مجرّة موسيقى وألوان تضيء من كفّ واحدة

الفنان أياد زيني

 

مجرّة موسيقى وألوان تضيء من كفّ واحدة

 

حسن النوّاب

 

بيرث

 

قد يبدو العنوان الذي اخترته مستهلاً في الكتابة عن الفنان إياد زيني استفزازياً، ويجد القارىء فيه مغالاة ومديح واطراء غير مبرر، لكنّ تنوّع المواهب التي يمتلكها زيني جعلتني قنوعاً بهذا العنوان، فهو خطاط اتقن انواع الخط العربي، ورسام تمتع فرشاته المائية بلمسة شفيفة، وعازف عود رشيق هضمت اصابعه المقامات حد الإشباع، وملحن شجي يتصف بحساسية مرهفة امام كلمات الأغنية،كما يؤدي روائع الغناء العربي والعراقي بحنجرة صافية تسيل عذوبة ساحرة وتشنّف آذان السامع اليها،كل تلك المواهب التي يزخر بها نضجت على مراحل خلال الحربين وبعدها فترة الحصار، وبرغم انها نبتت في حديقة نار، الاّ انها ازهرت قنديلاً “زينيّا” وزيتيّا مدهشاً يشعُّ بألوان الطيف الشمسي.

 

مرسمه الصغير

 

في مرسم صغير بزقاق فرعي من شارع العباس بمدينة كربلاء، يلتقط هذا الفنان الكادح رزقه من خط اللافتات بشتى انواعها، ومَنْ لايعرفهُ يظن ان المطرب ابراهيم تاتلس من يخطّ تلك اللافتات للشبه الكبير بينهما ؟! يلتقي هناك كل يوم بأصدقائه الفنانين، وفي صومعته الضيقة ترى عود الفنان معلقّاً على جدار، بينما اوتاره تنتظر اصابع الفنان الذي يداعبها كلما اغتنم وقتا من زمن فوضوي وشرس نلهث جميعا في ايامه على كسب القوت، ترى الجميع يعشقه ويحرصون على عدم خدش مزاجه الشفاف كبرقع عروس، اقرب اصدقائه عاشق الفنون تركي المطيري يحلم ان يصنع نصباً من المرمر الى زيني، يطرّزه بفرش الرسم والآلات الموسيقية ويضعه على تل الزينبية، كشاهد لظلم المدينة وقسوتها على اللوحة والأغنية واللحن وآلة العود، غير ان مرسمه الصغير مازال صابرا وصامدا يشع بالضوء والغناء والألوان رغم تحفظات المدينة.

 

لوحة العاشقة

 

خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية وعندما حاصرتنا نيران السواتر بلا رحمة، هرعنا بأجنحة جريحة تقطر دما، معفرة بالدخان والبارود وتراب الجبهات الى غرفة الفنان اياد زيني، كنّا نتجمع مثل نجوم الثريا والحزن يشع من قلوبنا ونحن نصغي الى غناء الفنان اياد زيني وعزفه الموجع على اوتار العود، وطيف الفنان الكبير رضا علي واغنيته المؤثرة ” ادير العين ماعندي حبايب ” تملأ مسامات ارواحنا التي تشبعّت من الخوف، الخوف من السيطرات ومن الإنضباط العسكري ومن مختار المحلة ومن الرفيق الحزبي، ومن ضيوف غرباء وربما وشاة يدخلون بوقاحة الى عزلتنا، مستغلين طيبة الفنان زيني الذي كان محطّما مثلنا في ذلك الوقت، في ذلك الطقس المرعوب، زرته ذات نهار شتوي ورأيته وحيدا منغمرا برسم لوحة زيتية، كان يضع اللمسات الأخيرة عليها، تأملت اللوحة بإمعان واذا بها بورتريت لفتاة همت بها عشقا في ذلك الوقت، ادهشني خياله الخصب مثلما استغربت استخدامه الى الألوان الزيتية، فهو يرسم لوحاته بالألوان المائية عادة، لقد رسم صورتها بدقة متناهية برغم انه لا يمتلك اية صورة شخصية لها، ولما سألته كيف استحضرها بذهنه ولماذا رسمتها ؟ اجابني باسماً.. رأيتها لمرة واحدة حين صادفتك معها في حديقة عامة، وانت من طلب مني رسمها عندما كنت ثملا !! لبثت صامتا ثم اهداني اللوحة، حملتها اليها ذات غروب طاعن بالحزن، ولم ارها بعد ذلك مطلقا، لأنّي تسلحّتُ بأوجاعي وهربتُ من جحيم الحرب الى الشمال.

 

نساء زيني

 

في ليل داج جمعتني جلسة موحشة على ضوء فانوس مع صديقي القاص علي حسين عبيد، سألني الا تلاحظ ان صديقنا الفنان زيني يرسم بغزارة وجوه النساء ؟ ضحكت وأجبته كاذباً انهنَّ عاشقاته ؟ فغر فمه غير مصدق وتمتم هنيئا له، ولما اخبرته حقيقة صديقنا زيني الذي يبتكر تلك النساء في فرن خياله كل ليلة ثم يمزجهن بألوانه المائية ويجسدّهن بفرشاته الناعمة على الورق، ذلك ان زيني عشق جميع النساء فوق الكرة الأرضية لكن لم تنجح اي منهن من المكوث طويلا في جحيم قلبه، معذّب من طراز خاص، وحساس اكثر من طائر القطا، ولذا تراه يفزُّ فجأة تاركاً الغناء الى الرسم، ثم يجزع بعد فترة وجيزة هاجرا الألوان المائية الى التلحين، لن يستقر على غصن واحد  في شجرة الفن، فتوزّعت موهبته مثل اشعة شمس في نهار ممطر، لكنه ترك بصمة تلفت الأنظار على كل موهبة فنية تحلّى بها، هذا الفنان المغبون الذي لم يحتل المكانة التي تليق بمواهبه المتعددة.