ماذا بعد ترانيم التأبيين؟ .. اليوم الثامن لرحيل آدم
سمير الخليل
مدونة الشاعر الحداثي شاكر مجيد سيفو الموسومة بـ(اليوم الثامن من أيام آدم)الصادرة عن دار تموز –دمشق 2011والتي اهداها الى شهداء كنيسة النجاة حينما اقتحمها بعض الظلاميين المتوحشين فقتلوا المصلين العزل وهم يناجون الله ويرجون السلام تمثل هذه المدونة نصا ثقافيا ممتدا في اعماق التاريخ وقراءتها تحتاج خوضا في الذات وسبر اغوارها لأن الخوض في الشعر إبحار ،وترحال ،في بحور النفوس التي تمور بالمشاعر ،والعواصف ،والأمطار ؛ومن المستكشفين من يختار عبورها بالسفينة تتلاطمه أمواج البحر ،وتطير فوق رأسه النوارس ،وتسابق أمواج سفينته الدلافين فيغوص معها في أعماق بحورها ؛ومنهم من يحب أن يطير فوق الجبال يحدق بسفوحها والقمم ،ويطارد الغزلان في وديانها ،والنسور في عليائها ،ويهرب من دوار البحور الشعرية،وعللها؛ومنهم من لا يريد أن تفوته موجة من البحور ،والقوافي ،والصور فيركب القوارب ،والسفن ،ويطير في المناطيد يحدق في كل نقطة ،ويبعث الأساطير يتطلع في ثنايا القصور المهجورة ،واللوحات المحفورة بالحجارة ؛وهكذا قد يقتنع ناقد بقراءة على وفق منهج ما من مناهج النقد الأدبي ليصل إلى شواطئ الشعرية ،وأعماقها ،وقد يرسم له منهجا في كل رحلة عندما يجد النص يرفض الانقياد ؛فبعض النصوص تقودك عنوة إلى ارتداء نظارة تقليدية ،ونصوص آُخر لا تتوضح معالمها من دون استعمال نظارة ذات تقنية أبعاد متعددة .
هناك الكثير من الدعوات التي تريد للشاعر أن يواكب العصر في قصائده من جوانب عديدة ومنها السرعة ،ما يعني أن تكون القصيدة قصيرة واضحة الدلالة بسيطة التراكيب فيها الفن الذي لا يحتاج إلى كد الذهن ؛وهذا يتقاطع مع روح الفن الذي لا يعترف بالزمن ،ومتطلبات العيش فيه عند الآخرين .فالشاعر له عوالمه التي ينقاد لها ،و منطلقاته الفكرية التي يسير على وفق معطياتها ،ومتبنياته الفنية التي يبني عليها منتجه ،من دون أن يكون ذلك تجاهلا للجوانب النقدية في الموضوعات التي ينتج فيها الفنان ،أو الأديب ،أو الشاعر؛فالجميع ينظر للنص النقدي في مجال تخصصه فيأخذ منه ما يراه متماشيا مع ما يريد ،ويعتقد .
عندما نجد قصيدة نثر مطولة تستغرق عشرات الصفحات في زمن (الومضة) نقف لنبحث في هذه المطولة عن أسباب ظهورها ،وعندما نجدها تسرع بنا في عرض صور متتالية لمشاهد من أيامنا الدامية ،وتستذكر أيام التاريخ الموغل في الأسطورة ،ويكون الإنشاد طقوسيا في بقعة محددة من العالم شهدت تراتيل زمان الملاحم الإنسانية ،وحفظت له مطولاته الغنائية الإحتفائية في طينه ،وأحجاره ،وتناقل الأبناء هذه الروح الإحتفائية حتى اليوم.
