جدلية المنتج الثقافي في تجليات النّص
مسارات تأملية في سؤال الذات – نصوص – حامد عبدالحسين حميدي
عنونة الكتاب غالباً ما تحيلنا الى مفهومات استنطاقية تحدّد المسارات التي من خلالها يسير الكاتب في سرد ما يخامره من اطروحات ذهنية وافكار قريبة جدا عن السؤلاتية ، هي تكون بحد ذاتها مغامرة طائشة في الولوج الى مداخلات متضاربة في فهم ما يساق الينا ، انها شفرات لتجليات تؤسس لمدارات الكشف عن انشطة ذاتية تتابع حركية التحولات كونها محنة ذات معرفية ثقافية جادة ، ولكونها تغوص في نظامية التعبيرية التي هي اشارات ترميزية لجدلية المنتـج الثقافي.
( ماجد الحسن ) في كتابه الموسوم (تجليات النص .. مسارات تأملية في سؤال الذات ) الصادر عن دار ومكتبة البصائر – بيروت 2014 والذي يدور في مسارات ثلاثة حددها الكاتب على وفق رؤيته : المسار الاول الشعر واشكالية الخطابية التي يحملها في (محنة الذات ) كون الشعر ظاهرة ابداعية تحمل تجليات متسامية ، اما المسار الثاني ( مسار الثقافة ) او ام ما يسميه الكاتب ( كتابات الجدران ، كشوفات الذات واشكالية النص ) التي رأى فيها (ماجد الحسن ) : ” حيث نعتقد ان كتابات الجدران ساعدت بشكل جوهري في تثوير هذه الجدلية ) ، اما المسار الثالث ( مسار الامكنة ) وانعكاساتها في الذات ، كونه يشكل حيزاً لمنظمومة التجاور المنتجة لبنية كشفية لتجليات متداخلة فيما بينها .
لو حاولنا قراءة المسار الاول ( الشعر ) ضمن انسياقاته الاشتغالاتية التي ركز عليها الكاتب ، لرأينا ان هناك جملة من التجليات يكشف عنها الكاتب عنها في هذا المسار كمنظومة لغوية واشتغال فكري حيث يقول ص14 : (يرقى الشعر بالمنظومة اللغوية الى الاشتغال ، وان تلك الرؤية هي الشرط الاساس لاخراج الانسان بهمومه وتطلعاته ورؤاه الى عالم الوجود المتعين وما يترتب على هذا الاخراج من تعيينات تجد واقعها في دائرة الهم الجماعي وتخضع لرقابته ورؤيته ، وبذلك نرى الشعر يتآلف والشرط الثقافي للخطاب الاجتماعي وعن طريقه يمكن لنا استيعاب وفهم الخطاب العام توكيداً للشروط الآنفة) .
ثم يطالعنا في فلسفة الزمن . وجدلية الذاكرة والخيال من مفهوم الزمن ، باعتباره اشكالية الوعي به تبعا لحركية الوقائع وفضاءات التغيير ومدى التأثيرات التي تمنحنا مديات الادراك به .. حيث ان الكاتب يحدد زمنية الشعر بثلاث مراحل : ” الماقبل ( زمن الماضي ) الزمن الاستذكاري / الآنية ( زمن الشاعر ) زمن النشاط الكتابي للنص / المابعد (زمن القارئ ) حصراً وهو ادراكات تستند الى وعي قرائي للمنجز الشعري ، اذ ، انه يشكل مرحلة الصعود النهائي للزمن .
ثم يعرج الكاتب على ( الذاكرة والتجربة ) قائلا ص22 🙁 الذاكرة معين التجربة ، وفيها يكون التراكم المعرفي للانسان ، وهذا التراكم هو الذي يحدد السلوكيات الانسانية ، واتجاهاتها وطراز تفكيرها ، والذاكرة ( تخزن وتتوقع ) والجربة فعل امتداد بين القطبين ، والذاكرة تعطي وصفاً للوثيقة كما هي ، ونقل الانسان للوثقية يختلف باختلاف المنجز (التواصلي والوظيفي ) احيانا يكون (مشروطاً بآلية الوثيقة وصورتها ، وفي احايين اخرى ( مفارقاً ) لها وان يستمد اصوله منه ) . انه محاولة الكاتب لبيان العلاقة ما بين الذاكرة والتجربة كونهما يمثلان علاقة تكاملية في اخراج المنجز الشعري ونقله الى القارئ / المتلقي باعلى صورة ارتقائية .
