ليس لدي ما أقوله للشاعر باسم الأنصار

ليس لدي ما أقوله للشاعر باسم الأنصار

تحرير المعنى من خلال البنية السردية في الشعر

 علاء حمد

الميول الى الحكاية الشعرية والتواصل مع الجمل الشعرية بشكلها الموضوعي ، تقودنا الى اساليب سردية ورؤية الشاعر في تخطيه للعمل وانجازه ، مما جعل الشاعر شحنته الأولى بطاقة بيانية شعرية لها عناصرها الحدثية الأولى ، وتشابك الاحداث مع بعضها كي يتخلص من الفرز التياري للاسلوب القصصي والاسلوبية الشعرية ، وهذا النوع من الشعر تواجد على مرّ العصور ” الشعر القصصي ” ولكن في قصيدة النثر اختلف عن القوالب الوزنية وكذلك انفتاح القصيدة أكثر وأكثر وما هو امامنا من مشاهد شعرية للشاعر العراقي باسم الانصار والمقيم في كوبنهاكن ..

ذات ليلة، دخل الشيطان حياتي، فأشرقت الشمس!

حينذاك، انطفأت الغيوم المحشورة في غرفتي، وأزهرت الأغاني بدلاً عنها. بينما راحت اللّعنة تدفع أسرارها بوجهي، وراحت تملأ أيامي بالرياح.

يا لفرحتي بشمس الليل!

تذكري يا روحي بأنّ الشمسَ قديمةٌ في سمائي. فحينما كنتُ طفلاً، حلّق الشيطان فوق رأسي، فبكيت!

وها أنا الآن ألتقي باللّعنة من جديد.

أنا الذي كان يتأرجح بين الضجيج والخواء،

وأنا الذي لَم يرَ كل شيء.

من قصيدة : الشيطان يولد من جديد

إنّ ماتفرزه العلاقات الداخلية في النصّ من قوانين ورؤى ذاتية وخارج الذات ، وكذلك التصورات خارج الحواس ، وهنا التزامن والنظام اللغوي والاهتمام بالتطابق ، الاشارة والمعنى ، وتواجد الاشارات توجد مكثفا وليس تفصيليا ، فهناك تداخلات لباقي الاجناس الادبية عند الابحار في بنية السرد للنصّ الشعري ؛ وكذلك هناك المطابقات للعناصر السردية المكونة للنصّ ، ولكن هذا لايبعدنا عن الدلالات التي تبان بشكل أوضح في النصّ السردي ، والتي تتوظف بترحيل المعنى من خلال التواصل اللغوي والتي تتجاوز معنى الألفاظ ، وهنا يكون للجملة ذات أبعاد واتجاهات عديدة وكذلك من ناحية التأويل وبعد التصورات والحواس ، والتي تكون البصرية لها الجانب الأمامي والحسي في نقل الاشياء .. ” الشيطان يولد من جديد ” ، وهذا يعني هناك ولادة قديمة يجددها الشيطان أو اعماله الشيطانية ” ومن العنونة ، نتكئ على علاقة الالفاظ بالمعنى ، مما تقودنا العنونة الى تشريحات القصيدة التي أراد الشاعر العراقي باسم الانصار أن ندخلها ، ذات ليلة، دخل الشيطان حياتي، فأشرقت الشمس! = علاقة الجملة بالمعنى = علاقة اللفظة بالمعنى … مما جعلنا الشاعر أن نرتبط بما كتبه ، وما كتبه عبارة عن دلالة عقلية ؛ وهذا يعني هناك عامل الربط بين الدال والمدلول بارتباط عقلي ؛ فاللفظ يكون دالا والمعنى مدلولا ..  وأنا الذي لَم يرَ كل شيء. = حينذاك، انطفأت الغيوم المحشورة في غرفتي، وأزهرت الأغاني بدلاً عنها. بينما راحت اللّعنة تدفع أسرارها بوجهي، وراحت تملأ أيامي بالرياح. = وأنا الذي لَم يرَ كل شيء.  لو نلاحظ هنا المعادلة بين الجمل المتواصلة والتي دوّر الشاعر المعنى من خلالها ، فهو الذي لم ير كل شئ . بينما راح الشاعر من خلال غرفته يقود الاشياء بالطبيعة مما أدخل النظام اللغوي المتزامن (( كما أنّ الاهتمام بالنظام اللغوي المتزامن يدخل في نطاق العلاقات الأساسية التي تدخل في نظام اللغة ، والتي تطابق بين الاشارة والمعنى ، من الطبيعي أن تؤلف مجموعة المعاني إدراكا يرتكز على قاعدة من التميزات والمقابلات ، إذ إنّ هذه المعاني يتعلق بعضها ببعض ، كما تؤلف نظاما متزامنا – ص 8 – البنية السردية في النصّ الشعري – د . محمد زيدان – الهيئة العامة لقصور الثقافة )) . التخييل الجزئي الذي يزور الذات يحمل معه تصورات وأدوات اجرائية ، كما نلاحظ في بعض الشطور التي رسمها الشاعر العراقي باسم الانصار : تذكري يا روحي بأنّ الشمسَ قديمةٌ في سمائي. فحينما كنتُ طفلاً، حلّق الشيطان فوق رأسي، فبكيت! / وها أنا الآن ألتقي باللّعنة من جديد. فقد أعتمد الشاعر على إنتاج الواقع الذي يعيشه وتسجيله من جديد وقد طابق ذلك الواقع مع المفردة الشعرية التي كانت هي أساس ميوله نحو المعاني الجديدة ، هنا اشتغلت لدى الشاعر الذاكرة البصرية من خلال حواره مع الذات من جهة وعروضه الطبيعية ، مما ترك دلالات طبيعية في الجمل المعتمدة التي أسسها .. الشاعر العراقي باسم الأنصار يحاول أن يرسم الإضطرابات الداخلية التي تعلقت في الذهنية من خلال الذاكرة البصرية من جهة ومن خلال الصور الفوتوغرافية المعلقة في الذهنية من جهة أخرى ؛ وهنا من الطبيعي يقودنا الى الأشياء الداخلية ، وهي أشياء تم نقلها سابقا ، ويعيد صياغتها من جديد ليعكسها الينا كمرآة عاكسة للطقوس التي يعيشها الان ..

