مرجع موسوعي لكاتب متميّز – مقالات – خالد عمر بن ققه

الإعلام الغربي والإسلام

مرجع موسوعي لكاتب متميّز – مقالات – خالد عمر بن ققه

كثيرةٌ هي الأبحاث النظرية، والدراسات الميدانية، والمؤلفات التي تدرس في الجامعات أو تلك التي توجِّه لجمهور القراء، وكذلك المقالات والبرامج التلفزيونية والإذاعيَّة التي تناولت العلاقة بين الإعلام الغربي والإسلام، وتحديداً علاقة ذلك الإعلام بالمسلمين لجهة انتمائهم الإيماني، وما يقومون به من أفعال، تميزت في السنوات الأخيرة بكثرة وتوسع وتنوع العمليات الإرهابية، غير أن ذلك الاهتمام ظل محصورا في زمانه الراهن وأسبابه الحالية الظاهرة والخفية ونتائجه المباشرة، وقد أدى ذلك إلى ما يُشبه القطيعة مع الماضي التاريخي الحضاري للمسلمين وموقف الآخر منهم، الذي عُرف باسم” الغرب” منذ فترة الاستعمار وإلى غاية الآن.

اليوم علينا دراسة تلك العلاقة من منظور ما ترتّب عليها من أفعال وردود أفعال خلال أزمنة السلم والحرب، القوة والضعف، العلم والجهل، الغنى والفقر، وهي في كل مراحل التاريخ لم تخرج عن حالتين: إمّا حالة قابلة للتعايش، والحوار ومن ثم الاعتراف والتعاون على مستوى التناول في زمن السلم، خاصة للقضايا المشتركة التي لا تتعلق بالأيديولوجيات ومنظومة الفكر بشكل عام، وإما حالة مضطربة، مُؤدّية إلى الصراع ومُنْتهية إلى الحرب في أغلب الأحيان، وهذه الحالة الأخيرة هي التي شكَّلت النسبة الأكبر من التاريخ المشترك، ولكي نعرف المزيد حول هذا الموضوع علينا اللجوء إلى ما يمكن أن نطلق عليه” السَّند المعرفي”، وهو هنا كتاب” الإعلام الغربي والإسلام.. إشكاليَّات الحرية والمسؤولية والصورة النمطية” للكاتب الموريتاني” محمد أحمد محمد علي”، الذي صدر في بداية أكتوبر الماضي عن” مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام” بأبوظبي.

ابن العصر.. والتاريخ

كتاب” الإعلام الغربي والإسلام” يمثل نقلة نوعيّة في العمل البحثي المؤسسي في مجال الدراسات الإعلامية، مع أنه عمل فردي،  لأنه يتجاوز السرد التاريخي والتأصيل إلى القراءة الواعية، حتّى أن حركة الفكر هنا تبدو هي المحددة لمسارات الكتابة والأمة والتاريخ والعلاقة مع الآخر، ومُؤَّلِفُه محمد أحمد علي، أعادنا، ونحن في عصر القراءة السريعة والكلمات القليلة والمختصرة، إلى طريقة الكتابة الموسوعيَّة للأقدمين، لكن دون أن يُخِلَّ بأسلوب العصر.. إنه يقوم بذلك بوعي، صحيح أن كتابه يحتوي على 660  صفحة، وهو مُوجّه لذوي الاختصاص، ولكن إذا نظرنا الأمر من زاوية بحثيَّة خَالِصَة، فإن ذلك يبدو قليلاً، لأن الكتاب تحدًّث عن علاقتنا بالآخر منذ ظهور الإسلام وإلى غاية أيَّامنا هذه، وهو تاريخ طويل، تحمَّل فيه أعباء المشقَّة والمخاطرة، والتضحية بجزء من العمر من أجل امتاعنا بالمعرفة.لا أدري ما هو رأي المختصين في هذا المؤلف الموسوعي، ولكن بالنسبة لي أقر أنه خلال ثلاثة عقود مرت، لم أقرأ كتاب ـ في حدود مطالعاتي ـ في مجال الإعلام على هذا المستوى من التعمق والجدية والتركيز، ليس هذا فقط بل إنني اكشنفت كم ضاع من العمر ـ وربما من أعمار زملاء في المهنة ـ دون أن نطرح قضايا ذات بعد زمني، يُمثّل في النهاية عمر أمتنا، ومع ذلك فإن شعورنا بالقزمية أمام ما قدّمه محمد علي هو الذي سيؤدي بنا إلى أن نكون عملاقة في المستقبل، فهو هنا يدفعنا إلى تثوير المعرفة والتجمّل بها من أجل اكتشاف الذات أولا، ومعرفة الآخر ثانيا.

