ما بين النص والنص الومضي

ما بين النص والنص الومضي

اليقين الإبداعي شاهد في أشك حتى

علوان السلمان

الكتابة الشعرية..قيمة فكرية تجسد تجربة حسية باشكال تعبيرية خاضعة لمقاييس جمالية ومعرفية يحققها المنتج(الشاعر) بوعيه الكوني..لتحقيق نص لغته في وظيفته الجمالية وتكويناته المتشكلة من المستويات الفنية التي تنراكب عضويا لتنتج الصورة الشعرية المحركة للذاكرة والموقظة لمكامن الشعور والباعثة للتوترات السايكولوجية لحظة خلقه المنبثقة من الذات الكاشفة عن جوهرها وبناها الداخلية بلغة تقترن بمرجعيات فكرية وعوامل ذاتية وموضوعية تسهم في تشكيل تجربة المنتج(الشاعر) وتترجم تصوراته واحاسيسه..

والمجوعة الشعرية(حتى اشك…) بتنويعاته البنائية التي نسجتها انامل الشاعرة وفاء  عبدالرزاق وهي تخوض عوالمها(النصية والنصية القصيرة جداـ الومضة ـ) المترجمة لاحاسيسها وانفعالاتها الداخلية ابداعا رؤيويا عميقا..جرها للاندراج تحت باب السرد الوصفي تارة والمشهدي الدرامي تارة اخرى..فضلا عن اعتمادها بنية جدلية قائمة على ثنائية ضدية كي تسهم في تعميق التحول منذ اللحظة الاستهلالية(اشك..) التي تعتمد الزمن الفعلي الدال على الحركة والقائم على انعكاس الحالة النفسية للذات الشاعرة التي تكشف عن التفاعلية بين النص/ الذات والذات الجمعي الاخر بما تحمله من وجع واحساس بالاغتراب.. ابتداء من العنوان العلامة السيميائية  المتميزة بنهايتها المنقوطة الدالة على الحذف والتي تستدعي المستهلك ليسهم في بنائه والكشف عن المستور.. المختزلة للنص عبر التكثيف والايحاء والترميز الذي يحقق وظيفتان متداخلتان اولهما: جمالية..وثانيهما تداولية تكمن في استقطاب المستهلك واستغوائه.. فالاهداء الذي شكل على مستوى البنية التركيبية والمعمارية نصا قصيرا متضمنا عناصر التواصل..باعتباره العتبة النصية التي لا تخلو من قصدية تتمثل في اضاءة النض والكشف عن سياقه الذهني(التخييلي)والواقعي(الموضوعي).. انه التقليد الثقافي والفني والمنهجي والوسيط بين الانا والانا الاخر في اطار تواصلي يشكل نصا موازيا وظاهرة فكرية لها امتداداتها التاريخية..كونها ترتبط ارتباطا وثيقا والمنجز الشعري كونه معبأ بدلالات مكتنزة تكشف عن عقد ضمني بين مضمون الخطاب الشعري والاخر..

( الابجدية.. مجرد حروف عاجزة على ان توصلني اليك..

لكن النقاط لغة دوران كوني

ما زلت ادور حولك ولا اصلك)

فهو نص قصير على مستوى البنية التركيبية والمعمارية التي شكلت شفرة بيولوجية تختزل هيكلية المتن الشعري…

مررت بعشر من مراياك

فلم اجد غير كفني

كيف سيكون النواح اليوم؟

وكيف ارحل عن نفسي

تاركة لها مرثية وجنازة

ساصرخ بك: يا ااااااااااادموز

تحول الى قطرات عطر واكتنز بك

سينتحر الجمال ان لم تمر

خط على النظرات ابتداع الصور

قد اشعة السحاب

امطرها شمسا

عند النهر تنتظر انثى السعدة

ارجوانك والياقوت

حرك قمة الجبل والسهل

جل ما يدهشني صمتك المديد

والبقعة السوداء في ثوبك

هل تعتقد حقا انك القادر على الحراك؟

ايها الاخرس

صرت اشك حتى في اقتدار السماء..

فالشاعرة تحاول ايقاظ التاريخ باسلوب بنائي مغامر تحتك بواقعه وهي تخاطب القوى الوجدانية لاثارتها باعتمادها تقانة الاسترجاع بصور مكثفة واختزال جملي  ورمزية لفظية مع انسياب متدفق لمشاهدها المتحلقة بحكم طاقتها المكتظة بديناميتها والمتوالدة في ذاتيتها النصية المحققة للمعاني المعبرة عن مواقف انسانية.. عبر نص يتميز بايحاء تصويري يشد المخيلة بصوره المشهدية ذات التعابير  المكتنزة بموسقة منبعثة من بين ثنايا الالفاظ باجاز حكائي وعمق دلالي يكشف عن مكنون الذات المشبعة بالجمال الروحي الذي يترجم احاسيس وانفعالات الشاعرة الداخلية بابداع رؤيوي عميق بتوظيف تقانات فنية كالاستفهام الباحث عن جواب يسهم في توسيع مديات النص ويكشف عما خلف الفاظه وعوالمه الصورية.. وتقنية التكرار الدالة على التوكيد والمشكلة لنمط صوتي ودلالة نفسية تسهم في تفريغ المشاعر المكبوتة لتعيد توازنها الوجودي..