غبتُ في الخرافة، غير أنني أمسكت النغمات من يديها، وأدخلتها معي. صعدتُ الجبال رغبةً في استنشاق البصيرة، ومشيتُ فوقها بحثاً عن النداءات البعيدة. وحينما نزلتُ منها سقطت العبودية من على ظهري.

قيل لي: احذر، فلجأتُ الى النور. شربتُ كأساً من نهر الجحيم. تغطّيتُ بالقسوة، واحتميتُ بالسخرية. توجهت الى العالم الحديث، غير أنه أعطاني بالوناً ملوناً بالوعود. بصقتُ في وجهه.

يا أيها الناس!

لماذا تأخذون العربات الذاهبة الى الماضي؟

ولماذا لا ترتقون أجنحة الريح؟

من قصيدة : الزهرة النابتة بين الأنقاض

الفعل السردي المتحرك

يتحّرك الفعل السردي في القصيدة لدى الشاعر باسم الانصار لوجوده بزمن ليس بالقريب ، لذلك تتقارب الاشياء لديه وخصوصا ومن خلال حركة المعنى وحريته المتكاملة .. فالبنية السردية تتصرف على الوحدات الشكلية وهذا يعني هناك الزمان والمكان وهناك الشخصية والتي مثلها الشاعر بالـ ” أنا ” ولكنه في نفس الوقت مثّل الاخر الداخلي لغيابه وعدم الحضور من خلال الحوار للحدث الدرامي :

غبتُ في الخرافة، غير أنني أمسكت النغمات من يديها، وأدخلتها معي. = قيل لي: إحذر، فلجأتُ الى النور .. وأن تباعدت الجمل عن بعضها ولكن الحدث المنقول هو هو واحدا ، وذلك من خلال السلسلة الحدثية لتشكيل البنية والتشكيل العاطفي التي منحها للغة بشكل هادئ خارج الانفعالات .. ظهور الشاعر وتمييزه في النصّ الشعري من خلال عدة جمل أعتمدها الشاعر يجعل الدلالة دلالة سردية ، وهنا اللغة الوصفية هي التي نالت الركن الأكبر في التماشي مع النصّ الشعري : توجهت الى العالم الحديث، غير أنه أعطاني بالوناً ملوناً بالوعود. بصقتُ في وجهه. فهذه القيادة التي رسمها الشاعر هي ميزته الواحدة وسيطرته الذاتية على النصّ الشعري ، لذلك فقد أثار بعض الأسئلة ليكتمل لديه تتابع الوحدات السردية : يا أيها الناس! / لماذا تأخذون العربات الذاهبة الى الماضي؟ / ولماذا لا ترتقون أجنحة الريح؟ يعتمد الشاعر هنا متعمدا على الاخذ بالافعال المضارعة ، لكي يكون النصّ الشعري من خلال تجانسه أكثر حركة وأكثر ظهورا مما ربط حركة الأفعال بالمجاز اللغوي . إنّ الرؤية التي يقدمها الشاعر ، رؤية الراوي ، الذي حلّ محله كمرسل للحدث الأول أو رسالة أراد توصيلها ، ويقول الناقد محمد مفتاح في كتابه تحليل الخطاب الشعري ، استراتيجية التناص (( كلّ نصّ شعري هو حكاية ، أي رسالة تحكي صيرورة ذات )) .

