مصر حضارة وتقدم

مصر حضارة وتقدم

النيل يحتضن الفنادق والعاصمة وجهة سياحية

جاسم مراد

عندما تزور مصر قبل عشر سنوات ، وتزورها الان ، فأنك حتماً   تجد الفوارق الكبيرة في كل المجالات ، فوارق حضارية عصرية لا تلغي القديم ، بل تتجانس معه ،كتاريخ يحكي قصة وعظمة هذا البلد العربي الكبير الذي بلغ عدد سكانه _ 120_ مليون نسمة ، لكن رغم هذا العدد السكاني الكبير ، والذي يكبر كل يوم ، تجد هناك حركة دؤوبة في كل فواصل العمل ، وفي كل مكان تتواجد فيه ، الفندق ، المقهى ، الشارع ، في مراكب النيل وسفنه الصغيرة ، في القناطر ، وعند استراحة القائد جمال عبد الناصر ، فأنت كعراقي محبوب ومرحب بك ، والكثير منهم يرفض أن يأخذ أجور الطعام أو التاكسي لكونك عراقيا ، والكثير منهم إن لم يكن اغلبهم يتحدثون عن مفاخر الرزق بعد الله نتيجة العمل في العراق ، ويثنون على شهامة العراقيين وعدم تفريقهم بين الجنسيات العربية .

رغم كثافة سكان القاهرة التي تبلغ حسبما يذكر من تحدثنا معهم _40_ مليون ويصل هذا الرقم في بعض الأوقات الى _ 50_ مليون نسمة ، فإنها من العواصم النظيفة ، شوارعها وازقتها نظيفة ، وحركة السيارات والدراجات تسير وفق محددات الإشارات الضوئية ، لا تجاوز على أنظمة المرور ولا السير عكس الشارع ولا تخطي للأرصفة ، الجميع يخشى القوانين والكل يبتعد عن شروط الغرامات .

بلد البناء والسياحة

كانت محطتنا الأولى في فندق _  كراند تاور نيل _  وهو واحداً من الفنادق الراقية المطلة على النيل وكل العاملين في هذا الفندق من المصريين ولا ابالغ إذ قلت بالمئات ، ويتمتعون بلياقة فندقية عالية وبلبوس مختلفة بين المستقبلات والمستقبلين أو أولئك الذين يشرفون على قاعات الطعام أو الذين يصطفون على طول كتف نهر النيل الذي يطل منه الفندق ، والمهم من كل ذلك الفهم العالي لدى العاملين في الفندق بطريقة مخاطبة الزوار والساكنين وتحقيق كل المتطلبات بالسرعة الممكنة وبمنطوق هادئ .في هذا الفندق اكثر زواره والساكنين فيه من اخوتنا الخليجيين من كافة الأقطار، ومايبهر الاعداد الكبيرة من الخليجيات والخليجيين شبانا وفتيات شيوخا ونساء كبيرات في السن ، وكعادتنا العراقيين عندما نصل الى مكان وفيه مجموعة من الناس نلقي التحية والسلام عليكم ، وكان رد السلام علينا اهلاً بالأخوة العراقيين انتم ملوك العرب وفخرنا ، هذه الكلمات الرائعة الجميلة تعطي تصوراً كم هو محبوب شعب العراق بين اخوته العرب ، مما يجعل الانسان يفكر كم هو محزن مغادرة جيلنا الراهن وعلاقاتنا الاجتماعية عن ماضينا الجميل على مستوى العلاقات الاجتماعية والاسرية وفي مستوى التضامن مع بعضنا البعض ، صحيح إن الحروب العبثية وتلك التي فرضتها القوى الغربية عن طريق غزو بلاد الرافدين قد اثرت على الكثير من أنماط العلاقات المجتمعية وخاصة الظروف الاقتصادية والمعيشية ، ولكن الصحيح أيضاً الانفلات في تخطي نمط العلاقات العشائرية والقبلية حدود الدولة وممارسة التعدي على القوانين والنظام العام وصيغ التوافق الاخوي عبر منهجية الغلبة والتدافع ، مستفيدين من ضعف النظام وتركيبة السلطة المبنية على المحاصصة .