الايام التي لست فيها

مقبرة صماء…

الساعة غابة خربة

الدقائق فحيح

والثواني طفلة

طاف حولها كل هؤلاء

فالشاعرة تقدم نصا يعبر عن كيانها الانساني ومشاعرها لتعكس القيمة الجمالية الواعية لانها تدرك هواجس نفسيتها المضطربة على المستوى العاطفي فتحاول ترويضها لخلق التوازن عبر الصور التشبيهية الموروثة عن البيئة ببناء تاملي تفسيري عبر اللغة/الصورة.. لخلق الرؤية الابداعية..فضلا عن معالجة المدلولات الحسية المتصارعه مع الواقع وخلق مشاهد خيالية تتناغم والرؤى وتتفاعل والانساق المكتظة بالحيوية بتوظيف تقنيات قصيدة النثر باستخدام(الكتلة) لتحقيق المقطعية ونسق التكثيف والايجاز والتركيز على المشهدية التي تجمع ما بين الواقع والذاكرة التي تشكل حركية النص..

اما في ومضها الشعري الذي هو شكل من اشكال الحداثة التي تحالفت والتحولات الفكرية والفنية لخلق عالم مساير للعصر الذي وسم بعصر السرعة..لذا فالشاعرة تعبر من خلال نصوصها الومضية عن احساس شعوري او مشهدي بلحظته البارقة المتجاوزة لمحطات الذاكرة والمبنى التقليدي لتحقق في المخيلة وجودها المستفز لفكر المنتج لنصه المقتصد بالفاظه والموجز بجمله..المتسم بخصوصيته التركيبية ووحدته الموضوعية مع ايحاء  وتفرد في الصورة واللغة الرامزة والفكرة المنبثقة نت بين مقطعياتها الشعرية..

الاكثر حزنا من الليل

اناملك

تنزهت بقوافل الحرير

وارهفت السمع لاضاءة مفاجئة

تخشى ان يسرقها قلبك القمر

فالشاعرة تحاول استنطاق اللحظة الشعورية عبر نسق لغوي قادر على توليد المعاني من اجل توسيع الفضاء الدلالي للجملة الشعرية المكثفة..الموجزة لخلق ومضتها الشعرية برؤية باصرة لوعي الفكرة وتحقيق اضاءتها باعتماد اللفظة المركزة بالايحاء والتدفق الشعوري بوحدة فكرية وموضوعية مركزية يدور حولها المعنى..

حرر نفسك وتعال افقا

في عيني

ها هي المرايا تخلع ظنونها

وتعد

واحد

انت

سيتكرر بك كل شيء

كل شيء

حتى السكون

  فالنص يحمل تحركاته ودلالاته اللفظية المعبرة عن الحالة الشعورية والنفسية باسلوب دينامي حالم وعمق دلالي بتداخله والسياق الجمعي بقدرته التعبيرية المختزلة لتراكيبها الجملية المتجاوزة للقوالب الجاهزة باعتماد الجزئيات ونسجها نسجا رؤيويا يرقى من المحسوس الى الذهني..

اعشق وجهك…

واستثنيه

من السؤال غير اللائق للجواب

   فالشاعرة تترجم احاسيسها وانفعالاتها بنسج شعري يحقق وظيفته  من خلال الفكرة والاشتغال داخل اللغة عن طريق خلق علاقات بين المفردات بوحدة عضوية متميزة بعوالمها المتناسقة جماليا مع دقة تعبيرية بالفاظ موحية ودلالة مكثفة بتوظيف تقانات فنية واسلوبية محركة للنص..كالرمز السمة الاسلوبية التي اسهمت في  الارتقاء بشعريته واتساع مساحة دلالته التي تجر الى مقولة النفري الصوفي(كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا)..

               عندما يصمد الشراع بدفء يديك

وانت تحمل شموع القلب

اعلم ان البحر سيهتدي بك

والسماء ستكتبك فصيدة زرقاء

   فالشاعرة تنسج عوالمها عبر فضاءات منفتحة على آفاق دلالية مشبعة بها الذاكرة الشعرية المنتجة فتتشابك عندها الالفاظ بنهج ايحائي..ترميزي ..فتخلق الجملة الشعرية الحالمة بصورها المتجاوزة لواقعها(بانزياح معيار اللغة) على حد تعبير جان كوهن..

  وبذلك قدمت الشاعرة خطابا شعريا يتكئ على فضاء دلالي يخرج باللغة من فضائها العلاماتي الى فضائها التأويلي عبر بنية تغلب عليها الانزياحات التي منحت النص قدرة انفعالية تتعايش في احضان واقع تربطها معه علاقات انسانية..لانها تعي ان الفن هو (التعبير بصور) والذي يتحقق بامتلاء المخيلة بالمعطيات الحسية التي يتفاعل معها المنتج (الشاعر) بوعي كلي..