فالنصّ الشعر نصّ تواصلي ، وان أعتمد التقطيع في بعض الاحيان ، الا أنّ كل قطعة تشكّل طبقة شعرية ” قصيدة ” لذلك نؤكد دائما على العلاقات المتواجدة بين الأدوات ، ولكن في شكله العام النصّ السردي يكون متداخل الاجناس :

لا العواصف، ولا الزلازل تستطيع أن تحجب عنّي الزهرة النابتة بين الأنقاض. كنتُ أغمض عينيّ حينما يغزونا الشتاء. وحينما أفتحهما كنتُ أرى الأعشاب الصغيرة تبتسم لي. كنتُ أرسم الدروب للمشرّدين، وأبحثُ عن مفاتيح التأريخ تحت بوابة الشك. ليس غريباً أن أعيش في الظلال، وليس عجيباً أن تتجرّح التماثيل حينما ننظر الى الأفق.

كيف نشعل النار في الفيضانات؟

كيف نمزق الأخلاق أمام الأجداد؟

كيف نحرق الشرائع أمام الأوصياء؟

وكيف نجعل الماضي يرفع راياته لنا؟

نفس القصيدة

لو نلاحظ السارد في النصّ الشعري الذي رسمه الشاعر باسم الانصار ، هو الذي مسك بحركة النصّ الرئيسية ، وقد كان الادراك لمراحل ، حسب مايتطلبه النصّ السردي الشعري ، مما أثار الشاعر عدة أسئلة في نهاية النصّ السردي وهو يضع علامات لتلك الاسئلة ، مما تشير الى حضور تام للسارد الأول ” الباث ” وهو السارد الفعلي الموجه للتشكيلات اللغوية من جهة ، والغوص في تحرير المعاني بشكل أوسع من جهة أخرى ، وليس غريبا أن يضع الباث ” السارد ” رؤيته الوحيدة ؛ أي لا يشكل السرد فيه إلا وجها واحدا، وهو الذي يعرفه مع انفلات اللغة  وأنه هو المؤلف الواقعي للنص، وهو المتكلم الذي بإمكانه أن يقحم متكلما آخر داخل مناسبات مختلفة، فإذا تمكن السارد من وضع رؤيته الواحدة؛ فإنّ تلك الرؤية تحل محل العناصر الأخرى المشكّلة للنصّ الشعري ، ولكن مانلاحظه من خلال ” الأنا ” التي امتلكها الشاعر ، فقد ترك بعض الدلالات كما ذكرت ” العقلية ” . لكي تكون الجملة ذات مزج متجانس مع المشهد الشعري .. تقول الناقدة د . بشرى موسى صالح بموضوع ” تداخل الشعري والسردي ” ((ان النص الشعري وان تداخل مع السردي لايتبنى خطابا سرديا متكاملا ربما يشئ ببعض عناصر السرد او يوحي ببعضها الاخر ولكن عادة ما تكون تلك العناصر متقطعة اي محدودة النمو ومنحسرة التفاعل بسبب من طبيعة القصد الايحائي للشعر قد انتبه روبورت شولز في كتابه (سيمياء النص الشعري) الى أننا ينبغي ان نكون ماهرين في فرز العناصر السردية والدرامية والخطابية والشخصية الغالبة بسبب طبيعة الشعر الاجمالي التي تعتمد على الحذف البلاغي في الخطاب الشعري )) .. لذلك تجمع الدراسة النقدية بين ماهو بنائي وسياقي ضروري ، للدخول واظهار العلاقات التي تعتمدها القصيدة الشعرية السردية .

تغرّبتُ مجدداً، وبدأتُ بداية أخرى. تسلّقتُ المنفى، وعملتُ في تنظيف الرغبات الى أن سقطت أحلامي في الأوحال. وحينما مشّطتُ المياه بأناملي المدماة بعد منتصف الزمن، سبحت الأقمارُ في عيوني.

