البداية. وأن الثورة الثانية هي على غباء ونفاق وسيطرة الاخوان على السلطة وأن هذه هي الثورة الحقيقية على الفساد والاستئثار والتخلف. الأحداث السياسية لا يمكن أن نفهمها مما يأتي مِن التصريحات ولا مِن التحليلات الاعلامية ولا مِن الأحداث التي تقع ولا مِن مطالبات القوى السياسية أو مواقفها فقط. هذه مصادر للفهم يجب اخضاعها قبل القبول بها كمصادر الى الفهم بالطريقة الطبيعية التي يعمل بها العقل والتي عرَّفها حزب التحرير الطريقة العقلية للتفكير . لكن قبل العمل باخضاع هذه المصادر للفهم يلزم أن نتعرف الى حقائق الواقع التي لا يتطرق اليها الشك في واقع مصر السياسي قبل ثورة البداية، وواقع قوى الثورة الأولى، ونتائجها التي أدت الى وصول الإخوان الى السلطة.
ابان حكم عسكريتاريا مبارك كانت الجماهير تعطي أصواتها بالانتخابات بالملايين الى مرشحي حزب مبارك المسمى آنذاك الحزب الوطني وجميع الناخبين كان يعلم أن مبارك دمية أمريكية. ولم يجد أحد في ذلك غضاضة ومَن وجَدَ لم يتجرأ على المواجهة الفعلية. بالصبر والتخطيط والعزيمة والعمل الدؤب طوال خمس سنوات مِن التنظيم وملء كادراتِ ما يلزم للحراك العام بحسب ما صرحت به شخصيات الإخوان والوفد ابان الثورة على مبارك. وفي غفلة مِن هذه العسكريتاريا استطاعت القوى المناوئة للنفوذ الأمريكي بقيادة الإخوان والوفد الحزبين الرئيسيين في عهد الاستعمار المباشر للانكليز الذين كانوا يحتلون مصر بأكبر قوة عسكرية امبراطورية خارج حدودها في ذلك الزمن اندلعت الثورة ضد النفوذ الأمريكي في مصر وليس لاسقاط مبارك فقط. لذلك بادرت أمريكا للاستجابة لمطالب الملايين التي اقتصرت مطالبتها على عزل مبارك ولم تجاهر بحقيقة هدفها اقتلاع النفوذ الأمريكي لأن قوة ذلك النفوذ هو في سلطة حكم البلاد الحقيقية وليست بالحزب الوطني أو مبارك. التعرض للجيش في تلك المرحلة كان خطراً محتماً وليس محتملاً بأن تقوم أمريكا باحداث انقلاب ولو أدى ذلك الى حمام دم وهو ما لم يكن موضع خيار عند الانكليز الذين أرادوا استعادة نفوذهم بالطرق والأساليب السياسية والمدنية والديمقراطية لاستحالة استعادة ذلك بالسلاح.
وصل الأمر الى انتخابات الرئاسة وتوقفت السلطات الانتخابية التي كانت بالطبع تحت اشراف الجيش الذي كان يحكم عبر الوزارة المؤقتة التي شكلها المجلس العسكري البطل الذي وقف بجانب الثورة عن اعلان النتيجة لبضعة أيام. اما أن يفوز أحمد شفيق مرشح الفلول أو يفوز مرسي مرشح الثورة. الكل كان يعلم أن اعلان النتيجة توقف لأن الجيش من جهته وأمريكا من جهتها كانا يجريان مفاوضات اللحظة الأخيرة مع طرف واحد هو مرسي ومرجعياته السياسية. أمريكا كانت أجرت مفاوضات مباشرة علنية وبالعمق مع مرسي وإخوانه وأعلن الطرفان أنهما سيتعاونان استراتيجياً الى أقصى الحدود، لم يكن سراً خضوع مرسي وأخوانه المطلق للمطالب الأمريكية، ولم يكن سراً سرور أمريكا مِن خضوع الإخوان حدَّ التذلل بالانحناء لقبول أمريكا لهم عبيداً لها. أمريكا تفاجأت جداً بتخلي الاخوان عن جميع أفكارهم الدينية وتخليهم عن جميع أدبياتهم وعقيدتهم وشعاراتها التي يعلنونها طوال مئة عام يطالبون بحكمٍ اسلامي. موقف الإخوان أربك أمريكا لثوانٍ في التاريخ وترددت كثيرا بقبول هذا الواقع. لكن ذلك لم يقلل مِن احترام جماهير المصريين لاخوان مرسي، ولم يعترض أحد مِن الأحزاب التي تعد بالعشرات ان لم يكن بالمئات على تصرفات مرسي واخوانه، ولم