يهيمن الزمن ،وروح الأسطورة على مدونة الغلاف (اليوم الثامن من أيام آدم) من خلال تراكم الألفاظ التي تدل على الزمن (اليوم- أيام ) مع اللفظ الذي يحمل إشارة تراتبية (الثامن) وعند اقترانها بلفظ الزمن تكتسب دلالة زمانية (اليوم الثامن)،وتحتفظ بدلالة عميقة تتعلق بالميثولوجيا الرافدينية ،والتي ترسخت عبر النص الديني فيما بعد في التراث العالمي (التوراة- الإنجيل- القرآن) فالنص يحتفي بالتراكم المعرفي لقصص الخلق وتكون الكلمة الفارقة في الجانب الميثولوجي هي (آدم) فالبادئة التي انطلق منها العنوان (اليوم) تحيلنا إلى الزمن الحاضر في حال بترها ،ولكننا ننكسر عن هذا التوجه في الخطوة الإضافية لها (الثامن ) ليدفعنا إلى تجاوز هذا الفهم البديهي المبسط ،وعندما نصل إلى وسط العتبة يجب أن نلحظ مسمار التوازن الذي وضع في منتصف التوقع (مِن ) هذه الإشارة التي توازن بين الزماني والأسطوري بين الحاضر والماضي ،وهذا التوازن يدفع عن الفهم الأولي الهيمنة المطلقة للماضي (الميثولوجي) في النص؛والمحاولة الأساس في كسر العادي والمتوقع في النص باستخدام (الثامن) الذي يفارق المتداول في النصوص الأسطورية في خلق الكون واليوم (السابع) وهذا التعزيز ينشط الفضول للبحث عن ماهية (الثامن- آدم) ،وتعلقهما بلفظ (اليوم) الذي تقدم ليجعل النص مرتبطا به .
كل تلك الإشارات المختزلة تتكشف عندما نقع على الإهداء (إلى سيدة النجاة وكل شهدائها القديسين) فالقارئ العراقي ،والمتابع للشأن العراقي يعرف حادثة كنيسة سيدة النجاة التي وقعت في 31 تشرين الأول عام 2010 في بغداد الكرادة وراح جرائها عدد كبير من الشهداء من السريان الكاثوليك على يد المتطرفين المسلحين ،لكن الفضول في العلاقة بين الـ(آدم) ويومه (الثامن) ستكون حاضرة ،و تطرح تساؤلات كثيرة تدفع إلى البحث في الصفحات التالية عن تلك العلاقة ؛وعن ماهية هذا الذي تربع في نهاية العتبة ،وما علاقته بالموضوعة التي تدور في زماننا ،وكيف سيستدعيه النص ،ويحضره في تلك الفاجعة ؟
لكن القارئ العربي الذي لايملك المرجعية الكاشفة للواقع التاريخي المعاصر في العراق سيقع في الحيرة ،والانقطاع عن النص ،وسيكون مقادا في فهمه لما تراكم لديه من مرجعيات ميثولوجية سيقوم من خلالها بفهم أولي للعنوان الذي سيقوده حتما لأغوار التأريخ القديم .ففي المرجعية الدينية الأسلامية ان الله خلق السموات والأرض في سبعة ايام وفي اليوم الثامن خلق آدم (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة ,قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)اما في المرجعية العرفية(الاجتماعية) ففي الكثير من مناطق العالم العربي والإسلامي هناك ما يعرف بـ(السابع) في مناسبات الموت ،وهو ذكرى مرور سبعة أيام على حصول الوفاة ،وفيها يقوم الأهل بطقوس ترتبط بالعرف الاجتماعي ،المهم أن اليوم الذي يليه (الثامن)يكون موعد مزاولة الأهل لحياتهم العادية بعد الانتهاء من التبعات الاجتماعية ،والطقوسية كافة ،وفي هذا اليوم يكون الأهل بمفردهم في الغالب بعد أن كان المعارف ،والأصدقاء يحفون بهم ،ويواسونهم ،فيكون الاستذكار للميت على إنفراد وإفراغا للشجون التي تراكمت ،والمتاعب التي مرت عليهم ،وهذه تداعيات حزن عراقي على أنغام كنسية ،وتماشيا مع التقاءاتها في النصوص الميثولوجية ،والمرجعيات الثقافية ،وهكذا جاءت في عرض متوازن بكائية إحتفائية ،يرتفع فيها صوت الدعاء ،والمناجاة ،والتفجع ؛وقد سمح بذلك الاعتماد على أسلوب النداء الذي جاء كله مجازيا من أول الاستهلال بالدعاء (ياااااااااااااااااااااااااااااااااااعيسى الحي) مع التأكيد على النبرة التأبينية في المناداة بالتكرار لصوت المد ليشعرنا بصرخة المفجوع ،وعمقها في الذات ؛فالصراخ يشير إلى ما في الأعماق الدفينة والقلب من آلام ،وأحزان ،حتى الفرح يصرخ الإنسان منه لما يمس من شغاف القلب ،أما عندما يكرر كلمات الحزن فنحن نعرف أن الذات التي تتحدث هي ذات جريحة (مداد العين- روح القربان- أدمعها ) ونعرف منه أنه يريد أن يضع نصا فيه حزن ،وأحلام ،ويحدد لنا المكان الذي يريد أن يكتب فيه ،وعليه ثم يمضي:
(كي أدون ثرياتي و أدمعها هنا
على حيطان سيدة النجاة ؟؟
إذن سأكتب بقوة الفارقليط
لأحلم …….. وأمضي ……)
بعد التوسل بـ(عيسى الحي) يتوجه بالتوسل بـ(سيدة النجاة والناجين)ثم يكمل بثنائيات تؤكد التلازم والارتباط (النجوى و النجب)و(النور و النوارس)و(الناردين والنارنج)و(النايات والنأي)و(النار والنسيم)و(النوح والنوى)و(النحل والنحيب)و(النراجس والندى)و(النواميس والنواقيس) فالعلاقة التي تربط هذه الثنائيات هي علاقة تلازم وحضور وتنبثق من العلاقة المدركة بالحواس (النجوى- النور- الناردين-النايات-النار-النوح-النحل-النراجس)بين النظر والسمع ثم يختمها بالعلاقة الروحية التي ترتبط بـ(النواميس) وهذه ستكون عتبة للدخول في عوالم الطقوسية القديمة فالموت كان دائما يدفع الانسان إلى الصمت،أوالبحث في مجاهيل العوالم التي تخطف منه الأحبة ،وهي حكاية أقدم الملاحم الإنسانية التي تعرّف عليها إبن الرافدين من الرقم الطينية.
بعد الدعاء والنشيد الذي يتوسل به نجد (الحمد) وهو غاية التسليم للإرادة الإلهية التي يقف الإنسان أمامها إما خاضعا ،وإما متمردا ؛هنا لانجد التمرد ؛ولكن الحمد يكون (لدم الشهداء)اولا ثم (للرب) وهو الانقياد ،والقبول بما يقع من المصائب فتبرز الفاظ مثل(أيها-حيّوا-الناقوس-آدم-القدوس)فالحضور هنا للطقوسية التي ستبرز في الكثير من المقاطع المرتبطة بالجانب الديني العقائدي مثل(قربان بطرس – قميص يوسف – عيد السعانين- سلالة سمعان- الروح – الناموس- الملائكة- الفردوس)يعززها بالصور التي يتم بناؤها من المرجعيات الدينية التي تتناسب مع الوتيرة العامة في القصيدة التي نرى الموت فيها ،والرحيل في عوالم الخلود التي لا نجدها في مرجعيات غير المرجعيات الدينية :
(كانت السماء سريرك
وعشبة الخلود تصعد إلى سلالة سمعان …
حتى أستتبت لي الروح الثالث ناموسا
كي أجعل التراب يحبل بمني الملائكة ..
قل لحراس الفردوس
أن يربوا حواسهم –دائما-
من أجل أمك التي هي حواسك
ومن أجل أبيك الذي هو الناموس كلُّه)
فمنذ السطور الأولى نجد الظلال الدينية تخيم على حديقة الكلمات في نص من المؤكد أنه سينبت أزهارا من جناحي الرحمة ،تكمن الصعوبة في التلقي للنص عندما يتم تلقي الكلمات بفهم معجمي فتكون الكلمات كسيحة لا تقود إلى الحديقة التي يريدها النص :
(مضى آدم إلى الماء كي يمشي
على الماء) أو عندما نجده يخاطب بنبرة كنائسية تتيه عندما نخرجها بعيدا عن أسوار الكنيسة :
(خذوا قرنفلتي :وابتسموا
أذن ابتسموا ،الابتسامة نصف الترتيل
من دموعنا سينبت فيها الهديل ……..)