 كنتُ صديق الأموات. حملتُ السؤال، وألقيتهُ في منعطف التأريخ. خبّأتُ كوكبَ الزُهرة في معطفي، وذهبتُ إلى حانةٍ فارغةٍ إلاّ من رائيٍ منبوذ. حملتُ الحربَ في حزامي، وأرتديتُ الغابات تحت أغصان الزيتون. تجسّستُ على الذهب في الأزقة المظلمة، وضمّدتُ جراح نهاراتي بالقلم. لم أقرأ كتاباً، إلاّ ودفنتُ السُمّ بين سطوره. وحينما خرجَت الأخلاق من المنجم ملطخةً بالفحم، رميتُ عليها أحجاري.

من قصيدة : غرابٌ لا يعرف النعيق

لوجود طلقة أخرى حول التغريب والمنفى يقودنا الشاعر العراقي باسم الانصار الى غرفته الشعرية ، وهو مابين الرغبة الجامحة والاحلام التي سقطت خارج الرغبة ؛ وطالما نتكلم عن الاحلام إذن هناك حركة خيال كليّة تجانست مع النصّ السردي المحمول من ذاكرة متجولة مابين الأنا وبين الاشياء .. فقد أطلق الاشياء رابطا اياها بالمرسل ” الباث ” وهو نفسه السارد في المتن الشعري ليتواصل معنا تاركا دلالات قد هدمت اللغة وأعاد بنائها من جديد ، وتهديم اللغة تذهب بنا الى عاملين : العامل الأول هو الزمن الأول ، والعامل الثاني هو الزمن الثاني ، ووجه الإلتقاء بين الزمنين .. إنّ الزمن في المسرود يمكن أن ينتج إلينا عددا من المكونات الزمنية ، لذلك تهديم هذا الزمن والاتكاء على اللغة الحسية أكثر ، أعطى للفعل السردي تواصله الداخلي داخل النصّ السردي.

كنتُ صديق الأموات. حملتُ السؤال، وألقيتهُ في منعطف التأريخ. / حملتُ الحربَ في حزامي، وأرتديتُ الغابات تحت أغصان الزيتون…. هذا التواصل اللغوي للحسية الداخلية قضى على جميع الاعتبارات ، الا من أدوات النصّ الشعري ، لذلك مانلاحظه ميول الشاعر الى لغة المجاز من جهة والى تصوير الصور الحسية من جهة أخرى ، مما رسم صورا شعرية جزئية تناشد الصورة الشعرية لجسد القصيدة بمكنونها الفعلي وحركة اللغة النظامية..

المقاربة التداولية والمعنى

لاشكّ أن القاموس الشعري قاموس واسع المعاني والالفاظ فمن خلال التراكيب للجمل الشعرية يستطيع الشاعر بتجربته أن ينساق الى عدة لغات نوعية منها اللغة الشعرية واللغة الدرامية واللغة القصصية ، كلّ هذه الأشكال اللغوية يستطيع أن يدخلها بمهارته الشعرية .. التقارب التداولي يستطيع من خلاله أن ينتقل الى لغة الاقناع الحجاجي وكذلك الى معرفة وقدرة الفعل وحركته داخل النصّ الشعري ، وهنا يتحكم الشاعر في حسيته ليذهب بنا الى تراكيب جديدة ووظائف جديدة لكي يصل الى دلالات تعمل على تنشيط النصّ الشعري .. (( إنّ ثمّة لامجال لانكارها ، وهي أنّ المضامين الخصبة المتطورة هي وحدها القادرة على تحقيق قيمة الواسئل الفنية الجديدة ، وعلى تبرير وجودها ، وأحسب أنّ هذه الحقيقة لاتقلل من أهمية الشكل بمقدار ماتصنعه في مكانه من الأهمية ، وتحدد فعاليته في عملية الابداع الشعري ، التي لايعتبر فيها الشكل قشرة خارجية بل يعتبر نسقا تبقى المادة الشعرية بدونه خليطا وفوضى – ص 54 – ظاهرة الشعر الحديث – أحمد المعداوي المجاطي – الدار البيضاء ، المغرب )) .