بينما نجد في ( جدلية الخيال ) ان الخيال يستمد رؤاه من خزين الذاكرة ، وفتح الافق المتجلي بالخلق الشعري كون الذاكرة تشكل حمولات تعبوية تترابط في الوقائع المخزونة ، ان لحظات توليد صور تخييلية التي تفرض كينونتها في تحويل ما حولنا الى عالم مملوء بالايحاءات ، بل تفجير الدلالات الابداعية ، انها تآلف الواقع وما ورائه وانتاج المعنى الجديد … الذي نحاول معرفته واستقــــــــصائه من ذلك . يقول الكاتب ماجد الحسن ص 23: (يستمد الخيال تجلياته من خزين الذاكرة التي تعد جزءاً من الخلق الجدل الشعري ، الذي يفتح افقاً للصور الكامنة في هذا الخزين ، فالخيال يحلق في زمن الذاكرة الى ابعد مدياتاتها ولا تحدد بلحظة زمنية لهذا التحليق فهو واسطة لنقل الصورة المحكومة بشروط الوثيقة وقانونها الزمني الى منطقة تتخلى فيها الصورة عن تلك ” الشروط والقوانين ” … ) .
بينما في ( السؤال الفلسفي والتمثل الشعري ) وبين ما يطرحه في ( منطق الاختلاف / قلق الاسئلة / تعدد الرؤية / جلية العقل والخيال / التجسيد والتمثل ) انها انشغالات سؤالاتية بين الشعر والفلسفة ومحاولة فحص لتلك المنظومة المفاهيمية التي يحاول الكاتب دراستها من خلاف توضيحات لما بين الاختلافات والتشابهات فيما بين هاتين المفردتين ، لذا نجده يقول ص32 : (ان الاهتمام بالفلسفة ، ليس من باب الترف الفكري بل هو فحص لجميع المركبات الفكرية للانسان في عالم يتغير ، ولو فحصنا جدلية التغيير لأدركنا خطورة هذا الاهتمام ، … ) فموقف الشعر والفلسفة يصب في منحى متقارب الا وهو كيفية الوصول الى الوقائع واستنطاقها ، وعلى الرغم من وجهة الاختلاف فيما بينهما من جهة المعاينة .
أما في المسار الثاني ( مسار الثقافة ) او كتابات الجدران / كشوفات الذات .. واشكالية النسق . حيث يبدأ الكاتب بالشروع بتمهيد تأريخي لهذا المسار والمحاولات البدائية التي كانت مؤشراً في رسم الخطوط البيانية لتلك المرحلة (الرسم والنقوش على جدران الكهوف ) وما خلفته من انطباعات عفوية توثيقية شكلت سجلاً خالداً لوقائع وممارسات اجتماعية يومية ، حفظت لنا الكثير من السير الانسانية في ذاكرة النقوش والرموز ، هذا الامر يحيلنا الى مفهومة ان تشكيل الوعي الكتابي قد انيط بتلك المرحلة كبداية لخلق ثقافة وجدت صداها الوقت الحاضر .
هذه التجربة الجدارية وما يمثله الجدار بكونه جزءاً من المكانية وهواجس العزلة واسقاطاته الدلالية التي راح يفردها الكاتب ، باعتبارها مادته البحثوية التي يدور في افلاكها وفضاءاتها النسقية ، وما لها من تأثيرات على الذات التي هي مادته الخام ، يقول ماجد الحسن ص 79 : (اذن تتنوع التجارب الجدارية بحسب التنوع المكاني والزماني مما يترتب عليه تنوعا في التجارب الانسانية وكيفية تجسيدها للجدران ومنحها معان ينطوي عليها منطوق الممارسات الثقافية بجميع اشكالها .) اخذت التجربة الجدراية حيزا اكبر في كشف الدلالات التي تسوقها الينا عبر شفراتها التي تغصّ بمفهومات ايحائية ما هي الا نتاج علائقية وطيدة بين الانسان والمكان الذي اعتبر جزءاً من ممارسات يومية .
ثم يحدد الكاتب وظائف الكتابة ، كونها منظومة كشوفية عن ثقافة سائدة مرتبطة بسلوكيات معينة لا يمكننا ان نتغاضى عنها ، او نهملها لما لها من ابعاد ومعايير وظيفية تمثل حالة من حالات الوعي الانساني ، ليهيئ لنا تصنيفا دقيقا يتفاوت حسب فاعلية ثقافة المدون والمحيط الحاضن : ( الوظيفة الثقافية / الوظيفة التوثيقية / الوظيفة المرجعية / الوظيفة النقدية / الوظيفة الارشادية ) هذا التصنيف الذي حاول ” ماجد الحسن ” ان يعده من مسلمات الوقوف على الوظيفة الكتابية التي تسير على وفق نمطية تراكمية من الخزن التعبوي ، فالثقافة سلوك وانتماء للمحيط المكاني ، وانها توثيق لمنحى كتابي ، وان ادراكياتها نابعة من نموذج اجتماعي / انساني / ممارسة يومية .. تعود بطبيعة الحال الى ( مرجعية ) كتابة الجدران ، وقد عزا الكاتب ميله الى تسليط الضوء على كتابات الجدران الى مسوغات اعلانية وثقافية منها ص 74: ( ان اختيار الجدران يضمن للكتابات البقاء والديمومة ، كما انها وسيلة من وسائل الاتصال الذي يتماثل وطبيعة الانسان ، فالجدران هي مركز توثيقي للمعارف والتجارب التي باتت مثيرة للتأمل …) ثم يوضح عما في داخل الانسان من نزوع فطري سيكولوجي الى ممارستها لتفيجر ما في خبايا نفسه المكبوتة من حالات جياشة ، فهي اشبه بتفريغ شحنات الذات الفاعلة ، يقول الكاتب ماجد الحسن ص74 : (ان هذه الكتابات ، ميل طبيعي في الانسان لتحقــــــــيق ذاته والافصـــاح عن مكـــنوناته ، …) .