زمن القحط

والكتاب على نحو آخر هو مرجع أساسي لمن أراد أن يؤسس لفهم عميق بقضايا أمته في مجال الإعلام، فهو يحقق نورانية ـ ولو صئيلة ـ في زمن يعمنا فيه الظلام، وهنا علينا الاعتراف بأن دور النشر والمراكز البحثية هي التي تساعد على ايصال الفكر للناس، ومن خلال عملها ذلك تسهم في التغير السلبي، أو التغير الإيجابي، وأعتقد جازما أن نشر مركز سلطان بن زايد لهذا الكتاب ـ على ما فيه من جرأة وتكلفة ـ  يَعدُّ عملاً معرفياًّ وإثراء للمكتبة العربية يحسب للمشرفين على المركز، بل قد أذهب إلى أبعد من ذلك وأعتبر أن مركز سلطان بن زايد قدّم للقارئ العربي في حلة جميلة ـ طباعة مجلدة وفاخرة ـ منجزاَ معرفياًّ يعدًّ، في نظري، أهم ما نشره المركز منذ نشوئه، وقد زادت بصمات المخرج الفنان فواز ناظم الكتاب جمالاُ.والواقع أنني لم أتحمس لكتاب مثلما تحمست لمؤلف المفكر محمد أحمد محمد علي، ليس لأنني على صلة سابقة به فقط، ولأنني على قناعة أن هناك اسهاما معرفيا للموريتانيين علينا أظهاره عربيا فحسب، ولا لأنَّ مدير الثقافة في المركز منصور المنصوري يمثل مثقفاً واعياً ومُخْلِصا لعمله ولأمته، يظهر ذلك جليًّا في تحمسه لنشر الكتب الهامة والثرية،على خلاف ما عرفناه في كثير من المشرفين على الثقافة في الوطن العربي، وإن كانت هذه الأسباب وحدها تكفي، وإنما لسببين، الأول: أن كتاب محمد علي يمثّل الماء للظمآن في زمن القحط المعرفي، والطعام للجائع في أيام المسغبة الفكرية، والمعرفة للعالم والباحث، فهو كتاب موسوعي كما سبق أن ذكرت، سيعمّر طويلا، وسيكون مرجعاً لا غنى عنه في المكتبات العربية وأيضا للباحثين والدارسين، الأمر الثاني: أن نشر هذا الكتاب يكشف توجه مركز سلطان بن زايد نحو النوعيّة والتميّز، أي أن هناك سياسة جديدة للمركز تخصُّ نشاطه الثقافي بعيداً عن التسييس أو البهرجة الإعلامية. الكتاب في عمومه يطرح جملة من الإشكاليات العامة دون أن يلتمس لها حلولا ـ على حد قول الكااتب ـ لأنها تتطلب عملا مؤسساتيا، كونها تمثل تراكمات لأكثر من 14  قرنا، وقد ظهر في قسمين، الأول بعنوان: الإعلام الغربي ـ إشكاليات الحرية والمسؤولية والتحيز، ويتألف من أربعة فصول، بحث الفصل الأول منها: حرية التعبيروحودها وأهميتها، وخصّص الفصل الثاني للمسؤولية الأخلاقيّة، وكرّس الفصل الثالث لبعض القيم والمبادئ المهنية المهمة للإعلامي، وتناول الفصل الرابع حريّة التعبير في الإعلام الغربي بين الدعاية والواقع، أما القسم الثاني فحمل عنوان” الصورة تصنع الخوف من البطريك صٌفرونيوس حتى البابا بنديكيوس، وهو في ثلاثة فصول، تعرض الأول منها لأسباب نشأة الصورة النمطية وصناعتها عبر العصور المختلفة من تاريخ الاتصال بين الإسلام والغرب، وتناول الفصل الثاني الاستبداد الشرقي نموذجا لهذه الصورة النمطية، وكرّس الفصل الأخير لصورة الغرب عند العرب والمسلمين.

{ كاتب وصحفي جزائري