يساهم شكل القصيدة مع وحدة المعنى في المنظور الشعري الداخلي والخارجي ، لذلك فاللغة ودوافعها العديدة تشكّل إحدى اشكال القصيدة الحديثة ، وإنّ المعنى بوحداته المتتالية له من الاهمية وحضوره في نسق المتن عند الخلق ، وكذلك تقودنا اللغة ” وهي العمود الفقري ” في وحدة القصيدة وتوجيهها بالشكل المناسب لرؤية الشاعر وتجربته الشعرية . نذهب الى الناقد المغربي د . جميل حمداوي الذي يقودنا مع –  النظرية التفاعلية – واستحضار المتكلم والمتلقي فيقول : (( ينبني النصّ الأدبي حسب النظرية التفاعلية على التفاعل ” Interaction   من خلال استحضار المتكلم والمتلقي اللذين يدخلان في علاقة تفاعلية دينامية إيجابية أو سلبية حسب منطق السلطة ، والتفاوت الاجتماعي والمعرفي والطبقي . بيد أنّ السلطة التفاعلية قد يحوزها المتكلم ، وقد يمتلكها المتلقي ، وقد يشتركان فيها عبر التفاعل التضامني الايجابي والتعاون التداولي المثمر – ص 48 – د . جميل حمداوي – التداوليات وتحليل الخطاب )) .

ولكن قد يفاجئ الباث المتلقي بواسطة الألفاظ التي يوظفها ، ويذهب به الى ما وراء الواقع ، وهنا يتطلب دراية عميقة والاشتراك مع المرسل في رحلته القصائدية .. نحن نهئ الاشياء ليتمكن منها الاخر ” خارج الباث ” لكي يكون معها ، بل يحضّره بالشكل الذي يرتأيه .. اذن نحن مع وسيلة جديدة في النطق الشعري وفي السقطة المفرداتية ، ومن الصعوبة جدا تقليدها :

ها هو زمنُكَ يتدحرج على جبل الثلج،

وها أنا أراك تسيرُ في الأزمنة الآمنة.

ها هي رغباتكَ تتلوّن بالعسل في الكهوف، وها أنا أراكَ تنام مع الوجع القديم.

كنتَ ترغبُ في البكاء على الماضي،

وكنتَ ترغبُ في النحيب على المستقبل. كنتَ تودُّ احتضان الخريف والأبدية معاً!

لم تكترث بعربة الشعراء يوماً،

ولم تركض سوى خلف الحكايات الميتة.

أخبرتك بأن تمشي معي صوب الأحلام الزائلة،

وأن لا تمشي وحدكَ نحو الأماني الخالدة. حلمتَ بأن تضعَ خضرة الحشائش في الحقائب،

غير انّكَ وضعتَ لون السماء في الغرفة.

تذكّر، أنّك واللّذة توأمان.

تذكّر، أنّ السماء لا تنام تحت رغباتك.

وتذكّر، أنّ حياتَكَ محاطةٌ بالأشجار.

من قصيدة : حياة محاطة بالأشجار

تنساق اللغة في التداولية الى لسانيات التلفظ ، وهنا كياني المتلفظ والمخاطب ، وتنساق الى شقين حسب فرانسواز أرمينكو في كتابه ” المقاربة التداولية ” تداوليات اللغة الشكلية وتداوليات اللغة الطبيعية ..

ولكن نبقى مع التفكيكية والذهاب الى اللغتين ضمن المنطق الفلسفي للشعرية وما تناوله الشاعر العراقي باسم الانصار في مجموعته الشعرية ” ليس لدي ما أقوله ” . إنّ توحيد الجمل الشعرية وتواصلها مع اختلاف المعاني تضعنا أمام نوعية المزاوجة الكلامية في المعنى المنقول أو المعنى من خلال إدراك الشاعر..

نلاحظ من خلال تراكم الافعال لدى الشاعر في طبقاته الشعرية المعتمدة بأنه خارج أفعال القول ؛ أي اعتمد على أفعال حركية لكي تتم عملية التركيب بمعان جديدة من جهة ، وإيصال مايدور في مخيلة الشاعر من جهة أخرى ، لذلك ننتمي الى هذه الافعال التي شكلت لغة فعلية في التداول وظهور المعاني المدغمة ، فالشعر الحديث يعتمد الرمزية والاشارات والعلامات ، ونحن هنا من خلال توجيهاتنا النقدية مع هذه الاركان المتعددة .. ها هو زمنُكَ يتدحرج على جبل الثلج، / وها أنا أراك تسيرُ في الأزمنة الآمنة.

ها هي رغباتكَ تتلوّن بالعسل في الكهوف، / وها أنا أراكَ تنام مع الوجع القديم.

