مشكلة البحرين والصاعقة المقبلة
فلك الدين كاكه يى
الوضع الداخلي لمملكة البحرين الصغيرة في الخليج يثير العلاقات الخارجية في المنطقة. فالتركيب السكاني، ذو الاكثرية الشيعية، خلق حالة دائمة من التوتر والقلق.
ولما كان الشيعة قاعدة رئيسة للمعارضة هناك مقابل النخبة الحاكمة السنية. فقد اصبح تاثير الوضع الداخلي للبحرين يمتد مباشرة وبسرعة الى العلاقات الخليجية مع ايران.
والظاهر ان الحكومة الاسلامية الايرانية تساند الاكثرية الشيعية المطالبة بحريات اوسع، ربما وصولاً الى احراز السلطة هناك.
تواجه المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى هذه المحاولات بابداء القلق والمخاوف فتهرع الى مساندة حكومة البحرين.
اذ ما ان توسعت فعاليات المعارضة البحرينية حتى بادرت السعودية الى ارسال قوات من درع الجزيرة الى البحرين بطلب من مملكة البحرين.
وواضح اين تقف الولايات المتحدة الامريكية وحليفاتها الاوروبية، التي تملك قاعدة عسكرية كبيرة هناك، كذلك الموقف المساند للدول العربية عامة التي تخشى من توسع النفوذ الايراني في الخليج، لاسيما بعد اصرار حكومة الجمهورية الاسلامة على التمسك بالجزر الاماراتية الثلاث ابو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى.
وصارت مشكلة الوضع في البحرين جزءاً من الصراع الكبير الممتد في الشرق الاوسط والخليج، بحيث الى محور مهم للغاية، يجعلني أقول ان مشكلة البحرين قد تكون هي الصاعقة التي تثير الانفجار الكبير في الخليج.
لم تحل بعد مشكلة اسم الخليج، هل هو فارسي أم عربي. اذ ان كل طرف يطلق عليه الاسم الذي يناسبه سياسياً وجغرافياً وشعبوياً… ولست بصدد الخوض في تفاصيل التاريخ حول هذا الاسم، بل المهم هو المُسمى، اي الارض والموقع المهم للبحرين في الخريطة السياسية الدولية حالياً. لي وجهة نظر خاصة حول الاسم . يمكن مشاهدة تصاعد الصراع حول البحرين من خلال المظاهرات الايرانية والبحرينية الشيعية الرافضة لمشروع الاتحاد بين البحرين والسعودية، هذا الاتحاد الخليجي الاشمل الذي طرحته المملكة العربية السعودية، والذي مازال موضع نقاش ودراسة بين دول الخليج.
فالجانب الايراني والشيعي البحريني يرى في الاتحاد السعودي البحريني ذوباناً للبحرين في السعودية.
اما السعودية و حلفاؤها في مجلس التعاون الخليجي فترى ان مصير البحرين مهدد بشكل خطر ازاء التهديد الايراني فيجب حمايتها جماعياً عن طريق اتحاد كهذا.
ومما فاقم اوضاع الخليج في الآونة الاخيرة هو اصرار ايران على تحشيد قوات عسكرية ونشرها على الجزر الاماراتية الثلاث، ربما تمهيداً للانفجار الكبير الناجم عن احتمال صدام عسكري واسع بين طهران من جهة و واشنطن وتل ابيب من جهة اخرى، ستدخل دول حلف الناتو طرفاً لصالح الاخيرة، سواء بسبب الملف النووي ام النفوذ الايراني ام الصراع المذكور حول البحرين وجزر الامارات… الخ.
وتلوح واشنطن وتل ابيب بالاستعداد لضرب المفاعل والانشطة النووية الايرانية اذا ما فشلت المحادثات بين طهران وبين اعضاء مجلس الامن الدولي، زائداً المانيا.
اما ايران فتشكك في كل شيء وهي محاصرة حصاراً اقتصادياً وسياسياً وتخشى حتى من التقارب الكويتي العراقي، رغم العلاقات الوثيقة بين طهران وبغداد.
كلما تزايدت الشكوك بين الفرقاء زادت فرص الاصطدام المحتمل. اما روسيا فتتحذر من ان اصطداماً كهذا قد يتحول الى حرب نووية.
رافقت هذه التطورات تحركات لافتة للنظر منها
ــ نشر مقاتلات اف 22 الامريكية في الامارات العربية المتحدة.
ــ مناورات فرنسية اماراتية في ابوظبي.
ــ تمرين عسكري خليجي مشترك.
ــ نشر قوات وانظمة هجومية ودفاعية ايرانية على الجزر الثلاث المتنازع عليها.
كل ذلك ينم عن استعدادات عسكرية للحرب… وليست للسلام بالطبع.
اعود فاركز على جانب آخر من الموقف الايراني، حيث ان ايران في عهد الشاه السابق الذي اطيح به عام 1979 ، استولت على الجزر الاماراتية الثلاث.
واشتعلت حرب اعلامية مفاجئة عام 1977 ــ 1978 بين ايران الشاهنشاهية من جهة وبين سائر الدول العربية من جهة اخرى حول اسم الخليج بعد ان اكتشفت السلطات الايرانية كتاباً مدرسياً عراقياً في الجغرافيا يتضمن خريطة ورد فيها اسم الخليج العربي بدلاً من الفارسي.