علينا أن لا نبعد الكلمات عن بستانها فهي أزهار نبتت من بذرة الدعاء ،وسقيت بماء التراتيل الكنسية ،وشذبها بستاني تعلم في مدرسة الأشوريات البغدادية ؛فالنص يبيح لنا ذاتياته ،ويقودنا إلى التناص الذي يشعرنا بالتآلف معه لأنه من النصوص المتداولة لدينا في البيئة العربية العراقية المعاصرة التي تعرف الطقوس الدينية ونصوصها المرجعية التي تظهر واضحة مثل:
(سلام عليك يا عيسى أبن مريم
سلام عليك يا آدم الصغير
ويا آدم الشيخ و أب التراب
سلام على كل التراب
تراب سيدتك الجليلة )
وقد تأتي من مرجعية دينية واضحة جدا للقارئ في تناص لايتعب من يسمع أن يبصر تتابعات النصوص العربية الدينية في البيئة العراقية مثل :
(هزّي جذع النخلة كي يساقط الرطب احفادا
قالت :سأهز لك السماء كلّها
فتساقط النجوم كلها أحفادا و بلاداً)
وقد تكون أكثر تهويما في تناصها مع الأصل الذي لا نشعر به بسهولة في صورة متداخلة بجمالية مع النص كما في :
(“كانت الريح تستجدي العصافير”
ونحن نستجدي الريح لتقلنا على ظهرها إلى الله )
فالريح التي تقل على ظهرها تحيلنا إلى حكاية النبي (سليمان)وتسخير الريح له ،وقد تقود إلى أصول توراتية في الثقافة المسيحية مثل :
(اذن ماذا سنفعل بكل هذي الحجارة؟؟
ونحن لدينا ما يكفي
من التفاح لرجم اورشليم و الكرادة )
فحكاية الرجم للمتهمة وموقف السيد المسيح من تنفيذ حكم الفاسدين عليها معروف قال :(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر) .
الجذور الثقافية في القصيدة
إن كانت المرجعية الدينية واضحة في النص ؛فالمرجعية الثقافية غير قليلة الوضوح فيه أيضا فنجد الكثير من السطور التي اعتمدت عكاز الثقافة المعاصرة في اللغة والأدب وقد وردت في صياغات لا تعد معقدة التركيب بل تنماز بالخصوصية الثقافية ؛فالمتلقي العراقي والمثقف ثقافة جيدة لن يجد صعوبة في تأشير البوصلة الثقافية في النص عندما تقع قدمه على طريق يقود إلى ممرات الثقافة العراقية العربية من مثل :
(و لا أقصد “جليلة الأعسر”بطلة قصة الدغل للقاص
الراحل محمود جنداري
وأقصدها -أحيانا – عندما تهيج نخلتي….)
وهذه الإشارات التي تحيل إلى خصوصية ثقافية تكشف عن تحصيل طويل في مخيلة شاعرية تجمع العالمي والمحلي والخاص بالعام ،وهي دليل عمل في النص وسمة عامة فنجده يقول:
(يقول صديقي الشاعر الرائع عبد الرزاق الربيعي ) أو يقول :
(ونحن ما نزال في انتظار صموئيل بيكيت
عذرا لكودو!) أو يقول:
(أذن اذهب إلى مطحنة جاك دريدا ) أو يحيل إلى الموسيقى فيقول:
(أي قرص تريد لهذا الصداع الوطني
لهذه السمفونية العاشرة لك؟)أو يعود بك إلى التاريخ الاوربي فيقول
(وشقاء الجدران الباستيلية الكونكريتية)
وقد يستدعي السلوكيات اليومية ،والعُرفية في التقاليد العراقية الشعبية التي من الصعب تلقيها في بيئة غريبة عن تلك التقاليد مثل :
(كانت عين يسوع ترف فوق روح الرغيف
كانت أمهاتنا يطبعن قبلاتهن
على الرغيف ،ويشهقن في روح التنور
وروح القمح والرحى )