طبقتان شعريتان غير متطابقتين في المعنى ، ولكن نفس حركة الفعل تحويهما .. فالفعل يتدحرج يساوي الفعل تسير ، ولكن تجنب الشاعر أن يقع بنفس المعنى من خلال تركيب جملته الشعرية الثانية ، فجبل الثلج يختلف عن الازمنة الآمنة ، والازمنة عديدة إن كانت آمنة أو خارجها ، فالمهم لدينا هي الزمنية ، وسبب وقوع الفعل من خلالها .. لقد أعتمد الشاعر من خلال افكاره الشعرية على حوار داخلي وحوار خارجي ضمن الذات التي اشتغل عليها ، لذلك نتستنتج بأنه قد شدّد على إعطاء المرسِل لغته الظاهرية ، وقد اعتبر المرسل اليه الصوت الثاني في قصيدته ، وهنا من الممكن أن ننصف العمل على :

الذات المتحاورة

المرسل

المرسل إليه

العامل الموضوعي

الحركة الموضوعاتية

ترغب في البكاء – ترغب في النحيب .. لو نلاحظ حالة التكرار في الفعل المضارع ” ترغب ” لوصلنا بأن الفعل له حركته بين الجمل ، وهنا فائدة التكرار بالوصول الى الشكل التأكيدي واختلاف المعنى عند توظيفه ، وهذا يمنحنا حركة أوسع عند رسم المعاني الموضوعاتية من خلال الذات المتحاورة..حلمتَ بأن تضعَ خضرة الحشائش في الحقائب، – غير انّكَ وضعتَ لون السماء في الغرفة. ليس هناك مفارقة بين السماء الواسعة والفضاء الواسع فكلاهما يحضن الاخر ، ولكن المفارقة في تصغير الاشياء بين الحقيبة المناسبة المحمولة وبين الغرفة الثابتة المنظورة ، وكذلك الحشائش الملموسة والسماء المنظورة غير الملموسة ؛ هذه الاشياء شكلت لدى الشاعر الحركة الموضوعاتية في تركيب جملته الشعرية .. ونبقى مع حركة الفعل مابين المرسل والمرسل اليه في المتن الذي رسمه الشاعر باسم الانصار :

تذكّر، أنّك واللّذة توأمان. – تذكّر، أنّ السماء لا تنام تحت رغباتك. – وتذكّر، أنّ حياتَكَ محاطةٌ بالأشجار.

تكرار الفعل تذكّر كونه لفظة تفيد المعنى لذلك اختلف توظيفه في الجمل الشعرية الثلاث ، وقد أنتج الفعل تذكر من خلال تكراره إضافة جمالية وذائقة شعرية ، مما قاد المعاني الشاعر بمفردة واحدة ، مغيرا في المسلك العام للجملة الشعرية والميالة الى مسلك المحاور بين الذات ” المرسل ” وبين ” المرسل اليه ” .

وهنا قد دلّ الفعل المكرر الى دلالات متنوعة ومختلفة في المعنى ، وهذه هي الحيلولة القصدية لدى الشاعر عندما انساق خلف التكرار ، بالاضافة الى ذلك صوت الكلمة ووقوعها الجرسي ، مما أعطت نغمة أحادية لها صدى في الفراغ ، وقد اصطدمت في الجمل المتواصلة .. كلّ جملة مرسومة من الجمل الثلاث تشكل طبقة شعرية ذات صورة امتدادية الواحدة للاخرى ضمن جسد القصيدة التي أولدت هذه الجمل بمعان مختلفة ، وقد انتمت بعض الجمل الى أسلوب الدهشة وذلك لنسيج الانفعال في ذاكرة الشاعر  وتردده مع المشاعر والمحسوسات حول استقبال كينونته الشعرية من قبل الاخر ..

القصد من تسلسل الحوار الداخلي وهو يعني الحوار الذاتي ، وقوف الشاعر الى حالة البناء الخارجي للقصيدة وهذا الحوار مستمدّ من الرواية عادة ، وخصوصا في حالة تشخيص الاخر ومخاطبته ..

الصبية يتلصصون على الأرامل من ثقوب النهار،

والرجال يلعقون أكفّ العرافات.

أها!

الجنود يأكلون بنادقهم،

والباعة المتجولون يضعون النجوم فوق عرباتهم.

أها!

المرأة الفضية تدخل المرآة، وتضع الغيوم في الحقائب.

أها!