يعترض أي فرد مِنَ المنتمين بالبطاقة وعقلهم وقلبهم الى الإخوان. جميع الثوار وجميع قيادات العمل السياسي الظاهرة على الساحة الوطنية آنذاك كانت تصلي في هياكلها العظمية الصدرية موئل الشيطان حيث يهنأ بالاستراحة في صدور المنافقين أن تنطلي الحيلة الانكليزية على أمريكا. أمريكا دولة أولى في زمن سيادة قانون اباحة الزنا واللواط وتعميم الفساد في أقاليم الأرض حيث لم تبقَ بوائقَ شيطانية الا وفرضت الأفكار الديمقراطية اباحتها وجعلت مقياس رقي الفرد والمجتمع هو مستوى العيش بهذه الموبقات الشيطانية التي تُخرِجُ الانسان مِن انسانيته في كل فكرٍ وعمل. أمريكا التي استباحت الابادة البشرية في كل أزمة بينها وبين أي دولةٍ أخرى لا تأتمر بأوامر استعبادها لها، وأمريكا التي تفرض نُظُمَ مسرح الحرب في علاقاتها مع كل دولة كان يجب ويمكنها أن تأمر الجيش بانقلاب يطيح بأخوان مرسي وجميع الأحزاب التي تشكلت لمعاونته بأسماء تدجيلية، لكنها لم تفعل. أن لا تقوم الدولة الأولى بل الوحيدة التي تستهزئ بكل قوى الانسانية ولو اجتمعت عليها بعمل كان يجب أن تقوم به ليس موضوعاً يدعو للعجب فالعجب يأتي مِن جهل بينما عدم قيام أمريكا بانقلاب يجب أن يأتي مِن حقيقةٍ استراتيجيةٍ في سياسة الدول العظمى مهما كانت قوتها. أمريكا في سياستها الاستراتيجية الكونية التي تقوم على تبني الدعوة الى فرض أيديولوجية الديمقراطية الرأسمالية كنظام عيش للجنس البشري لغاية انتظام حياة كل الناس بالفكر الديمقراطي لها غاية حضارية لا تحيد عنها. غاية أمريكا هي تحقيق النتائج التي تحصل طبيعياً باعتناق الفكر الديمقراطي أو بفرض تطبيق الأنظمة التي تنشأ عن الأفكار والنظريات الديمقراطية. أن يحيا الانسان بالفكر الديمقراطي هي الطريقة الوحيدة لتخلي الانسان عن أيِّ فكرٍ انساني، ولموت الاحساس بانسانية الفرد، ولعيش الفرد وهو يحاول أن يقلِّد الانسان. محاولة الفرد أن يحيا وهو يبذل جهداً فكرياً متواصلاً لتقليد الانسان هي الشهادة للفرد أنه ليس انساناً بل هو ما هو عليه في حقيقته أنه ديمقراطي. هذا الفرد هو القرد السعدان الذي نضحك ونحن نتفرج عليه في السيرك أو حديقة الحيوان أو حيث نهرع للتفرج عليه في أماكن أو ظروفٍ يدعي فيها أنه ديمقراطي وليس انساناً. لهذا عندما يظهر فرد على المسرح يتحدث عن الديمقراطية تتسمر أنظار مَن بقيَ فيه انسانيةٌ أو ما زال في عقليته بقيةٌ مِن معارفَ اسلاميةٍ بالنظر اليه أنه القرد السعدان الذي يجب أن نستهزئ به. أمريكا في فكر استراتيجيتها بتعميم المفاهيم الديمقراطية لا ترى لهذه الأفكار حاجزاً غير الاسلام دين الله الذي أنزله الله في كتابٍ محفوظٍ بالختم الالهي حمَلَهُ المَلَكُ جبريل عليه الصلاة والسلام الى نبي الله ورسوله بالرحمة الالهية الى بني البشر أجمعين محمَّد عليه الصلاة والسلام. أمريكا في خطتها الاستراتيجية استحداث اسلاميين بالفكر أو بالسلاح ليكونوا وقوداً لها في خطة حرق فكر الاسلام السياسي أو فكر الاسلام الجهادي بطريقة التفريق بين أفكار الاسلام. تفرض التفريق بين أفكار الاسلام رغمَ معرفتهم بقول الله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.. . والتي يعتقد المسلمون مفهومها أن مَن يؤمن بآية ولا يؤمن بأخرى هو كافر مهما صلى وصام وتصدق. أمريكا سارت طويلاً وبنجاحٍ في تسخير أحزاب المسلمين وعمائم تعلن أنها اسلامية رضوا أن يرتكبوا موبقات تهرب منها النفس الانسانية حتى ولو كانت ديمقراطية. وقودُ رِجز الديمقراطية يخبو عندما تفور الفطرة البشرية وهي أكثر ما تفور مِن تصرفات الاسلاميين يدَّعون اسلاماً وهم يقتلون غيرهم بحقٍّ يدَّعونه ويفرضون على آية القرآن تبريره فيستبيحون كلَّ نِفاقٍ وشعوذة. وأيضاً والنفس تشاهد عمامة تنطق بترهات وأكاذيب وأباطيل تعزوها للاسلام وهي تفرض على آية القرآن تحريفها لتكون دليلاً على ارتباط أكاذيبها بالاسلام. لكن أمريكا لم تنجح النجاح المطلق في حرقِ الاسلام السياسي.
