

محمد طارق الكاتب المهندس الإستشاري والرائد في العروض الرقمي – غزاي درع الطائي
رحل قبل أيام عن (97) عاما الأستاذ الدكتور المهندس محمد طارق الكاتب (1926 ــ 2023 ) الذي يعدُّ ايقونة من أيقونات الهندسة العراقية، فهو مهندس استشاري ومصمم بارع، كانت له بصمته في تصميم وتنفيذ وإعادة تأهيل العديد من المشاريع الاستراتيجية في العراق، وكان من أشهر تصميماته (جسر ذو الطابقين) في بغداد، وكان ذلك عام 1994? وقد صممه في الأصل بثلاث طوابق على أن يكون الطابق الأخير كازينو وموقف سيارات ولكن لم تحصل الموافقة الأمنية في حينه على الطابق الثالث، ، وكان ذلك الجسر فريدًا من نوعه، إذ تم استخدام (50) مترًا من حديد التسليح الاعتيادي من دون استخدام نظام (post tention أي الجهد المُسبق ) للروافد، وهو شيء لم يحدث من قبل في العالم، والدكتور الكاتب من مواليد البصرة، وحاصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة من جامعة لندن عام 1953 وعمل رئيس مهندسين في مصلحة الموانئ العراقية، وكان المخطط والمشرف والمتابع لتنفيذ معظم المشاريع الهندسية والخدمية التي انجزتها مصلحة الموانئ، ثم أصبح مديرا عاماً لمصلحة الموانئ العراقية، كما عمل بصفة مهندس استشاري لمنشأة الفاو الهندسية، وقدم استشارات لأعمال السدود في العراق خلال حياته، فضلا عن مشاركته في إعادة إعمار برجَي التخميد في محطة كهرباء سد الموصل بعد تدميرهما خلال العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 وفي إعادة إعمار أسس مدخنة محطة كهرباء الهارثة باستخدام ركائز جديدة لتقويتها من دون إزالتها، مما ساعد في استعادة الكهرباء للمحافظات الجنوبية بسرعة، ومن أعماله المهمة الأخرى مشاركته في تصميم جسر راوة على نهر الفرات عام 1989 ومشاركته في تنفيذ جسر اللطيفية، الذي كان أول جسر يتم بناؤه بواسطة كوادر عراقية صرف عام 1987.
عروض رقمي
وفي موازاة الإبداع الهندسي للدكتور محمد طارق الكاتب، كان له إبداع آخر في مجال العَروض الشعري، وهذا ما لم يُشر إليه أحد من الذين كتبوا عنه بعد رحيله، فلو بحثنا عن الريادة في العروض الرقمي العربي لوجدنا أن المحاولات الأولى لوضع عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي في إطار رياضي، هي تلك التي قام بها الدكتور محمد طارق الكاتب، وضمها كتابه (موازين الشعر العربي باستخدام الأرقام الثنائية)، الذي صدر عن مصلحة الموانئ العراقية عام 1971 وفي هذا الكتاب صاغ كل الاحتمالات المعروفة لتركيب الأبحر في صورة رقمية يقبلها الحاسوب الآلي، وهكذا فإن الدكتور الكاتب قد وضع شكلا جديد للعروض العربي، هو العروض الرَّقمي، ونبَّه إلى أن عروض الشعر العربي يقبل أن يوضع في قالب رياضي، وكان في هذا رائدا.
ويعدُّ العروض الرقمي درسا عروضيا جديدا يقوم على الأرقام والرموز بدلا من المتحركات والسواكن، وهو يقدِّم العروض بطريقة رقمية مبتكرة، والإنتقال من الحروف الساكنة والحروف المتحركة والمقاطع الناتجة عنها إلى الأرقام والرموز هو في الحقيقة تمظهر جديد في الدرس العروضي العربي، وقد أثبت العروض العربي قدرته على الاستعانة بعلم الرياضيات وتقديم شيء مختلف وقد كان الرقم العنصر المخفيَّ في عروض الخليل)، وهنا لا بد من الإقرار بأن أغلب أوليات العروض هي ثوابت رياضية في الأساس، استعملها الخليل في إقامة درسه العروضي.
ويصف الدكتور محمد طارق الكاتب نظريته التي ضمها كتابه (موازين الشعر العربي باستعمال الأرقام الثنائية) بأنها (محاولة… لتفسير موازين الشعر العربي بلغة القرن العشرين)، وهو يرى (أن استعمال الأرقام الثنائية في وزن هذا الشعر سيكون عاملا مساعدا في تطويره وفتح آفاق واسعة لأوزان لم تُستعمل بعد في هذا المجال)، وبيَّن الدكتور محمد طارق الكتاب أنه توصل إلى أن بالإمكان استعمال الأرقام الثنائية لإيجاد موازين الشعر العربي، وإن بالإمكان استعمال الأرقام العشرية التي تقابل الأرقام الثنائية لكتابة أوزان الشعر العربي.
شعر حر
وكذلك إيجاد موازين الشعر العربي الأخرى كالبند وأشعار المولدين والمحدثين والشعر الحر، وأن بالإمكان إعداد جداول لموازين الشعر العربي بالأرقام العشرية، يمكن استعمالها لكل من لم يدرس العروض، ويمكن الإفادة منها في إعداد برامج لاستعمالها في الحاسبات الإلكترونية، من أجل إيجاد وزن البيت، وإن بالإمكان تمثيل الزحافات والعلل المسموح بها باستعمال الأرقام الثنائية وما يقابلها من الأرقام العشرية، بطريقة سهلة تجعل من لا يعرف العروض متفهما للموضوع، وبالإمكان إيجاد وزن موحد يربط بحور الشعر العربي كافة بعضها ببعض، وهو ما مُثِّل بطيف البحور وبدائرة البحور الموحدة، وتبقى لنظرية الدكتور محمد طارق الكاتب أهميتها الريادية في العروض الرقمي، فضلا عن أهمية ما طرحته من أفكار تتعلق بالإيقاع الشعري.