الشيطان يخلق الفراشات من التراب،

والأفعى تلتف حول البرج خانقةً الطفل في فمها.

أها!

أرى الحربَ تلعبُ حول منازلنا.

أها!

أرى الحربَ، هوية المحاربين، ودم الفكرة.

أها!

أرى الأبدية مع الرائي عبر نافذة الحانة القديمة.

أها!

أمي تشتري عدة سنوات من فرن الزقاق.

أها!

اخوتي يُحنّطون أرواحهم في فكرة الهوية.

أها!

أبي يقطع رأس الحرب بسكينٍ، ثم يتجه نحو الموت من دون رغبة.

من قصيدة : بانوراما الدهشة

هناك الكثير من أنواع التكرار وقسما منه يستخدم في الرسومات وفي الزخرفة ، هذه من الناحية الفنية ، وهناك التكرار الوظيفي في اللغة ، والتكرار المتولد والمتابدل والدائري والمتناثر .. ولكن مايهمنا في التكرار نحو اللغة التكرار الوظيفي ، حيث الشاعر يوظف بصريته ومخيلته في استيعاب جمالية خاصة ، ويعكسها كمرآة متواصلة لتكرار المفردات أو الافعال .. لو نلاحظ مابين الجمل فقد كرر الشاعر باسم الانصار بتردد جميل وله خاصيته لمفردة ” أها ” والتي اعطت قوة جمالية بصرية وسمعية بالخصوص عند لفظها عند كلّ جملة نقف أمامها .. وفي نفس الوقت الشاعر لايستطيع أن يستغني على الأفعال الدائمة والافعال الامتدادية وكذلك الارتدادية في مسلك الجمل الشعرية والتي نزلت كصور صادمة ، تحمل شحنة مغناطيسية في العمل الشعري ؛ ومن هنا جاءت العمليتان ، التكرار لمفرة ” أها ” والافعال قد اخذا نصيبها الظاهري عند الجمل الامتدادية المبتورة..

الصورة الشعرية باعتبارها ايقونة ، وتشكيلا وتخييلا ذهنيا يختلف فيها المنقول والاصل ، وهي شبكة معززة باللغة التواصلية الانفعالية الإنفرادية ، باعتبارها تأسست في ذهنية واحدة واشتغل الشاعر عليها ليرسمها بتصاوير حياتية منقولة بواسطة البصرية والبصرية المكانية : الصبية يتلصصون على الأرامل من ثقوب النهار، – والرجال يلعقون أكفّ العرافات. – أها! – الجنود يأكلون بنادقهم، لقد ربط الشاعر هنا من ناحية الاصل ومن ناحية اللغة المنقولة المختلفة عن اللغة العادية بانفعالية تفاعلية ومفردة ” أها ” .. فقد مال الشاعر ومازال يميل الى بعض المفردات اليومية التي لاتخالف الكلمات المتداولة ومنها : الصبية ، الأرامل ، الرجال ، العرافات ، الجنود والبنادق ، ألا أنّ الشاعر امتدت لديه البصرية المكانية ليوحّد فيها الأماكن في الذهنية وينزل بها على شكل تصاوير عديدة التقطها بكاميرة ” مزوّمة ” .

لقد أفاض الشاعر البيان للمفردات ونقلها ليجعل مبدأ الفهم ميسورا :

الشيطان يخلق الفراشات من التراب، – والأفعى تلتف حول البرج خانقةً الطفل في فمها. – أها! = أرى الحربَ تلعبُ حول منازلنا.

نقطة الاستراحة للشاعر والفصل بين جميع التصاوير هي ” أها ” واراد من ذلك حالته التعجبية في المعاني التي نقلها ، إذ أن مكوث الشاعر بين العجائبية الواقعية ضمن منطقة الخيال الذهني وبين العجائبية المنقولة ، ضمن الخيال البصري .. وفي الحالتين كان مكوثه التفكر والتفكير بايجاد المفردات التعيينية في رحلته القصائدية .. لو نلاحظ الشخصيات التي نقلها الشاعر هي شخصيات مقرّبة من القلب ومن بيته الذي نشأ فيه ، مما يدل بأن الشاعر لم يخرج خارج تفكيره الذهني المحصور بآل بيته وبيئته التي ترعرع بها :

اخوتي يُحنّطون أرواحهم في فكرة الهوية. – أها! – أبي يقطع رأس الحرب بسكينٍ، ثم يتجه نحو الموت من دون رغبة. كلّ الأشياء مقربة من الشاعر وهو يتجول بينها ليأخذها منظوره الشاعري ، وهذه هي الشعرية البداية من الذات الداخلية والخروج بها الى الاخرين .. فالمفردات التي حازت بصريته أن ينقلها : أخوتي ، فكرة الهوية ، أبي ، الحرب والموت .. وكلها مفردات قريبة من الشاعر ، وكل فرد عراقي عاشها ، وهنا قد عكس الشاعر منظوره الداخلي بالعالم الذي حوله …

يتمتع الشاعر عادة في لحظته الشعرية على اكتشاف الذات واعادتها مرة ثانية ، وعند الاكتشاف يذهب بنا الى حالته التداولية في السكوت وفهم الفهم ، لان المعاني صامتة ، تتمتع باريحية قلبية باردة ، وتحتاج الى صياغة ، أما صياغة محايدة ، والتي يتمتع معظم الشعراء بها وأما صياغة ذاتية ذاتية ، والتي لها خصوصيتها النفسية وحالات الحصار النفسي التي يعاني منه الشاعر …

وحينما شاهدتّ غودو حاملاً الفانوس في الغابات،

تذكّرتُ القبطان الذي أخذه الطوفان الى القرن الماضي.

راحت أمواجُ البحر ترسل كلمات يوليسيس إليّ،

وراحت الثعالبُ تسرق أوراقَ البحر لأجلي.

لنذهب صوب الفنار، ولنسأله عن أخبار السفن الغارقة،

ولنذهب الى القرية، ولنسألها عن الحكواتي الذي أحرقه الشتاء.

ــــــ زايكو، زايكو، البحر هناك.

من قصيدة : نزهة

بنية الجملة الشعرية التي يعتمدها الشاعر العراقي باسم الانصار ، ذات مشاعر وأحاسيس خارج الحسّ المباشر وهي عبارة عن أفكار ودوافع يعتمدها بدوافع لاشعورية ، ليقودنا الى نصّه الشعري بشكله المرسوم ، ولكن في نفس الوقت عندما يعتمد الشاعر على اللاشعور في مذهبه الشعري ، فأنه في اغفاءة داخلية من الخيال ومع المفردات والجمل الشعرية ، لذلك اطلقت على خاصيته بنية الجملة الشعرية ، وليس بنية المفردة مثلا ، فالجملة تعددت فيها تراكيب المفردات ، واستخلصها الشاعر لتكون نواة أولى وكما نلاحظ من خلال إطلاعنا على مجموعته الشعرية     ” ليس لدي ما أقوله ” فقد اعتمد على الجملة اعتمادا كليا وهو ينحت بالكلمات وتواصلها ضمن غرفة الجمل الشعرية : وحينما شاهدتُ غودو حاملاً الفانوس في الغابات، مانلاحظه هذه الجملة الطويلة وقد تواصلت وامتدت مع جارتها الجملة المتتالية : تذكّرتُ القبطان الذي أخذه الطوفان الى القرن الماضي… وقد أنهى الفارق بين الجملتين وباقي الجمل الشعرية بنقطة بداية وليس نقطة انتهاء .. ونقطة البداية تدل على شئ ، إذن هي دلالة تركها الشاعر وراح يبحث عن جملة أخرى ، فقد كانت بعض الاشخاص زوار الشاعر في قصيدته ” نزهة ” أمثال عشار ورامبو وزايكو .. وكذلك فقد أهدى الشاعر باسم الانصار بعض قصائده لاصدقائه الشعراء الذي يعيشون قربه ، وهو يلوّح بلهيب الكلمة الشعرية وتوظيفها بالشكل الرؤيوي ومسيرته الشعرية ..

انتمى الشاعر الى افعال التوليف في مماشاة قصائده وهي تثبيت لمكانته الشعرية من ناحية المكان والزمان وكذلك ايجاد وجهة نظر خارجية ، تدحرجت من داخله في فنية القصيدة الحديثة ..

اللغة الاستدلالية كانت ترافق الشاعر وهو يقودنا بمعان تجلّت بين الرومانسية وبين المعاني المنقولة بوسيلة المنظور البصري ، وكذلك ماترسب في مخيلته ، هذه رحلتي مع قصائد الشاعر العراقي باسم الانصار والمقيم في العاصمة الدنماركية كوبنهاكن…

 آخر كتبه : هبات الفقدان .. حركة الخيال والبنى القصائدية

في تجربة الشاعر العراقي سلمان داود محمد.