اللعبة التدميرية
بريطانيا هي التي أطلقت اللعبة التدميرية فيما عرَّفتهُ وسائِط اعلام النفاق ورجالات هذه اللعبة في كلِّ بلدٍ أنها ثورة الربيع العربي، بذلك بريطانيا حدَّدَت مسرحَ اللعبة وأدواتها وأهدافها المرحلية وغايتها النهائية. أمريكا لا تمتلك غير سلاح الانقلاب العسكري وترى خطورته على وجودها في منطقة الشرق الأوسط. وتدرك أنها لا تستطيع أن تعيد تجربة عبد الناصر عندما هيّأت لانقلابه على نفوذ الانكليز ووضعت خطة حمايته مِن الداخل بتأليب الجماهير ضِدَّ أمريكا ليتسنى له البطش بعملاء الانكليز. الوضع الدولي لم يعد يسمح بتكرار هذه المسرحية الجارية في ايران وكوريا الشمالية وسوريا في بلدٍ كان الأول في هذا المخطَّط. لذلك وحتى ترضى أمريكا باستغلال الظرف لتحقيق هدف استراتيجيٍّ كبير في خطتها الدولية لحرق الاسلام والاسلاميين السياسيين قدمت بريطانيا مشورتها لأمريكا أن يتعاونا للتخلص مِن فكرة الحكم بالاسلام في مصر عبر تسليم الحكم للإخوان وتفشيلهم ومِن ثمَّ تحريك الجماهير للثورة عليهم وحرقِ فكرهم وكيانهم المعنوي والسياسي. بهذا تنحصر اللعبة بعد ذلك بين العلمانيين الذين تحبهم أمريكا وترى سهولة تطويعهم لأن مقياس أعمالهم برأيها النفعية وليس فقط الولاء للانكليز. طربت أمريكا لاقتراح بريطانيا بتسليم الاسلاميين الحكم لحرقهم بين جماهيرهم وللانتهاء مِن أخوان النفاق كما سماهم أحد المعلقين الأمريكيين في معرض فضحه لخطر تسليمهم السلطة، وكما سماهم كثير مِن المشاركين في الندوات التلفزيونية. لم يدرك أحد في الحكومة الأمريكية خطر الانسياق الأمريكي في مخطط لا تمتلك فيه أمريكا مقومات العمل ولا قدرات القوى ولا هو كمخطط ينبثق عن استراتيجيتها التي ترتبط بعوامل الحدث. أكبر الخطر على الدولة أو الحزب هو التجرؤ على القيام بحركة سياسية في واقع لا تمتلك عناصره وهذا التهور في التصرف ينشأ اما مِن غباء أو مِن خيانة. طبعاً لا مجال هنا لخيانةٍ مِنَ الساسة الأمريكيين لذلك يقتصر البحث على الغباء. هو ليس غباءً في التفكير فقد أعملوا فيه التفكير لكنه غباء في اعتبار النتيجة هي المبرر للقيام بالحركة السياسية وليس الواقع الذي ينتج عن الحركة السياسية هو الذي يجب أن يكون المبرر. البحث في الواقع السياسي الذي ينتج يفرض اعتبار عناصر الواقع الجديد والقدرات اللازمة للتحرك بادارته بنجاح، بينما اعتبار النتيجة هي المبرر يمنع الربط بين العناصر والقدرات للنحرك في الواقع الجديد. فهذا النوع مِن الغباء هو الذي يسمونه لتبرير غباء المفكرين في أمريكا أو أي حزب سياسي قصر نظر . لكن موضوع هذا النوع من الغباء ليس مِن موضوع قصر نظر لأن موضوعه يتعلق بالتمسك بقواعد التفكير وليس بنتيجة التفكير، انه تفكير بدون قواعد التفكير ولذلك هو مِن الغباء المطلق. وهذا النوع مِن الغباء هو الطريقة الخبيثة لضرب الكيان الفكري في الدولة أو في الحزب خاصة الأحزاب الأيديولوجية.
