مجموعة تنبض بشعر السبعينات

مجموعة تنبض بشعر السبعينات

قراءة متأخرة لأسرار قراءة الطريق

إحسان محمد علي

الكتابة جزءاً من الشعور بالوجود المضطرب وتوكيداً للذات الضاجة في غاية الاسئلة المعقدة التي تطرحها الحياة في مسيرتها الارغامية في حقول الالغام المغطاة بثياب الاماني واحلام الشباب، الكتابة في النهاية توكيداً للذات والوجود ومجموعة (اسرار قراءة الطريق) للشاعر رزاق ابراهيم حسن، عزف على اوتار الحزن الجليل والجميل، صورة واضحة متداخلة عن الهم الذاتي والعام لجيل السبعينات الرائع الذي قدم قصيدة باهرة الصور، عالية التقنية، بافكار مكثفة، واخيله مجنحة في معبد الشعر المقدس.

استوفقني الاهداء كثيراً فهو يحمل اكثر من معنى عن الهم والغصة والالم (الى ابي … الذي لم يمنحني اي شيء سوى ألم الولادة) وهذا الالم تحول الى بوصلة تعرف بها الشاعر وبواسطتها الى معرفة قراءة اسرار الطريق. (ما دمت لا اسمع في قراءة الطريق، لصورتي صوتاً ولا كتابة/ لا ادعي قراءة الثياب/ او اسمع الناس يخطون على كتاب حزني/ ولم اعثر على كآبة).

قدرة فائقة

لدى الشاعر رزاق ابراهيم حسن قدره فائقة على الخلق، وليس في كلامه اي التباس ولغته واضحة وبلا كلفة، صورة مقروءة للجميع وعباراته شفافة خالية من الرتوش والغموض، قصائد المجموعة كثيرة الفضول وتطرح الاسئلة وهي معاناة جيل كلها الذي اختزم تجارب اجيال سابقة في معاناتها الدائمة وهي تبحث عن ذاتها في ظل غياب الحريات والرقابة الصارمة على المنشورات وانقسام النخبة المثقفة بين تيارين فكريين مختلفين، ادى الى حدوث بعض الانفصام بين الواقع المعاشي والحقيقة السائدة .. (يا وطني يامنبع الجياع والاسرار/ يا قادماً من جزر الموتى الى الاحياء/ يا فاتحاً في الجرح لون الجذر/ صوت الماء).

(إن العالم هو صورة حية لعالمنا (الذهني) يحولها الشاعر بخياله واحساسه الى صور تتراكم فيهما العبارات المنسقة لمن يعرف مداخل الحروف ومخارجها، واتقن فن الصنعة خاصة في إحكام الموسيقى الداخلية للقصيدة، لتبدو نسيجاً جميلاً ورائعاً ياخذنا نحن المولعون بالكلمات الى ملاعب الصبا وفرح الطفولة.

(في دمي امرأة للدموع/ فقدت صمتها/ واستوت فوق كل الجهات البعيدة/ شرفات وجوع).

 ان قصائد المجموعة تشعرنا بألفة بالغة وتأخذنا الى عوالم مترامية الاطراف في تداعي للخواطر والذكريات التي عاشها الشاعر في بواكير حياته وتركت بصمات واضحة على مسيرته الابداعية، التي ارجو ان لا تأخذهُ الصحافة منها، وتبعده عن الافصاح الذي يجب ان يتواصل رغم تواتر الاحداث والسنين، لنسمع الحاناً جديدة منسابة كمياه جارية لا يوقفها شيء.

(ها انا انصب اقداحي أراه / ذلك الجوع على ارصفة الشوق خطاه/ هاهو العاشق والإرض صبايا/ ها إنا اسئلة من بين آلاف الشفاه).

واذا كانت الكتابة هي نوع من الاستمناء كما يقول احد النقاد، فالكتابة هي نوع من الدفاع الغريزي للوجود، وخاصة في حالة الشعور بالإحباط والغبن الذي يخلق حالة من الوعي الشعور المتزايد بالنفس والاخر ان الكاتب يرى العالم من خلال الصور الذهنية المنبثقة في عالمه الداخلي وحياتهِ الخاصة التي تعكسها القصيدة، مرآة كبيرة نرى من خلالها ذواتنا واحلامنا وما خطه القدر في سنة التكوين، التي اوجدت هذه المواهب التي تداعب الكلمات وتعزفها لحناً في طريق الحياة الوعرة.

دهور الخوف

(نازعت عينيك على المحال، واغترب المنفى ولم اشهدك في سؤال/ يا لغة الحلم/ ويا وجهي على سفر، من يسرج الاثر/ عبر دهور الخوف والمنازل الغربية/ من يقرأ الاعماق في الجبين).

انها قراءة متأخرة حقاً لهذه المجموعة الرائعة، من جيل رائع بكل تفاصيله التي انتجتها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتركت مجاميعها الشعرية في سبعينات القرن المنصرم علامات مضيئة في خارطة الشعر العراقي الحديث، في وطن تكثر فيه الاسئلة، التي تبحث عمن يصرها في بودقة البلاغة ويعيد انتاجها ابداعاً .. نكشف من خلاله الواقع بكل تحدياته وصيرورته، التي تأخذنا الى منابع الحكمة وثراء النفس التواقة للمعرفة .. فمتى سيعزف (رزاق ابراهيم حسن) سنفونيتهِ اللاحقة في معبد الشعر المقدس.