فـ(عين يسوع ترف ) نعرف في العرف المحلي أن العين التي ترف هي نذير شؤم في الموروث الشعبي العراقي ،و تتعزز الصورة المحلية في (يشهقن في روح التنور) هذا التقليد الشعبي الذي يرتبط بالتنور وما فيه من أرواح حيث يسكن موروث قديم تجدد في التراث الإسلامي لورد ذكر التنور فيه ويشير إلى تقليد شعبي أخر :
(سنعلق فوق بيوتنا أم سبع عيون
من عيون الحساد
والينا يلجأ النسيان
عين تحصي أعواد الشخاط
في عينيّ من الحسد،وأنا من أخضرار اللون في عيني،
أعطيت الخضرة لعيون وطني العتيد،
“فالحسود لا يسود و عين الحسود فيها عود)
وهنا نحن لا نحتاج إلى كثير من الثقافة لمعرفة الجذور التي بنيت عليها السطور في أعلاه فهي من العرف الثقافي الشعبي العراقي ،لكن في بعض الإشارات الثقافية قد نحتاج إلى ثقافة أكثر من ذلك فالنص يعرض مرحلة عريقة من الاجترار للنصوص التأريخية ،والأدبية:
(وربحنا خمسين زقورة و بلاداً
من حدائق شهرزاد وشهريار
فاكتأب الرشيد و امتلأ شارع النهر بالرماد
رماد الصاغة و ألعابهم وحسرات النساء الفاتنات
ومات بالسكتة الشعرية أبو نؤاس
مات من مرارة دجلة الحلاج
وانتحر أوديسيوس على صدر أيثاكا)
ومن الإشارات الثقافية المعاصرة التي تشير إلى حداثة القصيدة ،وما تنطق به من تحصيل ثقافي يحيلنا إلى نصوص روائية معاصرة ويقوم عليها بتكوينات تعبيرية ليس من السهل معرفتها من دون الرجوع إلى النص الذي يشير اليه من :
(في تفسير أسم الوردة
وظهورات السموم في طعام الشعراء
حين ينام اسرافيل في صالون حلاقته
يأخذ الحياة اليه ليقص للصغار ضفائرها )
فمن لم يطلع على الرواية المعروفة (إسم الوردة ) لـ(امبرتو إيكو) وما فيها من أحداث ستكون العلاقة بينها وبين (السموم) غير واضحة ؛والذي يعرف أحداث الرواية التي تروي ميتات غامضة يكشف عنها فيما بعد باستخدام مادة سامة ،وتتعدد المستويات في المرجعية الثقافية فمنها المحلية الخالصة التي تحتاج إلى الكثير من الخصوصية للتعرف عليها ، :
(طر إلى مردوخ وتكلم معه عن لوعة الأساطير
التي لا تزال تغلي في دماغ ناجح المعموري
أودع كريستال قلبه في صندوق الذمة لسرجون
الأكدي
وأسأله :أما زالت بابل =باب ئيل ؟؟؟)
ويواصل في هذه الأسطر تكثيف الإشارات الثقافية العديدة فـ(مردوخ- ناجح المعموري)يجمع بينهما الوقوع في الحقل الأسطوري ذاته الذي يبني عليه النص أعمدته فالمنتج المعرفي للكاتب ناجح المعموري يتركز في العناية بالموروث الأسطوري الرافديني.
الميثالوجيا الرافدينية
علم الأساطير يكشف لنا المعارف التي كانت عند الحضارات القديمة ،ونجد الكثير مما لدينا من تقاليد ،واعتقادات شعبية ،فيها من العلائق مع جذورها القديمة ما يفسر تأثر الثقافة بها ،وتداخل نصوصها معها ؛فلذا يستعين النص بالمفردة الميثولوجية ليختزل الكلام بتكثيف تعرف عليه القارئ للشعر المعاصر في أشعار السياب ،وقد ساعد اتساع الثقافة ،وانتشار وسائل المعرفة على سهولة التعرف على المعارف القديمة والشخصيات فصار من السهل فهم الصورة التي تستخدم الميثولوجيا في أجزائها.
فليس غريبا أن يحفل النص بالتراث البابلي العراقي ،وأشهر الرموز القديمة فيه وهي (كلكامش) و(عشتار)و(تموز)و(اوتونابشتم)في :
(حتى تزوجت نخلتنا كلكامش السعيد بأسمه
خرج الأجداد من عرسه ممتلئين
بخمرة سيدوري
والأنساب و المطر و تراب اوتونابشتم
و زغاريد اورورو
خرج الأحفاد بطاسات الحليب الأسود
فامتلأت أوروك بالزبيب)
وقد تقودنا القراءة إلى إحصاء السطور التي فيها الأسماء الأسطورية ،وصورها ولن يقدم جديداً على ما تم تناوله من استخدام الشعراء للأسطورة في الشعر المعاصر،والملاحظ في الاستعانة بالأسطورة هنا لا ترتفع إلى مستوى الرمزية في كلمات بسيطة نستطيع أن نقف عندها بإعجاب فهي تحمل طاقة تعبيرية جديدة باستخدام الكلمة البسيطة:
(أيّ قرص تريد لهذا الصداع الوطني
لهذه السمفونية العاشرة لك؟؟
قرص الشمس أم الأسبرين أم قرص النعناع
أم قرص هوية
أم “قرص الرقاق” من عجين أمي ؟؟؟؟)
نقف عند (قرص) والذي تعدد إلى (الشمس – الأسبرين – النعناع – هوية- الرقاق) هذه الخيارات إلى ماذا تشير ؟ من خلال المنظومة اللفظية نستطيع وضع المقابل لها (الشرف والرفعة – العلاج الوقتي – الراحة الكمالية – الموت في القتال– العيش البسيط)لقد حمّل التركيب هذه الكلمات البسيطة التي استدعاها من التداول اليومي في منظومة الكلام المحلي رموزا عديدة فالشمس من أقدم الرموز الرافدينية ،وهي شعار الأشوريين،والأسبرين رمز الصحة المصنوعة من المواد غير الطبيعية،والنعناع يذكر عندما يحتاج الأنسان إلى الأسترخاء ،والهوية تحمل ذكريات الحروب ،والبحث عن سبل البقاء ،وتثبيت الوجود حتى بعد الموت ، فقرص الهوية تلك الصفيحة التي يستخدمها الجندي ليثبت عليها اسمه وعنوانه ،وهي التي يثبت وجوده ،وتمنع ضياع جسده ، والخيار الأخير العودة إلى البيت لمجاورة الأمور المنزلية (عجين أمي)،ومن الدارج لدينا في العراقية القول : (اذا ما تستطيع ارجع اجلس عند امك ).
بهذه البساطة عرض موضوعا من أكثر الموضوعات حرجا في النصوص الأدبية العربية ،وأقصد الجنس والحاجة الجسدية الذي جعله طقسا من طقوس الحياة التي يشرك بها المخلوقات لتشترك بالبهجة الحياتية ،والأزمات في عرض رمزي:
(لم تعد تصغي لصياح الديكة مخلوقاتي ،
هرمت الديكة ،
فهرم صياحها و هرمت صباحاتها )
من يعزز هذه الإشارة إلى متداول في لفظ(الديك) وكيف نصل إلى دلالته النصية في اشارة إلى الذكورة ،والخصب ،والحياة التي تستمر مع مرور الزمن ،وحصول المصائب .
(هنا تمرُّ الأزهار بلا تحية ،
وبلا فراشات وبلا عطر وبلا حسد
وبلا عسل ،و يزعل النحل،
وأفقد نسائي في قارورة
الزعل والعسل معا )
فالأزهار تمر من دون تحية من دون ود ،ومن دون فراشات من دون الوان ،ومن دون عطر من دون اقتراب ،وعندها يجب القول على هذه الحال عبارة (وبلا حسد) فمن غير التذوق لا يوجد عسل ،ولن يكون هناك فعل “عمل” فحضرت العبارة المقصدية (أفقد) وينتقل إلى الذكريات في الأسطر التالية لنجد غير ما وجدناه من فقدان :
(فأعطاني الجنون والتيه
واللبلاب وأقصد نسوة من حرير
و ثرثرات عناقيد
وجسد يتقدم أمامي كلّما أوغلت ُ
في الكأس و الرمس و الشمس و الريح
سقت أعمدة شجرتي الوحيدة
وفرخت فيها الزرازير ليال حالكة طويلة
فتجمعت حولها أرامل متن بعيدا عن الكوليسترول
وقريبا من مياه الذكورة المشتعلة )
هذه الصورة المغايرة للصورة السابقة في التجمع النسوي حول شجرته ،بعد أن كان يتحدث عن الفقد ،والنص هنا يقص بتقنية (الاسترجاع) فهو يقدمها بـ(بقيت – و مكثت – فأعطاني) ويختم بـ(كانت – كان …) وبهذه الطاقة الإيحائية في المفردات يكون الخاتمة التي تقدم التفاعل مع الحياة ،والحب ،والاستمرارية فهي الجواب لحملة الحرب على الحب والطفولة وهي النهاية الجميلة لدفاع الإنسان عن مفاهيم العيش :
(كم نحتاج من النساء
كي نسدد أثمان الماء الذي في أجسادنا؟
كم نحتاج من المياه كي نودعها أجسادهنّ
والماء هنا أصبح اخضر ،احمر،ازرق
ننام ونستيقظ على معجزاته
من هنا يبدأ التفاح والموز والرعشة فصولها
تبتدئ الشمس ،الفراغ،الأجساد
يتناسل الضوء في جرح آدم ..
يقطر الرخام زيتا
من هنا تغادرنا أحجارنا إلى أسمائنا
إلى نرجسة حتى تبتسمون لها
وتدفنون ضحاياكم فيها
أذن خذوا الحرب إلى البالوعات و الندم) نستطيع التعرف على المعادلة الحياتية التي في النص فـ(التفاح + الموز + الرعشة = الضوء )
وهي في لغة طبيعية نستطيع ترجمتها إلى (المرأة + الرجل + الحب = آدم الصغير) في الرد على أفعال الموت ؛فعلى رأي الدكتورة نادية هناوي سعدون أن القصيدة (كانت لها بداية من دون أن تشتمل على نهاية ) فكيف تكون النهاية لحديث عن الدمار ،والموت ،والفقدان ،والشعور بمحاولات الاستئصال ،والقضاء على النوع ،ولذا كان من المنطقي أن تكون المجابهة بالاحتفاء بالحياة ،و الأصرار على ممارسة الحب ،ومواصلة التشبث بالعيش في الأرض،والبحث عن المسرات ؛فقد مهد للنهاية بعرض الصراع في الأرض بين الرماد و الحمائم :
(أسالي الله ،من هو أجمل ؟
الرماد أم الحمائم،
العصافير أم الطائرات،
البرتقال أم الرمان أم أثداء الجميلات ؟
أسالي الحرية عن أسمال النزلاء
في سجون أبي غريب و بادوش و بوكا …)
فالرماد الذي ورد يذكّر بالحدث الذي قدم له وهو الانفجار ،ومن نتائجه الطبيعية سيكون الرماد ،ولا يبتعد عن التأبين في نشيده للضحايا (آدم – ثائر – وسيم – لوثر) فقد خصص مقطعا كبيرا من القصيدة لرثاء الطفل آدم : (يا آدم الشهيد الصغير الكبير) الذي يناغيه بتحبب (آدم يا آدومي قرة عين قومي ) ومنه يدخل إلى رثاء الأحفاد كلهم ولكن آدم الصغير يحتل الغلاف بصورته والقصيدة بحضوره ،ومنه يتم مناداة آدم الشيخ ليكون معه ،وليتحدا معا في مواجهة هذه الحياة ،وما فيها من مصائب :
(فتحول آدم الصغير الشهيد إلى آدم سيد الخلق
و الكون والأرضيين ……..
يا آدم الصغير الشهيد
يا آدومي )
ويخصص مقطعا لرثاء (لوثر الفنان) الذي يعود النص بنا إلى انبثاق الكون وخلق الملائكة ،والجمال الآلهي في السماء ليعرض فقدان الفنان الذي صار فرشاة ذهبية :
(لنا فرشاة مقدسة
نمشي بها إلى جنازة الذهب للوثر الفنان
وتمشي بنا إلى مرايانا
لنا فرشاة هاربة من يد الرياح )
وما كان للجرح بتعدد أعماقه إلا أن يواجَه بالصبر ،والتصبر في نص أخذ وقتاً حتى يتم إنضاجه في نفس عكست اللوعة في سطوره ،واصرارها على الحياة .
قائمة المصادر
القرآن الكريم
اليوم الثامن من ايام آدم – شاكر مجيد سيفو- تموز للطباعة والنشر و التوزيع –دمشق –الطبعة الثانية 2011
مجلة الباحث الأعلامي – كلية الأعلام –جامــــــعة بغداد-العدد 24-25 لسنة 2014
يــــا آدم .. ماذا بعد رحيلك ؟
شاكر مجيد سيفو وترانيم التأبين الرافدينية
بإشراف أ.د.سمير الخليل
إبحار في (اليوم الثامن من أيام آدم
نـاصر عـويـد شـاطي
كلية الأداب
الجامعة المستنصرية
مرحلة الدكتوراة أدب .2016


