كانت وجهتنا الأولى داخل العاصمة المصرية القاهرة وخاصة المناطق الشعبية والاثارية والأسواق المشهورة المعروفة ‘ فزرنا حي السيدة زينب ، ولاحظت قلة المتسولين الى الحد الذي يشدك بأن المتسول لا يطلب منك مبلغا من المال وإنما يضع بضاعة لا تساوي شيئاً   وإنما تحثك على تقديم العون لصاحبها ، فكان حي السيدة زينب ، فبالرغم من كثافة السكان وهو يعتبر من الاحياء الفقيرة إلا أنه يتمتع بنظافة تلفت النظر وخلوه الى ابعد الحدود من المتسولين  ، حيث تشاهد القائمين بالتنظيف لا يملون من الرواح والمجيء بين الشارع والأخر والزقاق والدربونة المتصلة بالزقاق ، ويرفعون الأوراق واكياس النايلون وغيرها من المقذوفات التي تشوه المدينة والحي  ، وجلسنا في المقهى

الشعبي المطل على شارع السيدة زينب ، وما يثير الاهتمام إن النظام في المقهى الشعبي لا يقل أهمية عن نظام الفنادق الأخرى ، فالكل يشعر بأنه مسؤول عن النظافة ، ولم نشاهد أن يرمي السائق أو الركاب قناني المياه والمشروبات في الشارع ، كما لاحظنا أن أحد الراكبين في الدراجة أراد المرور بعكس الطريق ، وكان بعض المارة والسواق يصيحون به ، لماذا تخالف السير ، مما اجبر على التراجع والعودة الى الطريق الصحيح .نتحدث عن ذلك ليس من باب الفخر فقط وهو امراً يتوجب على كل انسان أن يعتز به ، سيما ومصر تحظى بكثافة سكانية تتفوق على اكثر الدول العربية والشرق أوسطية ، وإنما ايضاً لكي يعي المواطن والمسؤول العراقي بأهمية النظام والالتزام به ، وضرورة المحافظة على نظافة البلد والمدينة والبيت، وهي من الأمور التي كنا سباقين بها في الزمن الماضي .لقد عبرنا بعد الاستراحة في السيدة زينب الى مسجد سيدنا الحسين ومنه الى خان الخليلي وفي تلك الأماكن تشتم رائحة عبق التاريخ وما يحتويان من صناعات يدوية تاريخية ، سيما في خان الخليلي حيث كل ما سجله التاريخ المصري العريق هو موجود في هذا الخان حيث تشاهد العديد من الزوار الأجانب ومن جنسيات مختلفة يشترون تماثيل كولوباترا وشخصيات عديدة مثل اوزيريس الذي ياخذك نحو العالم السفلي حيث تختفي وراء الافاق الرملية ، مما يعبر عن قوة وقدرة العامل المصري في تشييد هذه المقابر والمعابد.

القديم يبقى

ما يثير الاهتمام هو كل ما هو قديم من ابنية وقصور وأماكن يبقى على قدمه مع الاحتفاظ  بالحديث مما يعطي رونقا خلابا بما يجمعه بين القديم والحديث ، فسنحاريب بقي سنحاريب ، وسعد زغلول شاخصا في احدى ساحات القاهرة وطلعت باشا لم تؤثر عليه البنايات الحديثة ، ومكتبة متولي تحت الأرض باقي تحكي قصة جمال عبد الناصر الذي يأتي ما بعد الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وحده لابساً الجلبابة المصرية ويستعير كتابا من متولي يجلس تحت ضوء العمود الكهربائي يقرأ ويقرأ حتى الثانية أو الثالثة فجراً دون مشاكل الدولة هذا ما تحدث به لنا احفاد أولاد واحفاد متولي . في الموضوع القادم سنتناول كيف عالجت مصر العشوائيات بالإضافة لبعض الأماكن في مصر لاسيما منطقة القناطر وبيوت الفنانين والطريق الرابط بين القاهرة والإسكندرية والذي يبلغ _ 250_ كيلومتر وماهو دور الجيش المصري في الاعمار والاكتفاء الذاتي ..