نقول خاصة الحزب الأيديولوجي لأن غير الحزب الأيديولوجي ليس له كيان فكري بينما أساس كيان الحزب الأيديولوجي هو فكر المبدأ الذي يعتقده. لذلك عندما يقوم الحزب الأيديولوجي بحركة سياسية متخلياً عن قواعد التفكير يذوي بلمح البصر مهما كانت أعداده لأن كيانه منذ البداية تشكَّلَ بقواعد الفكر فاذا قام الحزب بحركته السياسية بدون قواعد الفكر يظهر الانفصال التام بين العمل السياسي وفكره. أن يحصل التناقض بين فكر وعمل الحزب الأيديولوجي المبدئي هو الضربة التي تقضي على الكيان الفكري للحزب المبدئي لأنه لا يملك مقومات كيانية غير الفكر الذي يتبناه وليست حركته السياسية مِن مقوماته الكيانية بل هي مِن أعماله السياسية لتحقيق غايات فكره السياسي. هذا العمل الذي يهدم الحزب الأيديولوجي لا يأتي مِن فراغ بمعنى أنه لا ينشأ مِن خطأ في التقدير ولا مِن جهلٍ بالعمل، ولا يأتي حتى مِن انحطاط الحزب الى الدرك الأسفل مِن التفكير. هذه كلها يمنعها ابتداءً تمسك قيادة الحزب الأيديولوجي بقواعد الفكر، ووعي شباب الحزب الأيديولوجي على التزام قواعد التفكير في الفهم أو في انتاج الفكر مِن الفهم. فالأصل في قيادة الحزب الأيديولوجي كما هو الأصل في شاب الحزب أن يكون التمسك بقواعد التفكير وبأفكاره الأيديولوجية هو طبيعة خاصيته الفكرية وليس أن تكون الخاصية منفصلة عن فكرها. فالربط لا يكون في الشاب العقدي ربطاً مصطَنعاً بوعي على الطريقة العقلية للتفكير بخطواتها أولاً وثانياً وثالثاً وهكذا بل يجب أن تكون هي الطبيعة التي يجري بها بدون وعيٍ على أنظمتها. عدم وعي القيادة على كيانها الفكري أمر يستحيل لأن ذلك لا يحصل في الحزب الأيديولوجي، وعدم وعي الشاب في الحزب على فكر الحزب يخرجه مِن صفة انتمائه الفكري. الموضوع ليس الوعي بل الربط بين العمل وفكره لأنه هنا يمكن أن يكون العمل بغير فكر الحزب أو يكون العمل بدون فكرٍ بسبب فورةٍ غريزية لم تستطع القيادة لجمها بسبب انفصال العمل عن الفكر. وهكذا هي حالة الشاب عندما يقوم بعمل بفكرٍ غير فكرِ الأيديولوجية الفكرية التي يقوم عليها كيانه الحزبي والشخصي أو يقوم بعمل بارتداد غريزي لا يرتبط بفكر. حالةُ عمل الحزب بغير فكره هو الذي يدمر الحزب الأيديولوجي وليس الخطأ في تقدير النتائج هو الذي يدمر الحزب مهما كان الخطأ فادحاً. هذه الحقيقة في الواقع الكياني للحزب هي النور الذي يضيء على مقياس درجة انحطاط الحزب وقياس انحطاط شبابه. وهي مقياس التعرف الى حقيقة ما يجري في الحزب الأيديولوجي هل هو خيانة متعمَّدَةٌ لهدم الحزب والقضاء عليه بطريقة هدم كيانه الفكري الذي يقوم على ربط فكره بعمله. ربط العمل بالفكر هو المعنى الذي نصطلح على توصيفه فكرة وطريقة المبدأ الذي منه فقط يجب أن تنبثق وتُصاغ ثقافة وثروة الحزب الفكرية. وهي مقياس التعرف الى ما يجري في الحزب المبدئي أنه مِن غباءٍ وليس مِن خيانةٍ. معرفة الحقيقة في واقع انحطاط الحزب المبدئي