أما اكتشاف هذا الكتاب المدرسي فهو قصة مضحكة ومسلية. اذ يبدو ان السلطات الايرانية عثرت عليه في منزل احدى العوائل الكردية اللاجئة في ايران منذ عام 1975 اثر اتفاقية الجزائر المشؤومة. وظهر ان احد اطفال هذه العائلة. كان اثناء لجوئها، يحتفظ بهذا الكتاب المدرسي، وهو للمرحلة المتوسطة، دون ان يعرف شيئاً عن حساسية اسم الخليج. وقد عثرت السلطات على الكتاب اثناء تفتيش لمنزل العائلة اللاجئة. فنشرت الصحافة الايرانية على نطاق واسع صورة للكتاب المدرسي العراقي والخريطة، وشنت حملة كبيرة على النظام العراقي الذي مايزال يفضل اسم الخليج العربي على الفارسي .
حينذاك انتبهنا الى نهاية شهر العسل بين نظامي صدام حسين والشاه الايراني رضا بهلوي، اللذين وقعا في الجزائر في آذار 1975 اتفاقية الجزائر باقتسام شط العرب وتخلى ايران عن دعم الحركة الكردية في العراق وغلق النوافذ والابواب امامها مما جرَ النكسة والمآسي على الشعب الكردي.
كنا ننتظر وقتاً كهذا، وكنا واثقين من انه سياتي قريباً نظراً لمعرفتنا بطبيعة النظامين العراقي والايراني آنذاك.
والمضحك في القصة هو ان السلطات الايرانية كانت ربما مطلعة على اعادة طبع هذا الكتاب المدرسي العراقي في المطابع الحديثة في طهران منذ عام 1974. حيث كانت قيادة الثورة الكردية قد فتحت مئات المدارس لمختلف المراحل في معسكرات اللاجئين الكورد العراقيين داخل ايران وداخل المناطق العراقية الخاضعة لنفوذ الثورة. وتطلب الامر اعادة طبع ملايين النسخ من الكتب المدرسية باللغتين الكردية والعربية، كما كانت في العراق، حتى لايتخلف الطلبة عن الدراسة، رغم الظروف القاسية. واظن ان العثور على الكتاب لدى عائلة كردية عراقية لاجئة كان قصة من اختراع الصحافة الايرانية.
كان الكتاب المدرسي المذكور واحداً من الكتب المدرسية العراقية التي اعيد طبعها بملايين النسخ في طهران لتلبية حاجات زهاء مئتي الف تلميذ وطالب للاجئين، الذين كانت تشرف عليهم الامانة العامة للتربية التي استحدثتها قيادة الثورة الكردية عام 1974، كان الامين العام لها مؤقتاً هو الشهيد دارا توفيق المثقف ونصير السلم المعروف في العراق والعالم والعضو القيادي البارز للحزب الديمقراطي الكردستاني اعتقلته سلطات صدام عام 1981 واخفت مصيره عن اهله، ومازال مجهول المصير حتى اللحظة فلا تعرف طريقة استشهاده .
على اية حال، علمنا فيما بعد ان السلطات الايرانية الشاهنشاهية التي اثارت الضجة الاعلامية حول اسم الخليج كانت قد ذهبت بعيداً، ابعد مما كنا نتوقع، في سياسة خارجية جديدة تنحو نحو الابتعاد والاستقلال عن السياسة الامريكية بسبب اختلاف حول سوق النفط واسعاره.
ثم سرعان ما عرجت اجهزة الاعلام الشاهنشاهية الى نقطة حساسة اخرى لابراز نفوذ واهمية ايران الخليجية، فتطرقت الى التوزيع المذهبي للشيعة في مختلف امارات الخليج، واتذكر انها ركزت قبل كل شيء على اكثرية الشيعة في البحرين، ثم نسبة الشيعة في الكويت والامارات وشرق السعودية، كذلك العراق ولبنان. فالموضوع كان اخطر مما كنا نظن. ولم يتوان الاعلام العراقي والعربي عن الاعلام الايراني، واشتد التوتر بين البلدين الجارين، وتجلت آثار ذلك منذ بدء الحرب العراقية ــ الايرانية لمدة ثماني سنوات 1980 ــ 1988.
ورغم توقيع العراق على اتفاقية الجزائر 1975 والقبول بحصة ايران في شط العرب فان نظام صدام حاول تمزيق هذا الاتفاق والتراجع عنها. الاّ ان ثماني سنوات مريرة من الحرب ارغمت نظام صدام على اعادة القبول مرة ثانية عام 1988، بمفاد الاتفاقية حول شط العرب، وهي المشكلة الاساسية التي مازالت عالقة في النفوس والافكار رغم الوثائق والاتفاقيات، وهي التي قد تفجر العلاقات العراقية الايرانية ذات يوم، فلم تستقر السياسة العراقية العامة بعد وليس معلوماً ماذا سياتي غداً.
فإن مشكلة البحرين الحالية جعلتني اتذكر تلك الحكايات للسبعينيات من القرن العشرين كي اعيد الى الاذهان اهمية البحرين في اي خلاف جدي بين الدول العربية من جهة وايران من جهة اخرى، بغض النظر عن النظام السياسي في هذه الدول.
ويبدو الآن ان اللعب على التركيب الطائفي والمذهبي للبحرين وبقية دول الخليج سيظل ورقة من اوراق الصراع … من هنا القول ان مشكلة البحرين قد تكون الصاعقة التي تثير الانفجار الكبير المتوقع في الخليج والشرق الاوسط. فانتبهوا…
/5/2012 Issue 4206 – Date 22 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4206 التاريخ 22»5»2012
AZP07
























