مازلت صغيراً ياولدي – مقالات – اسراء العبيدي
لكي تبصر بالنور القليل من اللاشعور في الكثير من اللاشيء …
لكي تبصر بالنور ياولدي ابكي بصمت ولاتثور … فهل تسمع صوت الكواكب وهي تدور ؟ ياولدي هنالك الكثير من الحركات حولك لاتبصرها … وانت لست اعمى ياولدي لديك النظر السليم أفلهذه الدرجة لاترى أباك يحتضر ؟ هل رايته ؟
أين عيناك ؟ ارم بنظرك ولاتحاكي قدرك …
آه يا ابي لملم جراحك وانهض هيا بنا فقد سمعت صوت إحدى الثائرات وهي تقول : العراق مازال على قيد الحياة … يا ابي ارجوك كفى فأنا اعلم انت لا تحتضر وكيف يكون هذا ؟ وانت بلد النخيل … كيف تموت وفي الصباح رأيت على أرضك أزهارا تتورد وسنابل تتفتح وأشجارا تتورق . فما مصيرهم إذا مت ؟ ارجوك يا أبي أنظر الى مصيرهم كيف سيكون إذا مت ؟ وانظر الى مصير أبنائك ؟ أين سيذهبوا ؟ أنا أعلم أنهم احتلوا أرضك ولكن ليست كل الاراضي . فهنالك أراض يعمرها أبناؤك بالزراعة وهنالك أراض فيها أبنية يعمرها أبناؤك يا أبي . وهنالك أراض يحررها جنودك الأبطال يا أبي انت بلدي الغالي .
اه ياولدي إذا كنت لاترى حالي فأنا وصلت لمرحلة الموت المميت القاتل وليس هنالك من سائل علي . مازلت صغيرا ياولدي لاتعرف بيد ابنائي كل شيء بيدهم أن يسكتوا على الباطل ويرضوا بتحطيم أبيهم العراق , وبيدهم أن يثوروا ليحافظوا على كرامتي فأنا والدهم وهم ابنائي .
مازلت صغيرا ياولدي ولاتعلم كم كان سوري عالياً رصيناً واليوم تمكنوا مني الأعداء ومسوا كرامتي بالاعتداء على أرضي . فمن سيعيد لي كرامتي ويصونها من الاعداء ؟
مازلت صغيرا ياولدي وأنا أتمزق على ابنائي لانهم يهجروني وأنا فعلا أشتاق لهم ولا ادري ؟ أن كانوا يشتاقون لي . وهذا لا أستطيع الجزم به ولكني أود توضيح فكرة تهوم داخل نفسي . إلا انني لم أتمكن من لمسها قبل اليوم . اني أجد الهجرة أصبحت أمرا طبيعي . بل مقحمة على تفاصيل الزمان الذي نعيشه . وقد يسخر البعض من تصوراتي ولكن فلينظروا إلى أبعد من كلماتي والتي فيها الكثير من المنطق والمعقولية . فمثلا عندما نستعير قاموس اللاهوتين في الشرق العربي
سنجد الكثير من الكلمات المألوفة والتي تتحدث عن الانسان وتقول انه خليفة الله في الأرض . نعم انهم يمارسون هذه الخلافة لكنها تشبه مفهوم قابيل لخلافة الأرض عندما قرر الاطاحة بهابيل . فتخيلوا حال الارض اذا ملئت بهؤلاء الخلفاء المجانين لكن الشرق يحف بهؤلاء المجانين وهذا ماشاهدته في بلد قوس قزح على الأقل .
قد أكون بالغت في حديثي عن هؤلاء المجانين أعتقد هكذا تراني لأنك مازلت صغيرا ياولدي ولكن يبقى تفصيل مهم أود أن اتناساه . نعم اذ انه يحتوي على جوهر ما اريد قوله انهم غير قادرين على الايمان بشيئ لفرط انانيتهم . بل انهم يخشون أن يؤمنوا بشيئ قد تأتي بعده اشياء تستحق الايمان بها . المهم اني لم أعد أخشى شيئا ولكن كل خوفي عليك فأنت مازلت صغيرا ياولدي . ولا اخفي عليك اشتياقي لأبنائي ولكن سيبقى اعتزازي الاكبر بمن يعشقني ولايتركني مهما قست الضروف . واعتقد انت اكثر شخص من ابنائي من تكن لي الحب ولا أدري كيف سأنتشلك من ذاكرتي ؟
يا أبي لقد تكلمت كثيرا والآن إفسح لي المجال لأقول لك شيئا : ذات يوم سمعنا إن النعامة تحب أن تدفن رأسها في الارض ولكننا لانعرف ماذا ترى عندما تفعل ذلك؟ فلربما لانها تدمن ذلك لذلك ياابي لا تسبقني بخطوة فأضحك أنا والدمع على طرف عيني . بل دعني اخبرك عن عشقي لك حتى ترتعش اصابعي وتطوق عنقي فكم كرهت تلك العبارة التي قالوها لي ” نحن لكي نحيا علينا أن نعيش بلا وطن ” رغم ماقالوا لم أرك ياوطني الغالي إلا كالفراشة تحوم حولي ياحبيبي ياعراق . فهل تعلم انا حفظتك عن ظهر قلب والآن دعني اخرج لك كلماتي المتيمة مـــِْن قلبي لأسمع بعدها صوتك فأتقين انه لاملجأ لي سواك يا أبي . فعلا انك مازلت صغيرا ولكنك ياولدي بكلامك هذا أعدت الخصب لحياتي المجدبة فأنا بيت الحبايب ولا اعرف أهلي أين هم ؟ لماذا تركوني ؟ انا لا أريد منهم شيئا سوى أن يعيدوني الى الحياة . فحرام أن يزاحم الاموات الأحياء وأبابيل الموت تطعن سماء العراق . لقد تكلمت عن عشقك لي ونعم قلتها بكل بساطة فترقرق الدمع في عينيك ، لكن لاأعلم لماذا علي أن أراك من وراء الستارة ؟ هل لكي ينتهي الحديث بيننا أم لكي انسى دموع عيناك ؟ ام لانك مازلت صغيرا على تفاصيل تبدو لي كالكلمات المتقاطعة التي تخرج منها طاقات التحرر الانسانية . آه ياولدي دموع عينيك الصادقة جعلتني اتمنى لو كل ابنائي يعشقوني مثلك لربما كنت بخير الآن ولا اتمزق كما تتمزق الأوطان . ومهما مزقوني الأعداء سأفتخر انا لدي الكثير من الأبناء الذين يحموني من الأعتداء فطوبى لهم انهم حماة ورعاة للوطن .
سأمضي رافعا شعار الحب ومودعا دموع عينيك ياولدي لعل دموعك تمضي معي وكأنها لم تكن هنا ولم تمض الى هناك.















