مذكرات صدام

توقيع

فاتح عبد السلام

أندر‭ ‬الكتب‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تخص‭ ‬مذكرات‭ ‬السياسيين‭  ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭ . ‬المؤرخون‭ ‬لايستطيعون‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬كل‭ ‬جوانب‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬نصف‭ ‬اسباب‭ ‬الاحداث‭ ‬ونتائجها‭ ‬مخزونة‭ ‬في‭ ‬أدمغة‭ ‬السياسيين‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬إلاّ‭ ‬طوعاً‭ ‬بأقلامهم‭ ‬إذا‭ ‬أرادوا‭ ‬كتابة‭ ‬مذكراتهم‭ ‬،‭ ‬وسوى‭ ‬ذلك‭ ‬محال‭ ‬حتى‭ ‬تكسر‭ ‬تلك‭ ‬الرؤوس‭ ‬وتمضي‭ ‬الى‭ ‬القبور‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كشف‭ ‬واقعة‭ ‬واحدة‭ .‬

هناك‭ ‬جوانب‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬السياسيين‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والدولي‭ ‬والحكومي‭ ‬لايمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬اليها‭ ‬انسان‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قرار‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬السياسي‭ .‬‭ ‬قرارات‭ ‬كبيرة‭ ‬مرّت‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬العراقيين‭ ‬،‭ ‬اتخذها‭ ‬زعماء‭ ‬ووزراء‭ ‬،‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬مبررات‭ ‬شخصية‭ ‬ومواقف‭ ‬خاصة‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬أحد‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬كثيراً‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬يهتم‭ ‬الدارسون‭ ‬بالنوازع‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬وجهة‭ ‬مواقف‭ ‬الزعماء‭ .‬

في‭ ‬الأمثلة‭ ‬القريبة‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬العراق‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬،‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬المحكمة‭ ‬والأمريكان‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬قبل‭ ‬اعدامه‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لو‭ ‬تمّت‭ ‬كتابة‭ ‬مذكراته‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بمساعدة‭ ‬من‭ ‬مختصين‭ ‬،‭ ‬خارج‭ ‬سياقات‭ ‬أسئلة‭ ‬المحققين‭ ‬المخجلة‭ ‬في‭ ‬سذاجتها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مخصصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدف‭ ‬الاعدام‭ ‬وتمّ‭ ‬،‭ ‬فيما‭ ‬طمست‭ ‬حقائق‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬والمنطقة‭ ‬وأسرار‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬يد‭ ‬أحد‭ ‬سوى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬طرفاً‭ ‬فيها‭ . ‬

حين‭ ‬يكون‭ ‬القرار‭ ‬عقوداً‭ ‬بيد‭ ‬زعيم‭ ‬واحد‭ ‬فهو‭ ‬الأعرف‭ ‬بما‭ ‬جرى،‭ ‬وسواه‭ ‬لايجرؤ‭ ‬على‭ ‬البوح،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬الاطلاع‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬قصاصات‭ ‬يقال‭ ‬انّ‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬سربها‭ ‬مع‭ ‬اشخاص‭ ‬ايام‭ ‬المحكمة‭ ‬الخاصة‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬اجماع‭ ‬الآراء‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬أية‭ ‬مذكرات‭. ‬خصوم‭ ‬صدام‭ ‬هم‭ ‬أحوج‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬للإطلاع‭ ‬على‭ ‬ماكتب‭ ‬أو‭ ‬سرّب‭ ‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬الحديث‭ ‬لذلك‭ ‬كله‭ . ‬

سياسيون‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬الاول‭ ‬أو‭ ‬الثاني‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يلجأوا‭ ‬لكتابة‭ ‬المذكرات‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬تحليل‭ ‬ودراسة‭ ‬،‭ ‬لماذا‭ ‬يمتنعون‭ ‬عن‭ ‬تدوين‭ ‬ما‭ ‬عرفوا‭ ‬وشاهدوا‭ ‬وسمعوا‭ ‬وعملوا؟‭ . ‬ربما‭ ‬أنهم‭ ‬خائفون‭ ‬من‭ ‬الحساب،‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬فلتوا‭ ‬منه‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬بال‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬المعتقل‭ ‬يعدون‭ ‬الايام‭ ‬للصعود‭ ‬الى‭ ‬المشنقة‭ ‬،‭ ‬ألم‭ ‬يفكروا‭ ‬بحاجة‭ ‬أجيال‭ ‬لاحقة‭ ‬لمعرفة‭ ‬حقيقة‭ ‬ماجرى‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬غير‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬التلفزيون‭ ‬العراقي‭ ‬يبثها‭ ‬وجريدة‭ ‬الثورة‭ ‬تنشرها‭ ‬؟‭.‬

التاريخ‭ ‬العراقي‭ ‬ليس‭ ‬مُلكاً‭ ‬لأحد‭ ‬،‭ ‬الجميع‭ ‬عابرون‭ ‬فيه‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاخلاقية‭ ‬،‭ ‬لو‭ ‬أتيحت‭ ‬الفرص‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬السياسي‭ ‬مذكراته‭ ‬،‭ ‬فربّما‭ ‬تصحح‭ ‬مساراً‭ ‬تاريخياً‭ ‬لجيل‭ ‬ينتفع‭ ‬من‭ ‬المصائب‭ .‬

هناك‭ ‬مَن‭ ‬يقول‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬مسموحاً‭ ‬للجميع‭ ‬التحدث‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أرادوا،‭ ‬وسمعت‭ ‬انّ‭ ‬الاستعجال‭ ‬في‭ ‬إعدام‭ ‬صدام‭ ‬كان‭ ‬سببه‭ ‬الاسترسال‭ ‬غير‭ ‬المحبذ‭ ‬في‭ ‬البوح‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الورق‭ .‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية