
مسائل نافع بن الأزرق
مالك محمود الغشامي
بذل علماؤنا الأقدمون جهودًا كبيرة في محاولة الكشف عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم, فألفوا في سبيل ذلك الكثير من المصنفات, من تلك المصنفات ما يُعرف بمسائل نافع بن الأزرق والتي هي مجموعة من المسائل عن معاني ألفاظ الغريب من القرآن الكريم سأل عنها نافع بن الأزرق عبد الله بن العبّاس , مشترطًا عليه بأن يعطيه بشاهدٍ من الشّعر العربيّ على كلِّ جواب, فيروى أنَّه قد خرج نافع بن الأزرق ونجدةُ بن عويمرٍ مع مجموعة من الخوارج لطلب العلم فقَدِموا مكَّة ، فوجدوا عبد الله بن عبَّاس جالسًا بفناء الكعبة وقد أســــــــــدل رجله في زمزم , واجتمعت النّاسٌ يسألونه عن التّفسير فيُجيبهم فقال له نافع بن الأزرق: “ما أجرأك يا بن عبَّاس على ما تُجريه منذ اليوم ، فقال له ابن عبَّاس: ثكلتك أمُّك يا نافع وعَدِمَتْك، ألا أخبرك مَن هو أجرأ منِّي؟, قال: من هو يا بن عبَّاسٍ؟ قال: رجلٌ تكلَّم بما ليس له به علمٌ، ورجلٌ كتم علمًا عنده ، قال: صدقت يا ابن عبَّاسٍ…” , ثمَّ طلب منه أن يسأله عن أشياء من كتاب الله ليفسرها له, مع الإتيان بمصادقه من كلام العرب , وصورة تلك المسائل: أن يقول نافع: أخبرني عن قوله تعالى فيذكر له الآية ثم يحدّد اللّفظ الذي يريد أن يسأل عنه , فيبيّن ابن عبّاس معنى ذلك اللّفظ , فيقول له نافع : وهل كانت العرب تعرف ذلك ؟ , فيجيب ابن عبّاس : نعم , أما سمعت قول الشّاعر , فيذكر له الشّاهد الشّعريّ , فعلى سبيل المثال عندما سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن معنى لفظ (يعمهون) في قوله تعالى:? الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يَعْمَهون ? فأجابه ابن عباس معنى يعمهون : يَلْعبونَ ويتَرَدَّدون, وقال له : أما سَمِعْتَ قولَ الأعشى:
أراني قد عَمِهْتُ وشابَ رأسي وهــــــــــــــذا اللَّعْبُ شَيْنٌ بالكــــــــــبير
وقد وردت مسائل بن الأزرق في الكثير من المصادر التّراثيّة , والمتأمِّل في تلك المصادر يدرك اختلاف أعداد تلك المسائل بين مصدر وآخر , فقد اكتفت بعض المصادر بذكر جزء من تلك المسائل , بينما ذكرت مصادر أخرى المسائل كاملة , فذكر المُبرِّد (ت285ه) في كتابه (الكامل في اللّغة والأدب ) سبع مسائل منها وذكر ابن الأنباريّ(ت328هـ) قطعة من هذه المسائل تصل إلى الخمسين مسألة في كتابه(إيضاح الوقف والابتداء) , وأخرج الطّبرانيّ(ت360ه) في معجمه الكبير (31) مسألة من تلك المسائل , وقد اعتنى السّيوطيّ بتلك المسائل عناية كبيرة , فذكر (190) مسألة منها في كتابه الإتقان .
وقد أقرَّ الكثير من علماء اللّغةَ بالأهمية العلمية والتاريخية لهذه المسائل , فعدَّها بعضهم أنَّها أول محاولة للشرح اللّغويّ الذي يُعتمد فيه على شعر العرب لمعرفة الغموض في ألفاظ وتراكيب القرآن الكريم , يقول الدّكتور إبراهيم السّامرائيّ في هذا الصدد: “إنّ ابن عبّاس قد اعتمد فيها منهجًا لم يسبق إليه , وهو شرح ألفاظ القرآن والاستدلال عليها بما جاء في شعر العرب . إنّ الاحتجاج بالشّعر في تفسير وتوضيح مفردات القرآن لم يكن معروفًا قبل هذه الأجوبة التي أثرت عن ابن عباس …” , ومع أهمية تلك المسائل إلّا أنَّها تعرّضت إلى الكثير من النَّقد, فمن أبرز الانتقادات الموجّهة لهذه المسائل قولهم: إنّ هذه المسائل ليست من غريب القرآن بل هي مفردات سُئِل عنها ابن عبّاس, وذلك لأنّ من المستبعد أن يسأل فقيهُ مثل نافع عن معاني بعض المفردات الواضحة المعنى, فضلًا عن صعوبة أن تطرح ذلك العدد من المسائل في مجلس واحد, ومن الانتقادات الأخرى الضّعف في أسانيد الرّواية, كما سجّل الكثير من العلماء ملاحظاتهم على الشّواهد الشّعريّة التي استشهد بها ابن عبّاس , فقد بيّنوا أنّ الكثير من تلك الأبيات جاءت منسوبة لغير قائلها , كما قد استشهد بأشعار لاحقة لفترة انتشار القرآن , كأشعار عمر بن أبي ربيعة والحارث المخزومي ممن جاءوا بعد أن تداولت ألفاظ القرآن الكريم, فلا يُعقَل أن يقتنع نافع بشعرهم, وهو يطلب الدّليل, وعلى الرغم من ذلك كله ما زالت تلك المسائل تحتفظ بأهميتها الكبيرة بين المصنفات الكثيرة التي تناولت تفسير غريب ألفاظ القرآن.