ثم يقف امامنا الكاتب ” ماجد الحسن ” في مساره الثالث ( مسار الامكنة ) ليسجل بتمهيد عن الانسان والهاجس المكاني ، (ان الوجود الانساني مقترن بالذاكرة المكانية ) كما يذهب اليه ص 115 لإعتبارات ارتباطية ملتصقة لا يمكننا ان نتخلى عنها ، ان المكان بما يحمله من طاقات ضاجة .. يثير في نفوسنا سلوكيات مختلفة فـ ( الغربة / والعزلة / والانغلاق عن الاخر ) ما هي الا انعكاسات لاثبات المكانية والرغبة في العودة الى الاصل في ظل معاناة تجسيدية خانقة ، ص 117 : (حتى ان الغربة لا تسطيع ان تسلخ الانسان من وجوده المكاني ، وتدفعه بألفة جبرية ( للتجانس ) وتحقق الوجود في المكان الاخر ، فالانسان كائن منعزل تسيجه الحدود المكانية والدخول في مكانه ، انما هو عملية اختراق غير متوقعة لتغييب ماهية المكانية كذكريات وتطلعات ورؤى ) .
ثم يحاول الكاتب شدّنا الى قراءة ( المكان بوصفه نصّاً ) لأنه يمثل مجموعة من الوقائع التي ستكون فيما بعد الادوات الفاعلة لتمنحنا جملاً نصية ، حيث يقول ص120 : (يمكن عد النص المكاني مجموعة وقائع تشكل نسقاً وينظر على انها وحدات تشخيص واستدلال ويمكن تحليله في ضوء تلك الوقائع التي نعدها المستوى اللساني لهذا النص ، تبعا لذلك فانه من الاستحالة ان نجد فيه متتالية من الجمل ، الا اذا اعتبرنا تلك الوقائع والكينونات الشاغلة هي جمل النص ، وان هذا التخريج يعد بحد ذاته اشكالية لا تقبلها لسانيات النص ، … ) .
ولابد لنا ان نكوّن صورة متكاملة لجزئيات المكانية التي هي بحد ذاتها تمنحنا في مجموعها اطاراً تكاملياً غير مجزّءٍ ، والا ستفقد الصورة تلك الرؤية المكانية اذ لا يمكننا الفصل عندها ، فالنص المكاني ياخذ نصيته من سياقات عامة لا مجزأة .
ثم يسوق الينا الكاتب نصوصاً مكانياً ( دجلة وجدلية التسمية / قراطيس الاهوار ، حوارية الماء الطريق الى السر / ساعة بناية البريد / محارق المدينة / المقهى .. عرش الضائعين ) شكلت انطباعات ذاتية له ، وهو يجسد ارتابطاته الجسدية والروحية وكيفية التعامل مع ( المكان ) بوصفه ذاتاً ناطقة عما يدور حولها من تراكمات ذهنية ، ورؤى كاشفة عن مدى تجاور المكان مع ذات الانسان .
وبذا / فكتاب ( تجليات النص .. مسارات تأملية في سؤال الذات ) اشارة واضحة الى تحولات الوعي الانساني ، في ظل مسارات حتى وان اختلفت تسمية الا ان لها منحى واحداً تهيم في سياقات خطابية ايصالية ، لقد وفق الكاتب (ماجد الحسن ) في دراسته هذه ، لانه عرف كيف يتعامل معها على وفق المعطيات الاسترسالية في الكشف عن المنتج الثقافي وما يغصّ به من دلالات جمّة ، تجعلنا نقف على اعتابها ، ونحن نومئ للكاتب ( الحسن ) باشارة تنبؤه عما تركه فينا كتابه من تجليات معرفية وثقافية جادة .