أنه مِن خيانةِ القيادة أو مِن غبائها مهم جداً لمن يرى ااعادة اللحمة بين الفكر وطريقته أولاً، ولمن يستطيع أن يعمل لانتشال الحزب مِنَ الانحطاط الذي يتمرغ فيه ثانياً. يبقى أن الخطر الأكبر يكمن في عجز القيادة عن ملاحظة الانحطاط الذي وصل اليه الحزب. فالانحطاط ليست حالةً فجائية تقع بفعل طارئ، ولا هي بسبب عمل لا يرتبط برؤية فكر الحزب الاستراتيجي، انها حالة تنتج عن مسيرةٍ طويلةٍ بالانحدار. لهذا لا يمكن أن تعمى بصيرة قيادةٍ فيها أهلية القيادة عن التنبه الى مسيرة الانحدار التي يهوى فيها الحزب المبدئي طوال سنوات، واذا حصل فالقيادة أحد أمرين اما أنها قيادة جاهلة جهلاً مطلقاً بالمبدأ الذي تتبناه. أم أنها قيادة وقعت تحت سيطرة أعداء الاسلام تنفذ مخططهم في هدم الحزب وليس محوه أو حله بل ليبقى كما بقية الأحزاب التي يكون مجرَّد وجودها يخدم هدف استنزاف طاقات الأجيال المتوالية في الأمة. أو تكون مع الأحزاب التي تكون سداً في طريق النهضة. فاذا كان سبب انحطاط الحزب أو انهياره الفكري على صعيد الممارسة هو بسبب الأمر الأول الذي ينشأ عن جهل القيادة المطلق بمبدأ الحزب فلا بدَّ أن يكون في آلية الادارة الحزبية ما يدعو الى تغيير القيادة. واذا لم يكن في الآلية هذه الطاقة على تغيير القيادة فهو ليس حزباً مبدئياً لأن شرط قيادة الحزب المبدئي أن تكون قيادته قيادةً فكرية لا فردية، أي أن يكون التزام فكر الحزب هو مرجعية سلطة القيادة أولاً، ومرجعية صلاحها للاستمرار ثانياً، ومرجعية آلية تعيين قيادة جديدة ثالثا. الحالة الأولى اذا انفصلت سلطة القيادة عن سلطة فكر الحزب تحول الحزب الى حزب فرد كما كان عليه حزب هتلر. الحالة الثانية اذا انعدم وجود مقياسٍ تُحاسَبُ القيادة به يقيس قربها أو بعدها عن فكر الحزب المبدئي تحول الحزب الى حزب الغافلين بما جاء في معناها في القرآن الكريم، وهم الذين يشبهون الناس عندما ينظرون في المرآة ويعيشون بفصل فكر الايمان عن طريقة عيش فكر الايمان فهم في ممارسة طاقات الحياة أكثر ضياعاً مِن الحيوان الشارد في البراري. أما اذا لم يكن في آلية تغيير القيادة مرجعية تنشأ عن فكر المبدأ وهي الحالة الثالثة فيتحول الحزب الى قيادةٍ بالبطش لاستمرار القيادة وتتحول القيادة الى قيادةٍ للتسخير لتحقيق مقاصد القائد لا مقاصد فكر المبدأ. أما اذا كان سبب انحطاط الحزب هو خضوع القيادة أسيرة لارادةٍ خبيثة تعمل لفصل الحزب المبدئي عن فكره المبدئي وليس لفرط عقد الحزب فهذا هو الأخطر الذي يجب التعامل معه بحذر حتى لا يكون اصلاح الأمر بتغيير القيادة هو عمل فرط كيان الحزب كما يجري الآن بين جماهير الأمة الضالة وأنظمة الحكم الضالة كلٌّ يقول باطلاً ويدعي حقاً لكن غاية ادعاء الحق بغير فكر العدل تؤدي الى فرطِ البلد كل بلدٍ على حدة. ممارسةُ القيادةِ فصلَ عملِ الحزب عن فكره لا يكون الا مِن جهلِ القيادة بمقياس الرقي والانحطاط ولأنَّ هذا لا يمكن الجهل به بل يمكن تضييعه بمعنى تغييبه يكون عدم ملاحظة الانحطاط هو مِن خطة متبناة لابقاء الحزب في المستنقع الذي يغرق فيه لكن أخوان مرسي ليسوا هكذا لأن ليس في فكرهم الأيديولوجي طريقة عمل تنبثق عن الفكر بل أخذوا طريقة مِن طبيعةٍ أخرى وألصقوها بفكرهم الأيديولوجي ولهذا الذي يراقب أفعالهم أو يسمع أقوالهم يقول عنهم أخوان المنافقين وليس لأن الفرد منهم كذاب بل لأن التناقض ظاهر بين ما يدعون اليه وطريقة العمل لسيادة الفكر. هم يدعون أنهم حزباً اسلامياً وأن مبدأهم الاسلام كما يدَّعي كلَّ حزبٍ اٍسلامي آخر يعمل لتحريف الاسلام بادعاء اسلام بدون مرجعية دليله الشرعي. وكلهم فصل بين فكر مبدأ الاسلام وبين طريقة هذا الفكر بحجة أن أفكار الفكر تحتاج الى دليل بينما أعمال الفكر لا تحتاج الى دليل بل تخضع لحاجة تحقيق غاية فكر المبدأ وهي سيادته على الناس. يعملون بحكم بغير طريقة الحكم صفة عمل قيادة الناس بغير مفهوم القيادة الفكرية، وبغير حقيقة الفكر المبدئي، وبغير بنية القيادة في الحزب المبدئي. ينافقون ويضللون بادعاء جهلٍ لتجهيلنا، أو ادعاء علمٍ لتسفيه حقيقةِ العلم الذي ننهل منه بطريقة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدليل الأول على أن بريطانيا هي التي كانت وراء جر أمريكا للقبول بفكرة تسليم الإخوان سلطة الحكم بغية حرقهم أن الوضع السياسي كان مسرح ثورة وأن جميع فعاليات هذه الثورة تحركها بريطانيا مباشرة أو عبر طرفٍ ثالث. هذه الفعاليات كانت مندمجة ببعضها الى حد كبير حتى تفوز جميع أحزاب الثورة بمقاعد البرلمان. وفي انتخابات الرئاسة عندما كانت مسافة المنافسة ضيقة بين شفيق مرشح مبارك ومرسي وتأخر اعلان فوز مرسي عدة أيام بقيت قوى الثورة هادئة لأنها تعلم سبب التأخير وليس لأنها لا تعلم النتيجة. نتيجة انتخابات الرئاسة محسومة منذ رضيت أمريكا بتسلم الاسلام المعتدل للحكم والجميع كان يعلم ذلك. تأخير الاعلان كان لاذلال الاخوان علنياً وللاعلان أنهم رضوا بكل شروط ترك الاسلام بالكلية قبل تخطي عتبة باب القصر كمن يخلع معطفه ويعلقه في خزانة قبل ولوج الصالون. قوى الثورة كانت تعلم أن قبول مرسي واخوانه تسلم السلطة هو مؤامرة على أمريكا وليس أكثر مِن ذلك. قوى الثورة الأولى رضيت بارتماء الإخوان في الحضن الأمريكي بدون أي معارضة تذكر وجميعهم مِن القوى الجماهيرية التي تحركها بريطانيا. الثورة الأولى نجحت فيها بريطانيا على أمريكا باقتناع امريكا بتسليم الحكم للاخوان لحرق الاسلام السياسي رغم معرفة أمريكا أنه لا يوجد في الواقع ولا في الخيال اسلام سياسي ، لا يوجد اسلام سياسي الا لتضليل المسلمين عن حقيقة أن الاسلام هو اسلام واحد ترك أي حكم منه معصية وانكار أي حكم منه كفر. إخوان مرسي ليسوا حزباً مبدأه الاسلام، لذلك ليس عنده فكر مبدأ الاسلام ولا طريقة مبدأ الاسلام فكره للنفاق بأفكار الاسلام، وطريقته لهدم فكر مبدأ الاسلام.
AZP07